السودان: اتفاقية نيفاشا و علاقات الارض القديمة

محمود محمد ياسين
2015 / 11 / 2

هذا المقال يحتوى على معظم ما جاء فى مقال سابق للكاتب بعنوان ” قضية الارض فى اتفاقية نيفاشا“مع إضافة مقدمة تشمل إلقاء الضوء على طبيعة علاقات الارض والمناخ السياسى السائد فى السودان وقت إنجاز إتفاقية السلام الشامل أو إتفاقية نيفاشا التي وقُعت في التاسع من يناير 2005 بين الحكومة السودانية والحركة الشعبية لتحرير السودان.

مقدمة
* إن البحث فى علاقات الأرض فى السودان يجانب الصواب إذا تم بنهج ميتافيزيقى يفصلها عن الصورة الكلية لواقع البلاد الإجتماعى/الإقتصادى الذى حدد تَكوُّنها عبر الزمن؛ فهى علاقات موضوعية مبنية على مصالح طبقية محددة وثمرة لشروط إجتماعية/إقتصادية وليست نسقاًً ثابتاً محبوساً فى إطار مطلق لا تاريخى. وبالتالى فإن علاقات الأرض عرضة للتغير لتتكيف مع سيرورة تحولات الواقع.

وضعت قوانين الاراضى فى السودان لتناسب التطور الاجتماعى/الاقتصادى فى السودان المتسم بالتبعية الإقتصادية. فخلال إحتلال بريطانيا للسودان (1889-1956) عمدت على ربطه بالسوق العالمى بإنتهاج سياسة إقتصادية ظلت البلاد بموجبها زراعية ملحقة كمصدر للمواد الخام وسوقاً للبضائع المستوردة. وما زالت الإستراتيجية، فى جوهرها، فى مجال النشاط الإقتصادى كما وصفها فى أحد تقاريره السنوية، ريجنالد ونجت، حاكم عام السودان في غضون فترة الإحتلال البريطانى، بأنها تهدف لتهيئة البلاد ” لاستثمار رؤوس الاموال الواردة للبلاد......وتطوير السودان بالتركيز على الزراعة لانتاج المحاصيل النقدية...“ وأيى تغيير حدث لاحقاً كان من حيث الكم وليس الكيف.

وبعد التحرر السياسى الذى أحرزته البلاد عقب إنتهاء الإحتلال الإستعمارى للسودان كرست الدول الغربية وضع السودان كدولة زراعية متخلفة تكبل العلاقات السائدة فيها تطور القوى المنتجة. وظلت تسهر على تواصل هذه السيطرة الإقتصادية طبقة بورجوازية كمبرادورية هى صانع الملك (king maker) فى السودان بما يتماشى مع المعادلة التى يفرضها صراع الدول الكبرى على النفوذ فى العالم. والحفاظ على بنية إقتصادية متخلفة (ما قبل- رأسمالية) أدى لتحويل غالبية الشعب لكادحين تحاصر المعاناة كل جوانب حياتهم.

وهكذا فإن المهمة الإستراتيجية للتغيير فى السودان سياسية تتعلق بالتخلص من المعوقات التى يفرضها التأثير الخارجى لضمان إستدامة وضع الدولة الزراعية، أى حل المسألة الزراعية، وعليه توظيف تكتيكات النشاط النقابى والسياسى لخدمة هذا الهدف الإستراتيجى. والمسألة الزراعية تختلف عن معالجة المشاكل والمعوقات الإعتيادية (mundane) التى تواجه قطاع الزراعة والمزارعين. فحل المسألة الزراعية من واقع التاريخ السياسي للعالم هو الانتقال من النظام الاقطاعى الى الراسمالية: تحويل قوى الانتاج المتخلفة والانتاج الصغير المغلق الى قوى انتاج متقدمة تستطيع الاضطلاع بتوسيع دائرة الانتاج. وبالتالى فإن حل المسألة الزراعية فى السودان قضية سياسية/اقتصادية / اجتماعية كبرى تتعلق بتغيير طبيعة حيازة الارض (التعبير الحقوقى لعلاقات الانتاج) الذى يفتح الطريق امام القوى المنتجة لكى تتطور بعد ان كانت تلك العلاقات تكبل تطورها؛ والسبيل الى هذا التغيير يشمل القضاء على العلاقات الشبه اقطاعية والتبديل الجذرى لعلاقات الارض بتقويض الملكية الجماعية القبلية للارض حيث يسود العرف فى استخدام مواردها؛ فهذا الشكل السائد فى البلاد لايسمح بكفاية استخدام الارض على أساس جماعى يؤمن تطوير الانتاج وإستئصال شروط فقر وبؤس معيشة ملايين الكادحين. ويكون التغيير، من جهة أخرى، بتثوير الزراعة الحديثة بنقض طبيعة الملكية الشبه رأسمالية التى تقوم عليها (وهى طبيعة فرضتها التبعية).

