الشباب والحراك الشعبي الراهن

محسن ابو رمضان
2015 / 10 / 26

الشباب والحراك الشعبي الراهن

بقلم / محسن ابو رمضان

الشباب في أي مجتمع من المجتمعات هم قطاع اجتماعي عريض يتسم بالتفاؤل والأمل والتطلع للمستقبل ولذلك فهو ينشد التغيير المباشر والراهن باتجاه بناء مستقبل اجمل يستند إلى العدالة والحرية ويناهض الوضع الراهن الذي يتسم بالاستغلال والتمييز .
وعليه فليس غريباً أن نجد ان معظم أو أغلب الثورات والتحركات الشعبية واعمال الاحتجاج سواءً العنيفة أو السليمة يقودها الشباب الطموح الذي يريد التغيير والباحث عن الغد المشرق فإذا نظرنا إلى ثورات حركات التحرر الوطني من الصين إلى فيتنام إلى الجزائر إلى الهند نجد ان وقودها وقياداتها كانوا من الشباب ، كما ان الثورات الاجتماعية ذات البعد الرامي إلى تحقيق الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية وإزالة انظمة الاضطهاد والاستغلال سواءً في روسيا أو كوبا او جنوب افريقيا كان وقودها من الشباب ايضاً ،علماً بأن الحركة الطلابية لعبت دوراً رئيسياً وكجزء من بنية وتركيبة الشباب في عملية التغيير الاجتماعي ولعل ثورة الطلاب عام 68 في فرنسا مثال بارز على ذلك عندما استطاعوا ان يحققوا انجازات نقابية ومطلبية أثرت على كل بنية النظام السياسي باتجاه توسيع مساحة الحريات وترسيخ منظومة حقوق الانسان .
واستناداً لهذه القاعدة لعبت الحركة الطلابية دوراً بارزاً في تأسيس الثورة الفلسطينية المعاصرة في منتصف السيتينات من القرن الماضي وكان اتحاد طلاب فلسطين بوابة م.ت.ف والحركة الوطنية المعاصرة حيث ساهم في زيادة الوعي الوطني وتطوير الهوية والتأسيس لمرحلة جديدة من الكفاح الوطني من اجل التحرير والعودة إلى جانب نشره للقضية وكسب التأييد من الحركات الشبابية والطلابية التضامنية بالعالم لصالح حقوق شبعنا وفي مواجهة الاستعمار الاستيطاني الصهيوني .
وامتداداً لذات المفهوم فقد قامت الحركة الطلابية وقطاع الشباب بصورة عامة في تفعيل وقيادة الانتفاضة الفلسطينية الشعبية الكبرى من 87 – 93 حيث ساهموا بالتخطيط والتوجيه والتنفيذ لأعمال الانتفاضة ذات البعد الجماهيري والعمق الديمقراطي والاهداف التحررية الواضحة .
أدى تشكيل السلطة على خلفية توقيع اتفاق اوسلو إلى اجراء تحولات بنيوية في تركيبة الحركة الوطنية وفي النظام السياسي الفلسطيني " الجديد " ، حيث تضخمت السلطة على حساب المنظمة، وسادت مفاهيم وآليات الزبائنية والنفعية والواسطة في اطار نظام سياسي يتسم بالمركزية في اطار تعددية سياسية مضبوطة تحت سقف النظام سواءً عبر آليات الاستيعاب في البنى المؤسسية للسلطة أو المنظمة وعبر آليات الضغط والملاحقة والاعتقال للحركات المعارضة ، حيث ادى ذلك إلى تحجيم وتجويف الحركة النقابية ومنها الحركة الطلابية التي خرجت من اطار النضال المطلبي والديمقراطي وأصبحت ملحق من ملاحق تركيبة السلطة ، حيث جرى توظيف وتوزيع العديد من الكوادر الطلابية والنقابية في اطر السلطة والمنظمة ، حيث اسند دور تحقيق حقوق شعبنا إلى قيادة النظام السياسي الذي اتبع منهج المفاوضات في معظم الأوقات كآلية ووسيلة لتحقيق حقوق شعبنا .
ورغم هبة النفق عام 96 وكذلك اندلاع الانتفاضة الثانية بعد عام 2000 ، ومشاركة الشباب بها ، إلا ان المظهر العام لهذا القطاع الاجتماعي العريض اتسم بالاتكالية والانتظارية وضعف روح المبادرة ومحاولات البحث عن فرص عمل ووظيفة عبر الاندماج في مكونات السلطة سواءً المدنية او الأمنية أو عبر المنظمات سواءً الدولية او المحلية في ظل استمرارية سيادة النزعة الزبائنية والثقافة الاستهلاكية التي عززتها السياسات المالية والنقدية ذات الابعاد الليبرالية الجديدة بدلاً من آليات الحماية الاجتماعية .
