ذهب أبو حاتم وبقي الديوان

راضي كريني
2015 / 10 / 30

30-10-2015
ذهب أبو حاتم وبقي الديوان
راضي كرينّي
غادرنا مساء الأربعاء 28-10-2015 "أبو حاتم الكوكاني"، الرفيق الحاج وفيق نصرة (أبو سيخ)، أحد أعمدة ومؤسّسي وبناة الحزب الشيوعيّ والجبهة الديمقراطيّة في أبوسنان.
أبو حاتم صاحب ومؤسّس ديوان الكوكانيّ. فيه يلتقي الرفاق والأصدقاء من أبوسنان والقرى المجاورة قبل الانطلاق للتعزية بمصاب، أو للتهنئة بنجاح، أو للمباركة بفرح، أو للمشاركة في عمل كفاحيّ أو تطوّعيّ، أو للسهر والحوار وللتفريغ والامتلاء.
في الليل، نتجمّع في ساحته صيفا، ويحلو السمر في إحدى غرفه شتاءً .. نتحاور، ونتكامل بالرأي، ونحدّد الأهداف، ونرسم خارطة العمل، وننتقي أفضل الأساليب الممكنة والضروريّة للحدث و...
هل يبقى الديوان؟
سألنا هذا السؤال بعد أن غادرنا رئيس تحرير الاتّحاد، الرفيق أحمد سعد، أحد أركان الديوان، ومقتبسي حواراته وناشريها.. أثبت الديوان أنّه أبقى مِن الموت ومِن غياب الكبار، وعصيّ على المصائب ونوائب الدهر القارعة .. صمد الديوان وتحدّى وتطوّر... وأبدع أبو حاتم في التئام الشمل وفي منع تبدّده، وفي تفتيح العيون الذابلة لتنظر في عيون الظالمين مباشرة بشجاعة وإنسانيّة .. نلتقي لنهبّ ولنتصدّى بتحدّي القابضين على الجمر، بدون واسطة، وبدون مواربة أو اهتزاز معنويّ وارتجاج فكريّ، أو انسحاب مبدأيّ، أو تراجع انتهازيّ أو ردّة رجعيّة، أو ...
هل يبقى الديوان؟
بعد أن رحل المدرّب على الصبر والتحمّل والإقدام. وبعد أن كسرنا قيود الخوف، وورثنا ثقافة الثوريّين، وتحلّينا بروح الأخوّة والوحدة الغلاّبة التي لا تُقهر، واكتسبنا ما يلزمنا من شجاعة وعزيمة وإصرار على المضيّ قدمًا في غمرة الأحداث والحياة.
هل يبقى الديوان؟
ما زالت الكويكات على مرمى عصا، وجارة لعمقا وأمّ الفرج والنهر والغابسيّة والبروة و...، وما دام حقّ العودة والتعويض، شخصيّا وجمعيّا، محمولاً على أكفّ المناضلين، وحقّ تقرير المصير يدمي الشفتين، ويقلب حسابات وطاولات المحتلّين والداعمين لهم وللظلم.
نحن نستحقّ الديوان .. ولن نكون إلاّ ما نستحقّ، وشربنا ما يكفي من إكسير الحياة لنحوّل اللجوء إلى وطن! لسنا أقلّ من الفيتناميّ، ولا من البرازيليّ، ولا من الروسيّ ... لا ينقصنا من الدافعيّة شيء؛ كي نطير ونحلّق ونهبط إلى الحريّة والعدالة الاجتماعيّة والأهداف النبيلة والارتقاء ..
نحن نستحقّ الديوان؛ لنجلو الأفكار، كي لا تتلوّث بلوثة من لوثات الانهزاميّة والأنانيّة المعيقة للتقدّم والظفر بالحريّة، نحن نريد الديوان لفترة استراحة بعد الكدّ والاجتهاد للتخلّص من نير العصر، وبعد السير خطوات على طريق النصر..
نحن نستحقّ الديوان؛ لأنّنا مسكونون بالوطنيّة، ومجبولون بالثوريّة و... والناس خيّرة وطيّبة، والفقراء بحاجة لنا ..
نحن نستحقّ الديوان الجامع للمظلومين؛ لأنّه يذكّرنا بإنسانيّتنا النابذة للانقسام بدون حساب، والفرقة بدون ألفة، والإقصاء بدون إبقاء، والنفي بدون إدناء و... تأبى ثقافتنا أن ننساه، وأن ننسى هويّتنا ومعتقداتنا الفكريّة، لن نسيء إلى ارتقائنا الأخلاقيّ ولن نمسّ مشاعرنا الإنسانيّة .. في الديوان نمارس شعائر دين الوحدة والصداقة والوجدان .. في الديوان نصرخ ونزأر ونضحك، ونصمت ونفكّر، ونتواضع بمعرفتنا، ونبوح بجهلنا، ونواجه الحقائق بمرّها وحلوها، ونطرح الإثباتات، ونبحث ونلخّص ونقرّر، نصادق ونتأنّس ونستأنس ونطمئن إلى بعضنا، ونثق ونتضامن وندأب للمصير، ونعادي الشرّ وقوى الشرّ ونقاوم، في الديوان نتشجّع ونطرق الأبواب المغلقة، ونتجاوز الخطوط الحمر التي يضعها لنا الجبن والعدوّ.
من الديوان نخرج وفي قلوبنا محبّة، ونشعل النار في مصابيح الأمل والحكمة، من الديوان نخرج لنمسح بمناديلنا الدموع من عيون الباكين، ونمسح بايدينا رؤوس أيتام الأهل والوطن ...
فنم يا أبو حاتم قرير العين. لن نتخلّى عن الديوان، ولن نبحث عن ديوان آخر ما دام ديوانك عامرًا، وما دمنا نلفّ موتانا بعَلمَين: علم الانتماء الفكريّ، وعلم الانتماء الوطنيّ ... سيبقى الديوان ملحًا لغذاء الثوريّين. وسنبقى في الميدان مع الجماهير المتفائلة!