* جاءت إتفاقية نيفاشا فى مناخ سياسى يمثل أحد أطرافها الدولة التى تسيطر عليها سلطة عسكرية جاءت إمتداداً للانظمة السابقة تحت غطاء ثيوقراطى. وتجلى الإتصال المفصلى (articulation) للسلطة العسكرية بالانظمة السابقة فى تكريس النظام الشبه راسمالى الذى يعتمد على تجارة الصادر والوارد والتوكيلات والتمثيل التجارى؛ وهو نظام مرتهن للخارج بإعتماده على القروض والهبات والمساعدات الخارجية وخضوعه لمؤسسات التمويل الدولية وإرشاداتها الخاصة بخصخصة اصول الدولة الانتاجية والعاملة فى المجالات الخدمية. وإمتد أثر هذا النسق الإقتصادى ليشمل الانتاج فى القطاع الزراعى الحديث؛ فالعلاقات فى هذا القطاع، كعلاقات راسمالية، حدت تشوهات الاقتصاد الوطنى من نموها لتصبح شكلاً راسمالياً خالصاً. فالزراعة الحديثة مثلها مثل القطاعات الانتاجية الاخرى فى السودان إكتنفتها تشوهات كثيرة نتيجة لعدم التكافؤ فى التبادل التجارى الدولى؛ فهى تستورد إحتياجاتها من الماكينات والمعدات والمواد الزراعية وهى واقعة تحت رحمة المصدرين الذين يفرضون الاسعار التى يخضع تحديدها لتوجه السياسة العامة للمصالح الخارجية التى تحرص على جعل موارد البلاد الاقتصادية منخفضة السعر عند تصديرها للخارج.

وفيما يتعلق بالطرف الآخر فى الإتفاقية، الجبهة الشعبية لتحرير السودان، فقد خاض صراعه السياسى القومى ضد السلطة المركزية المستبدة إنطلاقاً من فكر سياسى مبنى على التعبئة الشعبوية وصياغة المظالم على أساس عرقى. ولهذا غاب عن هذا الطرف إدراك طبيعة المعادلة الغير عادلة فيما يخص العلاقة بين القوى المتسيدة سياسياً ”فى المركز“ وباقى شعوب السودان، وبالتالى تغليب عامل الهوية على العامل المادى الذى يفسر مسألة اللامساواة بسيادة علاقات بالية يفرضها أسلوب الإنتاج المتخلف فى السودان. ولهذا لم يطرح هذا الطرف تصوراً واضحاً يضع القوى التى تصارع المركز فى إطارها الطبقى الصحيح وراحت تقاتل تحت شعار التهميش الفضفاض الذى يجنح لتصنيف القوى الإجتماعية المتصارعة الى كتل مع إهمال الأجزاء والتقسيمات داخلها. ومن أكثر النتائج السلبية لنظرية ”الكتل“ فى عمل الحركة الشعبية كان عدم استلهامها لمفهوم التغيير الوطنى الديمقراطى الراسخ فى الحياة السياسية السودانية والذى يؤكد أن الحل يكمن فى تحقيق الديمقراطية الإقتصادية التى تؤصل لمواطنة حقيقية لحقوق الأفراد والفئات الإجتماعية المختلفة وليس التطلع لديمقراطية سياسية تقوم على الإنقسام العرقى. كما أن مفهوم التغيير الوطنى الديمقراطى يوفر إضاءات حول التداخل بين ما هو طبقى ودينى وعرقى وقومى ووطنى.

إن إنشغال الحركة الشعبية بالمسألة العرقية لم يكن جاذباً للمواطنين وتمثل هذا فى فشلها أثناء الحرب فى انجاح مشروع جيش ” لواء السودان الجديد“ الذى وُصف ب ” البوتقة التى تنصهر فيها كل قوميات السودان“، وفى هذا الخصوص ليس غريباً أن يكون من بين من إستقطبتهم الحركة أولئك الذين يصرحون الآن بأن سبب إنضمامهم للحركة الشعبية كان للتطهر من قضية الرق!!

