يكون موجودا لا أخنه لكن حينما يسافر

سلام إبراهيم
2015 / 11 / 7

يكون موجودا لا أخنه لكن حينما يسافر

كنت أنسب كل التجارب لي، تجارب ضاجة بالجنس والمضاجعات في الغرف والسطوح، في الأضرحة المقدسية والحقول. أصورها بإحساس وتفصيل وتمثيل، حتى أنها كانت تتضرج، وترمقني بعينين ملتهبيتين. في يوم من أيام لقاءتنا الأسبوعية المنتظمة باغتها بسؤال:
- كم رجل ضاجعتي في حياتك حتى الآن؟!.
أرتدت متكئةً على مسند أريكة المقهى. رمقتني للحظة خاطفة كلمح برقٍ وردت بديهية أذهلتني:
- فين هنا لو كل حياتي!.
باغتتني:
- كل حياتك؟!.
- يووووووووووووووووووووووووووووه
قلت مبهوتاً بصوتٍ واهن:
- ماذا تقصدين يا صديقتي؟!.
ردت ببرود أعصاب أذهلني:
- ضاع العد منذ زمن!.
وكأنها قطعت الجملة فقسماتها تقول في تأملها لوجهي المذهول:
- كم أنت ساذج ياشيخي الوسيم!.
قلت لنفسي:
- هذا الوجه الشبيه بمريم العذراء، الناضح براءة. لم تبلغ الثامنة عشرة إلا قبل أيام. متزوجة لديها طفل ومضاجعة عدد لا يحصى من الرجال، رغم أنف أبيها المصري الذي سرقها إلى القاهرة!. أنها كنزٌ.. نافذة تطل منها على أعماق المرأة فلا تضيعها يا هذا.. لا تضيعها!.
تماسكت مستدركاً:
- وهنا.
- أثنين.. لو.. ثلاثة.
لكنني سأكتشف أسبوعا.. بعد أسبوع؛ أنها لم تترك أحداً دون ان تضاجعه، تحكي لي مثلا عن علاقاتها بأحدهم.. ومن شجون الحديث تنسى بعد شهر بما أفضت به، فتعيد الواقعة مؤكدةً أنها ضاجعت ذلك الشخص ناقضة قصتها الأولى. تفضي بتفاصيل لا تتعلق أبدا بالعمل الجنسي كعادة الدون جوان الذي يجعل من العملية الجنسية وتفاصيلها سراً، فهي عندما تصل إلى هذه النقطة.. تصمت وفي طرفها بسمة، على العكس مني إذ أفيض في هذا الموقع لأنه من نسج أخيلتي، لكنني سأفتح رموز الكلام، فقولها عن شاب عراقي نزيل معسكر لجوء تعرفت عليه في القطار عرضًا عندما سألتها عن موصفات الرجل الذي تريده قالت:
ـ أريده أطول مني، أكبر مني بسنين كثيرة، حلو، حنين، يحترم المرأة بجد، يونس بالجلسة، وبالفراش هو يقود!.
أدركت أنها تقصد مضاجعاتها للأوربيين الذين يدعون المرأة في الغالب تقودهم نحو قمة النشوة
علقت عرضا:
- يعني واحد مثلي بالضبط!.
علقت:
- ياريت!.
رجعت إلى الموضوع قائلا:
- وبعد يا حلوتي
علقت ضاحكة:
- وأهم شي يبوس زين.. مو مثل ( سيف العراقي )!.
وسيف شاب عراقي تعرفت عليه في القطار. عجبها شكله فتبادلت معه رقم التلفون. وشكت لي مرارا من إلحاحه في المكالمات اليومية الطويلة. كانت في ذلك الوقت علاقة حميمة مع عشيق أفغاني طويل القامة لازمته أياما من الصباح حتى المساء. لكن يبدو ان لديها أو لدى المرأة الشرقية أو المرأة بشكل عام نفس رغبة الرجل في التغيير. هكذا بينت لي التجربة:
-هل ماترويه عليّ حقيقي أم أنها تود أن تغيضني لإعراضي عنها؟ .. لا أدري!.
كان تعلقي بها يزداد كلما أوغلت في هذي التفاصيل. ستضيفه في بيتها وهي الوحيدة معه إبن من ذاك المصري المغمور في محلة الحسين الشعبية الذي كان يضاجعها حبا وسرا في غرفة الخزين.. ستخيب منه وهي تؤكد عدم أهلية – سيف – لفن البوس الذي يعني بقاموسها المضاجعة .. قلت مع نفسي وهي تحكي لي عن ذلك من أين يجد سيف التوازن ذاك المكبوت أمام حرية جسدك التائق إلى المطاولة في الجنس بينما العراقي مهتم بالتفريغ الغريزي فقط!.
بدات مفاتيح لغتها المؤدبة الخافتة النبرة تنفتح أمامي لقاء بعد آخر، فالبوس يعني مضاجعةً، قلت لها لما أكملت سرد حكايتها معه:
- أسمعي.. لا تقربي عراقي مرة ثانية. لن تجدين مثلي.. أنا إستثناء من قاعدة!.
سوف تخبرني في جلسة أخرى أنه ما يعرف يضاجع فطردته بعد ليلة لم تفهم منها شيئاً. وعندما أخبرت أحد زملائي الكتاب عن نيتي بكتابة قصة عن شخصية لاجئة عربية حارت بين حضارتين ففسدت مانحةً جسدها لكل عابر رغم ثقافتها ووعيها قال لي باسماً:
