ملاحظات حول دور القضاء في الإشراف على الانتخابات

محمد إنفي
2015 / 10 / 25

ملاحظات حول دور القضاء في الإشراف على الانتخابات
محمد إنفي
سيبقى مشكل الإشراف على الانتخابات يرخي بظلاله على كل عملية انتخابية، ما لم نضمن لها (أي الانتخابات) كل شروط الشفافية والنظافة والنزاهة والتنافس الشريف... ولن يتأتى ذاك إلا بشروط، منها ضمان تكافؤ الفرص بين المتنافسين، سواء من حيث التقطيع الانتخابي أو نمط الاقتراع أو اللوائح الانتخابية الخالية من الشوائب أو توفير شروط ممارسة حق التصويت في أحسن الظروف...ومنها، أيضا، وجود سلطة تحكيمية مستقلة قادرة على التدخل السريع والحسم الفوري عند حدوث أي تجاوز للقانون أو أي خرق لقواعد اللعب.
ولن يتحقق هذا الهدف إلا بتوفر شرطين أساسيين: الشرط الأول يتمثل في وجود إرادة سياسية حقيقية للقطع مع أساليب الماضي؛ والشرط الثاني هو وجود هيئة مستقلة للإشراف تتوفر على كل السلط وكل الوسائل (ومنها وسائل التدخل الفوري لتثبيت التجاوزات والخروقات) الكفيلة بضمان شفافية ونزاهة الانتخابات؛ وإلا فإن ديمقراطيتنا ستظل كصخرة "سيزيف"، كلما اقتربنا من الانتقال الديمقراطي الفعلي والحقيقي، كلما تمت بنا العودة إلى الوراء؛ وبهذا الأسلوب، لن تصل ديمقراطيتنا أبدا إلى مصاف الديمقراطيات العريقة أو حتى الناشئة؛ وستبقى انتخاباتنا، دائما، عرضة للطعن السياسي.
لقد سبق لي أن تحدثت، في أربع مقالات ("من أجواء اقتراع يوم 4 شتنبر بمكناس"،" عودة إلى أجواء اقتراع 4 شتنبر 2015"، " الغش الانتخابي على طريقة "السماوي" أو النصب على الديمقراطية باسم الديمقراطية" و" من وحي أجواء 4 سبتمبر: لماذا لا نجرب المقاطعة؟ فكرة للنقاش !! "، جريدة "الاتحاد الاشتراكي" أيام 7 و22 شتنبر و12 و19 أكتوبر 2015، على التوالي) عن أجواء الانتخابات الأخيرة التي عادت بنا إلى الوراء؛ عادت بنا إلى ممارسات سنوات السبعينيات والثمانينيات وحتى التسعينيات من القرن الماضي، مع بعض التغيير في الأساليب والوسائل. فقد عشنا يوم 4 شتنبر 2015 أجواء ذكرتنا (على الأقل أنا ومن هم من جيلي) بممارسات كنا نعتقد أنها أصبحت في ذمة التاريخ، فإذا بها تنبعث من جديد وبكل قوة وكل جسارة. ولست هنا لا مبالغا ولا قاصدا التهويل، وإنما واصفا الأجواء التي عشتها في ذلك اليوم والتي عادت بي سنوات وسنوات إلى الوراء.
وإن كنت آسف على شيء، فهو أننا لم نساير الأخ "حميد العكباني"، وكيل لائحة الاتحاد الاشتراكي بمدينة مكناس، في نيته الانسحاب من الانتخابات منذ الساعات الأولى من يوم 4 شتنبر 2015 والدعوة إلى ندوة صحفية لتوضيح الأسباب وفضح الأساليب المستعملة وتقاعس السلطة في مواجهتها. فقد عملنا على ثنيه عن هذا القرار الذي اعتبرناه في حينه انفعاليا، بينما هو، في الواقع، كان نتيجة، من جهة، ما عاينه، على مستوى المدينة من تجاوزات ومن ممارسات تسيء إلى العملية الانتخابية؛ ومن جهة أخرى، الحياد السلبي الذي لمسه عند السلطات الإقليمية. وأتفهم المرارة التي يتحدث بها، حين يقول في تقريره إلى المكتب السياسي للحزب:"وإن كان من نقد ذاتي آخر أقدمه هو أنني انضبطت لبعض الإخوة في الكتابة الإقليمية لما تقدمت باحتجاج مباشر في الولاية ، وكان في نيتي أن أعلن انسحابي من الانتخابات ، ثم أحرك الإعلام .. فلم أفعل انضباطا ..".
وللتنصل من المسؤولية، فقد وجدت السلطات في القضاء الجهة التي تختبئ وراءها، تاركة الحبل على الغارب للمفسدين يصولون ويجلون. فأينما توجهنا للاحتجاج على المخالفات، كنا نُجاب بضرورة اللجوء إلى القضاء. وسجلنا أن هذا الجواب كان موحدا على الصعيد الوطني؛ وهذا يعني من بين ما يعنيه أنه كانت هناك إرادة سياسية لتمييع العملية الانتخابية؛ مما جعل السلطات (أمن، درك، قواد، بشوات، أعوان سلطة...) ترفض التدخل وتثبيت الوقائع (وقائع الغش والتلاعب، سواء تعلق الأمر بشراء الذمم أو القيام بالحملة الانتخابية أمام مكاتب التصويت وداخل مكاتب الإرشاد أو حرمان الناخبين غير المرغوب فيهم من التصويت، الخ). وهو ما جعل الاتحاد الاشتراكي (وهناك مكونات سياسية أخرى، وحتى من الأحزاب الفائزة، قد طعنت في الاستحقاقات الأخيرة) يطعن سياسيا في الانتخابات المذكورة (انظر الندوة الصحفية لقيادة الحزب يوم 6 أكتوبر 2015).