كما أن دور الدول الكبرى فى إعداد إتفاقية السلام والمراقبة الوثيقة لعملية إكمالها لا يمكن إنكاره، وأى محاولة لنفى هذا الدور محاولة غير موفقة. فالمنطق البسيط لا يعجز عن إدراك أن التغييرات الكبرى على صعيد الدولة السودانية التى تضمنتها الإتفاقية لا يمكن أن تحدث الا عبر مباركة الدول الكبرى، فهى حريصة دائماً على عدم السماح بأى تحولات سياسية تهدد إستراتيجياتها المرتبطة بمصالحها فى أى منطقة. وفى هذا المنحى فإن كتابة تاريخ الإتفاقية تتقَوَّى بالبحث عن ما دار فى المداولات حولها التى جرت فى هايدلبرج بألمانيا ومركز الدراسات الإستراتيجية والدولية في واشنطن (Center for Strategic and International Studies-CSIS) ودوائر مخابرات دولية أخرى، وليس بالإكتفاء بوقائع إجتماعات طرفى الإتفاقية التى تمحورت فى إبقاء الوضع الإجتماعى/الإقتصادى على حاله (status que) فى الأقليمين ولم تقدم جديداً فيما يخص المسألة السودانية بالنظر الى المحصلة النهائية؛ وربما يجنح أى تحليل جاد للإتفاقية الى إعتبار معظم تلك الوقائع ليس اكثر من هوامش (footnotes) تشمل تفاصيل تتعلق بالترتيبات الأمنية وإدارة الدولة وليس تغييرها.

‾-;-‾-;-‾-;-‾-;-‾-;-‾-;-‾-;-‾-;-‾-;-‾-;-‾-;-‾-;-‾-;-‾-;-‾-;-‾-;-
الحفاظ على علاقات الارض القديمة فى إتفاقية نيفاشا
معظم النقد لإتفاقية نيفاشا يتسم بالإرتجال وتناول مسائل عرضية وشكلية دون الإهتمام بالجوهر، وجاء هذا كنتيجة موضوعية لغياب التفكير النظرى الذى يعزز إتساع الرؤية النقدية لفهم الإتفاقية وتفسير بنودها فى إطار الطبيعة السياسية والتوجهات الاقتصادية لطرفيها.

بتوافق وتحالف سياسي بين المؤتمر الوطني الحاكم والحركة الشعبية وباقصاء لكل القوى السياسية، وضعت القاعدة الاساس التى بنيت عليها الإتفاقية وهى الحفاظ على الوضع الإجتماعى/الإقتصادى السائد، الذى يجدد إنتاج التخلف، المعبر عنه سياسياً بسيطرة الطبقة الراسمالية التابعة على الدولة على حساب الطبقات الأخرى؛ كما أن تكريس النظام القديم يؤمن سيادة الطبقة الصاعدة النظيرة فى جنوب البلاد. فالإتفاقية تخلو من تناول متطلبات الشعب فى الاقليمين الجنوبى والشمالى للسودان الموحد، وعدم التطرق الجاد لإنهاء وصاية الدولة على نقابات العمال والمزارعين والمهنيين بوضع شروط وضمانات محددة لتحقيق الديمقراطية السياسية والعمل على قيام حركة مطلبية مستقلة. وقد إستمدت الإتفاقية اطارها الفكرى وتوجهها السياسى من بروتوكول مشاكوس 2002 ”الفصل الاول من الاتفاقية الشاملة“ المتسم بالعمومية ومفاهيم العدالة والمساواة والحرية المجردة.

ومعالجة الاتفاقية لموضوع ملكية الارض فى السودان، الذى نقصر هذا المقال على تناوله، يلقى ضوءاً على تكريس الطرفين المفاوضين للعلاقات الاجتماعية/الاقتصادية السائدة المتسمة بخذلان الريفيين الذين يشكلون أغلبية سكان البلاد.

تناول بروتوكول قسمة الثروة المضمن فى المادة 2 من الفصل الثالث من اتفاقية السلام الشامل مسالة ملكية الاراضى والموارد الطبيعية وأدناه أهم الفقرات حول هذا الموضوع.