- دخلت بتجربة مع واحدة مثل موصفات الشخصية التي تريد الكتابة عنها، ضاجعتها بعد ساعة من تعارفنا وهي تصغرني بخمسة وعشرين عاما سميها – نادية – وهذا اسمها!.
كدت أصرخ عجبا، وعندما سألته عن أصلها أكتشفت أنها هي. ستنفتح أبواب جهنم عليّ وتحول يومي من مسرات اللقاء بفتاة صغيرة وجميلة في مقهى كل أسبوع إلى جحيم الكشف في اعماق حواء العجيبة.. ستزيد من توتر حياتي، وتجعلني أشك بكل النساء. ستخبرني أنها تولهت برجل لكنه يهودي ولديه جنسية اسرائيلية، ستطلب مني رأيا، سأشير عليها به مادامت مفتونة فطزٌ في العالم فأنا مع الإنسان ومشاعر الحب دون دين أو عرق او قومية أو لون. أطربها قولي وذهبت لليهودي بكلها أول الأمر.. سيتوله اليهودي الثري كثير السفر، سأكتشف أنها تخونه حالما يغيب، مع أول عشيق لها هنا في السويد وهو أفغاني الذي تركها وتزوج قريبته، هي قصت لي حكاية ليلة رأس السنة تلك فقد صادفته في حفلة مشتركة في بيت، أوصلها في ساعة متاخرة. وطلب الدخول لشرب فنجان قهوة، قاطعتها:
- لم فعلتِ ذلك وعندك عشيق مسافر
أجابت ببداهة ومنطق لم أملك إزائها غير الصمتِ:
- وحدي تعرف شني وحدي وانا في العشرينات وبالسويد، ثم أنه أول عشيق لي هنا وعرف جسدي وصار الأمر صدفة والحياة لحظة. وهذه ليست خيانة فعندما سيعود عشيقي سأمتنع نهائيا عن مثل هذه الأمور!.
أردفت مفصلة:
- كنا وحدنا ولم تكمل!.،
لكنها ستضيف؛
- رن الجرس بعد أيام وكان عشيقي – بيير - اليهودي قد عاد من السفر وزارني ليقضي ليلته في بيتي. فتحت الباب كان الأفغاني واقفا في الباب يود تكرار مباهج ليلة رأس السنة لكنه انسحب حال رؤية عشيقي وكان الأمر محرجاً، فصاحبي كان يشك ويغار!.
قلت مع نفسي:
- إذا كان لا يشك ولا يغار فهو حمار!.
الشيء الذي حيره ببوحها هو ردها حينما نصحها بالكف عن الخيانات الصغيرة والوفاء لصاحبها اليهودي الذي هبلها حسب تعبيرها:
- لا أدري شو مفهوم الخيانة، حينما يكون موجودا لا أخنه ولا أفكر بآخر، لكنه حينما يسافر ويكون طفلى لدى أمي، فأبقى وحيدة في الوكيند أتجنن، فما أنا فاعلة في الشقة، فاتصل وأسهر الليل في المرقص والبيت. أما عن رأس السنة هل تتخيلني لا أضاجع ليلتها.. ذلك مستحيل، ثم أن الأفغاني يعرف جسدي وهو أول واحد ضاجعني هنا. بعدين شو الرجال؛ هم مجرد كلاب ما أن يشوفوا المرأة حتى يُرهولوا وبأول إشارة منها بيتبهذلوا!.
- أنا رجل أيضا!.
قلت لها ذلك وسوف لا أنسى جملتها في تلك الليلة الوحيدة التي أستضافتني بها في شقتها، فسهرنا حتى الثانية صباحا، وكانت قد أعدت كل شيء. نيّمتْ طفلها، وأعدت العصائر، والمكان ولبست ثوبا يكشف مفاتنها وعطرت الصالة بالبخور وأشعلت الشموع. وضعتني في إمتحان عسير، فأما أضاجع هذه - المريم - الباهرة وأتحول إلى كلب من كلابها أو أصمد فأبقى بمصاف الإنسان. جعلتني احتدم مضطرباً. وفي قمة توهجها حيث تحول إيقاع حركاتها ومشيتها إلى ما يشبه الرقص. نهضت قائلا:
- سأذهب!.
إذ لو بقيت دقائق أخرى سأسقط في مطب لا مخرج منه، فأنا أصلا مدلهٌ بها مثل صبي يتيم، بالكاد تخلصت من ودادي وولهي بها، فكيف إذا ذقت جنان جسدها. كنت داركا طبيعة مصيبتي، رائيا مآلي لو وقعت.. إذ ليس أمامي غير الجنون إذن. تبعتني إلى المدخل، كنت منشغلا بلبس حذائي وعندما رفعت ناظريَّ نحوها وجدت قسماتها تحولت إلى صخر فيه فتحتين ينثان حقداً أملس. زاد إضطرابي. حاولت مدارة مشاعرها. أردت عناقها فاردًا ذراعيَّ، لكنها أطلقت صرخة خافتة، وتلقفت يدي اليسري بعنف وغرزت أسنانها وهي تفح. تماسكتُ متحملاً موجات الألم الكاسحة. كانت تركع على ركبتيها قرب الباب وتشد أسنانها إلى أن هدأت فالة يدي النازفة. فتحت الباب وأبتعدت في الظلام سامعاً خلفي صوت إطباقها العنيف. لم تكلمني ستة أشهر، وظلت تتجاهلني كلما صادفتها في الشارع، وقتها كانت قد أنتقلتْ إلى مرحلة دراسية أخرى وأنا توقفت عن المدرسة تماما.)
من مخطوطة رواية -كل شيء ضدي- معدة للطبع