ومن خلال تجربتي مع المحكمة يوم الاقتراع، أؤكد أن عملية التبليغ على الخروقات هي عملية غير ذي جدوى وفيها فقط مضعية للجهد والوقت. فقد وجدت نفسي أقضي وقتي في التنقل بين المحكمة حيث يجب وضع الشكاية مكتوبة ومركز الدرك أو الشرطة، حسب الحالة، حيث سيستمع إلي حول الشكاية الموضوعة لدى المحكمة؛ إذ بعد أن توضع الشكاية، تسجل بمكتب الضبط ثم ترسل منها نسخة إلى الجهة التي ستقوم بـ"البحث". ويبدأ البحث مع الموقع على الشكاية حيث يتم استدعاؤه من قبل الجهة المعنية لإنجاز محضر شكلي (روتيني) حول النازلة، وكأن الأمر يتعلق بشكاية عادية. ثم لا نعلم عن الأمر شيئا. والأرجح أن كل الشكايات، أو على الأقل أغلبها، تحفظ.
وإذا كنت قد قدمت بعض الشكايات نزولا عند رغبة مرشحينا، خاصة الذين كانوا يتصلون من جبال زرهون، فإني أحجمت عن تقديم الكثير من الشكايات التي كانت تصلني من هنا وهناك؛ وذلك بسبب غياب عنصر التلبس، خاصة بعد تنصل كل مكونات السلطة من مسؤولياتهم ورفضهم تثبيت الوقائع في محضر رسمي؛ مما يجعل كل الشكايات غير ذي موضوع قانونيا وقضائيا.
لذلك، أرى أن القضاء لم يكن له أي دور إطلاقا، يوم 4 شتنبر، في حماية الانتخابات من التلاعب والإفساد. فدوره كان ينحصر في تسجيل الشكايات وإرسالها إلى الدرك أو الشرطة (حسب الحالة)؛ ودور هؤلاء كان ينحصر في استدعاء المشتكي والاستماع إليه ثم تحرير محضر بأقواله وينتهي كل شيء، بالنسبة للمشتكي على الأقل. وبمعنى آخر، فتعامل القضاء والشرطة القضائية كان تعاملا إداريا مع ما يقدم لهم من شكايات؛ في حين أن العملية الانتخابية كانت تحتاج إلى فرق للتدخل، عملها شبيه بعمل فرق الإغاثة أو فرق التدخل السريع لمواجهة حالات الطوارئ. والقضاء (أو أي جهة أخرى) لن يكون بإمكانه القيام بهذه المهمة إلا إذا وضعت رهن إشارته، قانونيا وإداريا وتنظيميا ولوجستيكيا وبشريا، كل الوسائل الضرورية لذلك.
وأعتقد، شخصيا، أن دور القضاء يجب أن ينحصر في الطعون، سواء تعلق الأمر بالطعون الانتخابية، كما هو معمول به حاليا (الطعن في النتائج)، أو الطعون في القرارات التي تتخذها جهة أو جهات أخرى في شأن الشكايات المقدمة إليها من طرف هذا المرشح أو ذاك أو هذه الهيئة أو تلك. وليلعب هذا الصنف الثاني من الطعون دوره في حماية الانتخابات من الفساد والإفساد، يتعين اتخاذ كل التدابير القانونية والإجرائية والتنظيمية...لضمان شروط الفصل الفوري في الشكايات المتعلقة بيوم الاقتراع، بالخصوص، مع تمكين المشتكي من كل الوثائق المتعلقة بالموضوع، من قبيل نسخة من القرار المعلل سواء كان في صالح المشتكي أو في غير صالحه. وهذا يستلزم، بالضرورة، وجود هيئة مستقلة للإشراف على الانتخابات تتوفر على كل الصلاحيات والسلطات التدبيرية والتقريرية في شأن الاقتراع. في حين، يجب أن يبقى القضاء الملاذ الأخير للتظلم وللطعن في كل القرارات التي يعتقد المشتكي أنها كانت مجحفة في حقه.
وفي اعتقادي الشخصي، فإن الغش في الانتخابات يسيء إلى مؤسسات الدولة والمجتمع، وبالتالي إلى الوطن كله. فهو، إذن، خيانة للوطن. وخيانة الوطن جريمة كبرى. وكل من ساعد أو تستر أو شارك في إفساد العملية الانتخابية، كيفما كانت مساهمته في ذلك، فهو شريك في الجريمة، ويستحق العقاب. بالمقابل، أعتقد أن فضح الغش ومحاربته ورفض التستر على أصحابه، هو عربون على الوطنية الصادقة. وفي ذلك، فليتنافس المتنافسون !!