1. ” دون المساس بموقف الطرفين فيما يتعلق بملكية الاراضى والثروات الطبيعية فى باطن الارض شاملة ما فى جنوب السودان، فان هذه الاتفاقية لا تستهدف معالجة ملكية هذه الثروات“ ويؤكد الطرفان على ” ان تنظيم حيازة الارض واستغلالها وممارسة حقوق الملكية سلطة مشتركة تمارس على مستويات الحكم المختلفة. “ 2-1

2. ” يتفق الطرفان على بدء عملية تطوير تدريجى وتعديل القوانين ذات الصلة، لادراج القوانين العرفية والممارسات والتراث المحلى والتوجهات والممارسات الدولية الدولية. “ 2-5

3. ” دون الاخلال بالسلطات القضائية للمحاكم يتم إنشاء مفوضية قومية للاراضى القومية..... “ وأهم المهام التى أوكلت للمفوضية القومية هى ” التحكيم فى النزاع بين الاطراف المتنازعة، الراغبة فى اجراء التحكيم، بشأن اى نزاع حول ارض، والفصل فى هذه النزاعات.... “ و ” تقبل المفوضية ما يحال اليها بناء على طلب الحكومة المعنية، أو اثناء النظر فى الادعاء وتقديم توصياتها لمستوى الحكم المعنى بشأن: إصلاح سياسات الاراضى......الاعتراف بالحقوق العرفية و/أو القانون العرفى للاراضى........تقديم المشورة لمستويات الحكم المختلفة عن كيفية تنسيق السياسات بشان المشاريع القومية .....دراسة وتسجيل ممارسات استخدام الاراضى فى المناطق التى يُباشر فيها استغلال الموارد الطبيعية. “ 2-6

يتضح من النقاط السابقة ان طرفى التفاوض اتفقا على ترك مسألة حقوق ملكية الارض بلا حل والحفاظ على الوضع الخاص بها مثلما هو عليه. وقد اجمع كثير من الباحثين على ان الاتفاقية لم تقدم جديداً فيما يخص االقوانين الخاصة بالارض (fait accompli). ويوجد عرض جيد لهذا الاجماع فى كتاب “Land, Governance, Conflict and the Nuba of Sudan”، لمؤلفه د. جمعة كندة كومى، وهنا تلخيص لاهم النقاط فيه:

•توصيات مفوضية الاراضى غير ملزمة للحكومة لتغيير سياستها حول الارض.
•لا توجد آلية لتمثيل المجتمعات المحلية، التى تشمل الرحل والمستقرين، فى اجراءات اصلاح الاراضى.
•من غير الواضح فى حالة الدعاوى المتعلقة بالنزاع حول حقوق الارض كيف ستسير عملية التقاضى، ومن سيقوم برفع الدعوى وهل يتم هذا على اساس فردى ام جماعى، واذا كانت جماعية فمن يمثل الجماعة المتضررة وما مدى شرعية هذا التمثيل.
•صمتت الاتفاقية عن تجارب المجتمعات المحلية فى ادارة واستغلال الآراضى المستغلة جماعياً.
•فى غياب ضمانات وشروط فيما يخص الاراضى المملوكة عرفياً للمجتمعات المحلية، فهناك ابهام حول طبيعة القوانين التى تطبق فى حالة التقاضى والتحكيم حول المنازعات.
•ما يؤكد على حرص طرفي الاتفاقية على الحفاظ على الوضع كما هو فان المفوضية القومية للاراضى لم تر النور خلال الفترة الانتقالية لسريان الاتفاقية لمدة ست سنوات.