ولقد ادى الانقسام والنزاع على السلطة موهومة السيادة إلى زيادة حالة اليأس والاحباط بين اوساط الشباب وخاصة انهم كانوا وقوداً لهذا الانقسام ، وقد حاول الشباب سواءً المستقل أو المنظم مع بعض القوى السياسية تنظيم العديد من الفاعليات باتجاه انهاء الانقسام وتحقيق الوحدة ابرزها التحرك الشبابي البارز الذي جرى في 15/مارس /2011 تحت شعار " الشعب يريد انهاء الانقسام " ، إلا أن هذا الحراك اجهض من القوتين الرئيسيتين المسيطرتين على الحكم في كل من غزة والضفة عبر وسائل الترغيب والترهيب الامر الذي عمق من حالة الاحباط واليأس والقنوط ودفع بالمئات منهم بالتفكير وممارسة الهجرة ، بحثاً عن فرصة عمل في ظل ارتفاع معدلات الفقر والبطالة ، حيث وصلت نسبة الأخيرة حوالي 57% بين صفوف الشباب ، حيث ينضم إلى سوق العمل في قطاع غزة حوالي 20 ألف ما بين خريج وباحث جديد عن العمل وفي الضفة حوالي 35 ألف ، الامر الذي ضاعف من حدة المعاناة في اطار ضيق وأضعف مساحة الحريات بسبب حالة الانقسام والنزوع للسيطرة والتحكم .
واعتقدت الحكومة اليمنية المتطرفة الاسرائيلية ان الوقت اصبح ملائماً بسبب حالة الانشغال العربي واستمرار حالة الانقسام الفلسطيني باتجاه فرض مزيداً من الوقائع على الارض حيث شجعت هجمات المستوطنين على المسجد الاقصى والاستيطان ومصادرة الاراضي وعمقت حالة التمييز العنصري عبر اقامة المعازل والبانتوستانات و استفردت بقطاع غزة عبر الحصار وعمليات العدوان العسكرية الواسعة كل ذلك ايماناً من حكومة اليمين المتطرف في اسرائيل انه لا يوجد ديناميات فلسطينية تستطيع مقاومة هذه الممارسات العدوانية والتوسعية والعنصرية .
لقد فاجأ جيل الشباب الذي ولد عند وبعد توقيع اتفاق اوسلو حكومة اليمين المتطرف في اسرائيل ، فهو ليس الجيل اليائس والمحبط بل المليء بالتحدي والاصرار ، حيث اشتق أدوات الكفاح الشعبية والفردية باتجاه مقاومة الاحتلال معلناً رفض ليس فقط هذا الجيل ولكن كل أبناء وفئات الشعب الفلسطيني لسياسة الاحتلال والعدوان والاستغلال والقهر .
لقد اصبح الفلسطيني مستهدفاً في بيته الآمن وفي الشارع وفي المدرسة ، حيث احرق الفتى ابو خضير وعائلة الدوابشة من مجموعات المستوطنين المتطرفين الامر الذي عجل من فرص واندفاعية الشباب باتجاه التوجه للشارع تعبيراً عن الكرامة وكأن لسان حالهم يقول نموت بكرامة وعزة وليس بهذه السهولة والخفة التي يريدها المحتل والمستوطن .
لقد مضى ما يقارب الشهر على اعمال الهبة أو الموجةالانتفاضية ، حيث لم ينتبه الشباب إلى حالة الانقسام التي انتظروا انهائها طويلا مدركين ان هناك من يبحث عن المكاسب والمصالح ولكنهم قرروا ان يبحثوا عن الحرية والكرامة .
لقد أدى الحراك واستمراريته إلى أرباك إدارة الاحتلال ، حيث صرح نتنياهو انه لا يوجد حل سحري لها ، كما تحاول الأوساط الدولية سواءً بان كيمون أو الرباعية أو جون كيري احتواء الانتفاضة رافعين شعار التهدئة للعودة للمفاوضات إلا أن الشباب ومعهم كافة فئات شعبنا تؤكد انها لا تريد العودة إلى الحلقة المفرغة " مفاوضات ، أزمة ، مفاوضات " هي تريد جهوداً دولية تستند إلى هدف واحد يجمع عليه شعبنا يكمن بإنهاء الاحتلال مرة وإلى الابد.
يستطيع الشباب تشكيل لجان ميدانية ، سواءً للحراسة أو للمواجهة الشعبية تعزيزاً للوحدة والتلاحم والعمل على احراج القيادات المنقسمة باتجاه تحفيزها للوحدة والمصالحة وانهاء الانقسام، كما تستطيع ان تحفز القوى السياسية والمجتمعية بممارسة اشكال وأدوات من الضغط والتأثير باتجاه انهاء الانقسام وتحقيق الوحدة عبر بلورة وتشكيل قيادة وطنية موحدة التي تعتبر الحاضنة والموجهة لهذا العمل الكفاحي الشعبي وفي اطار يحدد جدول العمل الميداني اليومي وفي سياق المشاركة الشعبية وزج كافة الطاقات في اتون الكفاح لتصبح الانتفاضة منهج حياة يشارك بها الجميع وليس فقط مجموعات الشباب، كما من الهام الدفع باتجاه الشعار الناظم الذي يجب ان يكمن بانهاء الاحتلال وليس تحسين شروط المفاوضات التي جربت لأكثر من 22 عاماً ولم تحصد سوى مزيداً من التهام الارض ومصادرة الاراضي لصالح دولة الاحتلال ومستوطنيها .

انتهى