المجاري .. كالطائرات

ابراهيم الجندي
2015 / 10 / 27

طرحت مشكلة السيول التى غرقت فيها الاسكندرية .. قضية الصرف الصحي واهميتها ، ليس الاسكندرية وحدها التى تواجه تلك المشكلة ، بل معظم محافظات مصر وعلى رأسها القاهرة خصوصا وسط البلد على سبيل المثال ، لم تتغير أو تتجدد مواسير الصرف الصحي بها منذ قرن من الزمان ، واكدت الدراسات المتخصصة انها متهالكة تماما وتتسرب منها مياه الصرف لتختلط بالمياه الجوفية التى تجد طريقها بسهولة الى مياه النيل التى نستعملها فى الرى والشرب !!

بعيدا عن تعامل الدولة مع الازمة ، وتعاطى الاعلام معها ايضا .. السؤال المطروح الان .. كيف نحل هذه الازمة وهى فى حاجة الى مليارات الدولارات فى وقت تشهد فيه البلاد ازمة طاحنة وأولويات عاجلة ؟
من وجهة نظرى المتواضعة لا حل سوى خصخصة قطاع المياه والصرف الصحي بالكامل ، وبيعهم للقطاع الخاص فورا ، والتوقف تماما عن ادعاء ان البيع يهدد الامن القومي ، فالتهديد الاول للامن القومى هو الجهل والافتراء

عندما يتم خصخصة هذا القطاع سوف نضرب عشرة عصافير بحجر واحد ، اولها ان ميزانية الدولة سوف تتخلص من هذا العبء الى الابد ، ثانيها ان القطاع الخاص سيسارع الى الاستثمار في هذا القطاع الحيوى المربح ، ثالثها توفير فرص عمل دائمة للالاف من الفنيين والحرفيين فى هذا القطاع ، رابعها أن القطاع الخاص سيبيع هذه الخدمة بثمنها مع تحقيق هامش ربح معقول حتى يستمر فى التجديد والصيانة والتطوير وخلافه ، وبالتالى سوف يتوقف المواطن العادي عن الاسراف فى استخدام المياه خصوصا اننا على أعتاب ازمة كبيرة فى السنوات القليلة القادمة بعد اكتمال بناء سد النهضة الاثيوبي !!

الارقام تؤكد ان المهدر من المياه أكثر من المستهلك ، وانه كلما تزايد استهلاك المياه .. كلما زاد الضغط على شبكة الصرف الصحى وقلّل من عمرها الافتراضي ، اختراع الصرف الصحى يوازي اختراع الطائرات حسب معلوماتي ، لأن تلك المواسير الضخمة المدفونة فى الارض يجب ان يكون لها ميل وانحدار بالمليمتر حتى تنساب فيها مياه الصرف بسرعة محسوبة بالثانية ، لأنها لو كانت بطيئة فسوف تتراكم وتسد المواسير ، وان سارت بمعدل أسرع من المحدد علميا سوف تنحر المواسير خصوصا انها مياه مالحة وبها مواد كيمائية كاوية كالصابون وغيره

نصف مساكن مصر بلا صرف صحى اساسا ، وتعتمد على الابيار ، وتلك مصيبة ما بعدها مصيبة ، لأن هذه المياه السامة تنساب وتتسرب الى المياه الجوفية مباشرة ومنها الى مياه النيل ، وتترجم الى فشل كبدي وكلوى وسرطان !! ان أحدا لم يسأل نفسه أين يتم تصريف مجارى الاسكندرية بالاساس ؟ هل الى البحر المتوسط الذي تقع عليه المدينة ، وبالتالى يتغذى عليه السمك ليعوم فى بطون المصريين لاحقا فى صورة أمراض لا علاج لها ؟

أين يتم تصريف مجارى القاهرة ايضا ؟ هل من طريقة لاعادة تدوير هذه المياه مرة اخرى لاستخدامها فى زراعة الصحراء بالاشجار، والاستفادة بها فى تصدير الاخشاب وتوفير عملة صعبة للبلاد ؟

لقد ساقتنى الصدفة لأرى بعيني كيف يتم التعامل مع مياه الصرف الصحي فى ولاية نيفادا الامريكية ، انهم يستفيدون منها اعلى استفادة بعد معالجتها بطرق علمية ، يتم استخدامها كسماد فعال للزراعة ، ورى الاشجار بالمياه والاستفادة بالاخشاب وتصديرها الى الخارج بالملايين ، بل وفى الشرب للانسان والحيوان .

يجب تحديد قطر ماسورة الصرف على اساس انه يستوعب الزيادة السكانية لمدة 100 عام على الاقل ، بمعنى أنه يجب حساب عدد سكان المدينة التى يتم انشائها بدقة ، وحساب الزيادة السنوية ايضا لمدة قرن ، وبناء عليه يتم تحديد حجم الماسورة ، وكمثال لو قررنا بناء مدينة تستوعب مبدئيا 100 انسان ، ومعدل الزيادة السنوية 10 أفراد سنويا ، يجب بداية تركيب مواسير تستوعب 1000 انسان ، بحاصل ضرب 10 أفراد زيادة سنوية x 100 سنة = 1000 انسان ، كما يجب عمل خريطة للصرف الصحى فى المدينة ، وتفتيش يسمح للمختص باصلاح العيوب ، بالاضافة الى تجهيز العمال بالسيارات والاجهزة الحديثة لهذا القطاع الحيوى الذى يهدد حياة الملايين .

لو عرفنا كم قرية ومدينة ومصنع تصرف مجاريها وعوادمها مباشرة فى نهر النيل على مدار النصف قرن الاخير ، لتأكد لنا أن العالم كله لو تآمر على مصر .. فلن يدمرها كما يفعل اهلها الان .