ولكن معظم الدراسات التى تتناول قضية الارض فى الاتفاقية لم تنظر الى ان استبعاد معالجة ملكية الارض فى الاتفاقية هو الاساس المؤدى الى الحفاظ على التدابير التشريعية الموجودة قبل توقيع الاتفاقية، وما التغيرات التى اقترحتها الاتفاقية الا مراجعة شكلية للاجراءات القانونية الخاصة بحق تملُك الارض (وحتى هذه المراجعة لا تخلو من الالتباس كما هو موضح أعلاه). هذا فى حين راح نفر آخر من الدارسين والكُتاب يعضد صراحة منحى نيفاشا من مسالة ملكية الارض. وقد عبر عن هذا بوضوح د. منصور خالد، فى مقالات له تحت عنوان” بروتوكولات نيفاشا ... البدايات والمآلات“، حيث ذكر مدافعاً عن سداد الاتفاقية فيما يتعلق بتناولها لقضية ملكية الارض بان ” قضية ملكية الأرض في حد ذاتها لم تُفجر المواقف ، بل فجرها أمران . الأول هو كيفية استغلال هذه الأراضي منذ عهد عبود ، وبصورة أكثر كثافة منذ عهد مايو بعد صدور قانون الأراضي الجديد (1970) والذي اعتبر كل الأراضي غير المسجلة في السودان ملكاً للدولة . الأمر الثاني هو انهيار البيئة الطبيعية ليس فقط بسبب عوامل طبيعية (الجفاف)، وإنما أيضاً بسبب الاستغلال السئ من جانب البشر للموارد الطبيعية، خاصة الرعي الجائر والتطور غير المخطط في الزراعة الآلية المطرية . تعبير البشر هنا يشمل الدولة باعتبارها الفاعل الأساس في عملية الإنتاج ؛ فالدولة هي التي تضع السياسات، وهي التي تمنح التراخيص، وهي التي تنظم وتضبط استخدام وسائل الإنتاج، وهي التي يُفترض أن ترعى حقوق المستضعفين.“

لكن اهمال الدور المركزى لملكية الارض فى ” تُفجر المواقف“ فى السودان، كما هو وارد فى المقتطف أعلاه، يعادل عدم ارجاع النزاعات لعلاقات الانتاج فى ارياف البلاد؛ فالملكية وعلاقات الانتاج وجهان لعملة واحدة اذ ان الاولى هى التعبير القانونى لعلاقات الانتاج. فمثلا فى حالة الزراعة الآلية المطرية نجد ان الملكية الخاصة لحيازات ضخمة من الارض تؤدى الى علاقات انتاج طابعها فصل وتشريد الريفيين عن وسائل الانتاج (الارض) وتشغيل بعضهم اجراء بشروط مجحفة لتحقيق الهدف النهائى لتلك الحيازات وهو جنى الارباح.

إن ملكية الارض ليست شيئاً مستقلاً بل علاقة تَحَكَّم فى تطورها فى السودان مسار العلاقات الاجتماعية/ الاقتصادية وليس فلسفة القانون؛ وجاءت طبيعتها، كما ذكرنا سابقاً، عاكسة لربط الاقتصاد الوطنى بإقتصاديات الدول الكبرى. ان نقطة انطلاق قوانين الارض فى السودان هى تأميم الدولة للارض الذى تم بهدف تسهيل نقلها كحيازات زراعية حديثة لمستثمرين افراد او شركات أو للدولة نفسها لاستغلالها راسمالياً. وظل يحكم هذه القوانين معيار واحد هو وضعها لكى تصب فى صالح طبقة كبار التجار وملاك الآراضى. فبعد استقلال البلاد من الحكم الاستعمارى الانجليزى، استمرت الدولة فى السودان فى وضع قوانين للاراضى كامتداد للقوانين التى وضعها المستعمر فى مصلحة الاستثمار الحديث فى مجال الزراعة. فقانون 1970 يتيح للدولة وضع يدها على كل الاراضى الغير مسجلة بدون تعويض ويخّول لها اللجوء للقوة المناسبة لنزع الاراضى، وقانون المعاملات المدنية لعام 1984(Civil Transaction Act) أقر ملكية الدولة لكل الأراضي واطلاق يدها فى مصادرة اراضى المواطنين وتحويلها من الملكية العرفية لملكية مصدق عليها قانوناً اذ حددت مادته 559 ان ” الارض لله والدولة مستخلفة عليها ومسئولة عنها ومالكة لعينها وتعتبر جميع الأراضي من أي نوع التي لا تكون مسجلة قبل تاريخ العمل بهذا القانون كما لو كانت قد سجلت باسم الدولة...“؛ كما ترافقت مع قوانين الاراضى قوانين لتشجيع الاستثمار (قانون 1956 حتى قانون 1999 المعدل فى 2003 و2007) جاءت فى مصلحة كبار المستثمرين فى النشاط الزراعى بما شملته من اسعار تشجيعية واعفاءات.

ادت قوانين الاراضى الى تكريس مركز كبار ملاك الآراضى بتقنين نزع اراضى الغير وتعضيد القطاع الزراعى الحديث فى مراحل نموه المختلفة. وشمل هذا القطاع مشاريع مروية فى منطقة الجزيرة والطلمبات على النيل وفرعيه فى النيلين الأزرق والأبيض ومشاريع للزراعة المطرية الآلية فى أجزاء متفرقة من البلاد ومزارع فى الآراضى النيلية حول المدن لانتاج الخضر والفواكه وتربية المواشى لانتاج الالبان وتربية الدواجن.

وهكذا فإن حال الذين يرون ان ملكية الارض "فى حد ذاتها" ليست المشكلة فى نزاعات البلاد هم كمن يحلم بملكية راسمالية ولكن بدون استغلال الاجراء وتدمير البيئة وبدون تشوهاتها نتيجة التبعية وشرورها الاخرى النابعة من كونها راسمالية! وهذا حلم جميل ولكنه طوبائى.

المسألة الاخرى التى توضح تكريس الاتفاقية لنظام ملكية الارض كما هو قبل الاتفاقية (المنحاز لكبار ملاك الاراضى) تتعلق بالموقف من حقوق المجتمعات المحلية فى الارض. فاتفاق الطرفين على ” ﺑ-;-ﺪ-;-ء ﻋ-;-ﻤ-;-ﻠ-;-ﻴ-;-ﺔ-;- ﺗ-;-ﻄ-;-ﻮ-;-ﻳ-;-ﺮ-;- ﺗ-;-ﺪ-;-رﻳ-;-ﺠ-;-ﻲ-;- وتعديل القوانين ذات اﻟ-;-ﺼ-;-ﻠ-;-ﺔ-;-، ﻹ-;-دراج اﻟ-;-ﻘ-;-ﻮ-;-اﻧ-;-ﻴ-;-ﻦ-;- اﻟ-;-ﻌ-;-ﺮ-;-ﻓ-;-ﻴ-;-ﺔ-;- واﻟ-;-ﻤ-;-ﻤ-;-ﺎ-;-رﺳ-;-ﺎ-;-ت واﻟ-;-ﺘ-;-ﺮ-;-اث اﻟ-;-ﻤ-;-ﺤ-;-ﻠ-;-ﻲ-;- واﻟ-;-ﺘ-;-ﻮ-;-ﺟ-;-ﻬ-;-ﺎ-;-ت واﻟ-;-ﻤ-;-ﻤ-;-ﺎ-;-رﺳ-;-ﺎ-;-ت اﻟ-;-ﺪ-;-وﻟ-;-ﻴ-;-ﺔ-;- “، لم يكن اكثر من كلام فى الهواء لبيع الاوهام لأهل الريف الفقراء بعد تامين الاتفاقية لنظام ملكية الارض الموضوع لخدمة المصلحة المار ذكرها. والاوهام تتجلى فى نزوع الاتفاقية لجمع نمطين للانتاج، متناقضين من ناحية تاريخية، للتعايش على صعيد واحد؛ وهما الراسمالية (التابعة) المتمثلة فى نظام استقلال موارد الريف باسلوب حديث، واسلوب انتاج (متعدد المضامين) بدائي قبل راسمالي فى الآرضى العرفية. والعلاقة بين هذين النمطين عدائية، فالراسمالية لا تتقدم للامام الا على حُطام علاقات الارض القديمة، وهكذا فإن الزراعة الحديثة فى السودان لم تنبثق الا بانشاء ملكيات تقوم على حيازة وتجميع الاراضى العرفية فى مزارع كبيرة وتحويل جزء من الريفيين المنزوعة اراضيهم الى اجراء زراعيين وتشريد الآخرين.

لم يعدم مبدأ الاعتراف والاقرار بحقوق مواطنى الريف العرفية فى الارض بصورته المجردة ان يجد من يؤيده وسط بعض الجهات والاشخاص المهتمين بقضايا الارض فى السودان الذين صار هذا الاعتراف وفقاً لهم بمثابة المدخل لحل قضايا الارض فى السودان؛ وللمفارقة لم يدرك هولاء ان تحسين حياة اهل الريف ليس رهنا باقرار علاقات الارض القديمة بل بالقضاء عليها، وان علاقات الانتاج الموغلة فى القِدم هى السبب فى حالة التاخر المزمنة للمجتمعات الريفية. فنظام ملكية الارض العرفى القبلى يعيق الاستخدام الكفؤ للارض الذى يُحسِنه اسلوب انتاج المزارع الحديثة بادخاله للنظم الزراعية الحديثة وتطبيق العلم على العمليات الفلاحية التى تدفع الانتاج الى التحسن كماً وكيفاً،الخ. ..... ولهذا لم ولن تصمد علاقات الارض القديمة امام زحف الزراعة الراسمالية الحديثة الكبيرة التى تقف فى مستوى أعلى ضمن التسلسل الزمنى لتعاقب الحقب التاريخية رغم اضرارها الكثيرة والتعقيدات التى تحدثها فى حياة الناس. فمثلاً الحواكير فى دارفور التى تدار بنظم ادارية عرفية عمرها مئات السنين تظل عرضة للوقوع فريسة سهلة امام زحف وحش الراسمالية التابعة المتعطش لانتزاع المزيد والمزيد من الاراضى.

ولكن رغماً عن ميزاتها وتفوقها على الملكية العرفية للارض، الا ان الزراعة الحديثة فى السودان تثير عدة اشكالات تنبع من طبيعة الاقتصاد الوطنى الذى تشل أوصاله التبعية. فبالنسبة لعلاقات الارض فان المشكلة ليست فى هدم نظم الارض القديمة (لصالح الاستثمار الراسمالى)، بل فى الاقتصاد الذى كرسته الانظمة الوطنية المتعاقبة ليصب فى مصلحة راسمالية محلية تابعة. فمثلما تعيق ملكية الارض القديمة عملية التنمية، فان التطور الراسمالى فى الزراعة تمنعه التبعية من تنمية القوى المنتجة الريفية على اساس راسمالى تام التكوين ومعمم، فمثلاً يتحول معظم المزارعين المنزوعة اراضيهم للعيش فى المدن واطرافها بلا عمل فى فقر مدقع لان الاقتصاد لم يتحول من إقتصاد زراعي (توجه منتجاته والعائد منها للتصدير للخارج) لإقتصاد صناعي يستطيع استيعابهم للعمل فى نشاطاته. فالمشكلة تكمن فى طبيعة الملكية كملكية شبه رأسمالية فى نظام تابع أدى الى قصر معظم النشاط الاقتصادى على القطاع الزراعى باقسامه المختلفة الذى تخضع موارده للاستنزاف عند التصدير نتيجة لعدم التكافؤ في التبادل التجاري الدولي؛ كما مكنت الراسمالية التابعة رؤوس الاموال من تحقيق الارباح الفاحشة باستغلال العمالة الرخيصة عن طريق قوانين العمل المجحفة وسلب التنظيمات النقابية استقلالها. وتصدير موارد البلاد الاقتصادية باسعار منخفضة وتحويل العوائد المالية منها للخارج هو ما ادى لتمكن حلقة الفقر من البلاد واتساعها عاماً بعد عام.

كان جديد اتفاقية السلام الشامل فى مسالة الارض قديم المبدأين الدستوريين الذين سار عليهما السودان الموحد منذ الاحتلال الانجليزى وهما حق الدولة الحصرى فى تحديد ملكية الأرض واستغلالها مباشرة أو منحها لمستثمرين كملكية خاصة، وحقها فى نزع اراضى الغير. ولاغرو ان تاتى طبيعة ملكية الحيازات الزراعية متلائمة مع توجه الدولة الاقتصادى. والدفاع عن حق المجتمعات الريفية لا يتم بترديد الحديث العاطفى عن نظم الارض القديمة والدعوة لتقنين اعراف الارض. فاثبات حقوق الملكية العرفية لا يغل يد الدولة عن نزع الملكية تحت شتى الذرائع كالصالح العام والمصلحة الاجتماعية والغرامات وتحصيل الضرائب أو عنوة عندما تعييها الحيلة.

اثبات حق المجتمعات الريفية السودانية فى الارض لن يتم بآليات قانونية لتقنين اعراف الارض وليس بالإستمرار فى طريق التمليك العشوائى للارض الذى ينتهى الى خدمة مصالح كبار ملاك الارض، بل بثورة فى علاقات الانتاج اساسها تمليك اهل الريف الارض عن طريق مساعدتهم لتنظيم أنفسهم فى تعاونيات زراعية حديثة. وهذا بدوره لن يحدث الا تحت نظام ديمقراطى حقيقى يكون الشعب فيه هو المسيطر والمشرف على كيفية استغلال موارد البلاد الاقتصادية، والا كانت التعاونيات التى نقترحها هنا مجرد شركات مساهمة لكبار ملاك الآراضى كما علمتنا تجربة البلاد السابقة فى هذا المجال.