( الفرق بين الهوسة والعكيلية )

حامد كعيد الجبوري
2015 / 10 / 24

( الفرق بين الهوسة والعكيلية )
حامد كعيد الجبوري
لا بأس من التذكير بأن ( الهوسة العراقية ) والتي اشتهرت بها القبائل والعشائر وبخاصة الوسط والجنوب هي من بحر الخبب ، وقوام تفعيلاتها ( فعلن ) ، ويسميها البعض ب ( الطربكه ) نسبة لحركة قوائم الخيول ( طربك ) يقابلها عروضيا ( فعلن ) ، وتسمى أيضا ب( العكيلية ) نسبة لعشائر ( العكيلات ) ، ومن الخطأ أن تسمى ( العراضة ) كما أصطلح على ذلك البعض من الشعراء الشعبيين ، و ( الهوسه و العكيلية ) هي مما تفرزه ( العراضة ) ، و ( العراضة ) هي عبارة عن تجمع رجال العشائر بأفراح عشائرهم أو أحزانها ، أو تنصيب شيخا آلت رئاسة العشيرة له أو القبيلة بعد وفاة والده ، أو تسميته شيخا من قبل أفراد القبيلة أو العشيرة ، أو انتصار القبيلة بموقف حربي كثورة العشرين وما يشبهها ، أو النزاعات التي تحدث بين العشائر ، ويسمى منشد ( الهوسة ) عند الأعراب ( مهوالا- مهوال ) ، وربما هذا ( المهوال ) ليس شاعرا ولكنه يمتلك صوتا جهوريا وأداءً مميزا فيستعين بأحد الشعراء ليكتب له ما يريد من الأهازيج ( الهوسات ) و ( المهوال ) ينشدها ، ووجود شاعر عند العشيرة مفخرة لها وشئ لا بد منه ، وأن تعذر وجود ( مهوال ) أو شاعر بين أبناء العشيرة فيستقدمون ( مهوالا ) يؤدي ( الهوسات ) لقاء مبالغ مجزية .
الأبيات التي تسبق ( الهوسة ) يكتبها الشاعر بأي وزن شعري يختاره ويحبب بذلك الأوزان الراقصة وربما تكون ثلاثة أبيات شعرية ، أو أربعة تسبك بشكل يجعل المتلقي مُنشَداً لها ، ومترابطةً تعطي معنى ما يريده ( المهوال ) للمتلقي ، أي وحدة موضوعها ، وربما يبدأ ( المهوال ) ببيت من الأبو ذية ) وقفل ( الأبوذية ) يكون ( هوسة ) ، ( ما تنداس ثايتنه وحدنه / مبارد ما تحت بينه وحدنه / نشك شكوك ونخيط وحدنه / ( شك ما يتخيط شكينه ) ، المقوسة هي ( الهوسة ) وقفل لبيت ( الأبوذية ) ، وتختم هذه الأبيات ب( الهوسة ) التي قلنا أنها يجب أن تكون من بحر الخبب ، وتسمى عند ( المهاويل ) والشعراء ( القفل ) ، وأبان ثورة العشرين التاريخية كان ( المهاويل ) يأخذون بعضا من أبيات الشعر العربي الفصيح من شاعر ثورة العشرين الدكتور ( محمد مهدي البصير ) أو غيره تؤجج مشاعر المتظاهرين وتلهب حماسهم ، ويستعيرون ( للهوسة ) من الشعر الشعبي ، يقول البصير ( وبعد أقول للجاسوس منا / تجسس ما استطعت الحاضرينا / وبلغ من تريد فقد بنينا / لاستقلالنا الأس المتينا ) ، ويختمها ( المهوال ) بأهزوجة استعارها من أهازيج ثورة العشرين مخاطبا الخائن الجاسوس ( يتوزع وطروح أنشيله ) .
والكثير من الباحثين يذهب أن ( العكيلية ) قالها شاعر من هذه العشيرة أو القبيلة العربية المعروفة ، ولست مشككا أو متقبلا لهذه المعلومة ، والسؤال ما هو الفرق بينها وبين ( الهوسة ) ؟ ، وأجد ومن خلال متابعتي لهذه الموضوعة أن ( الهوسات الشعبية ) وتسميتها ( عكيلية ) متأتية من خلال ( القفل ) الذي ذكرناه ، ومراعاةً للاختصار سأورد أمثالا ( للهوسة ) وأمثالا ل ( العكيلية ) ، وكما أسلفنا ( القفل ) الذي أزعم أنه هو الفارق بين الاثنين .
( الهوسات ) نماذج :
1 – ( بير البيه يوسف ذبوني ) ، 2- ( مشكول الذمه أعله الفاله ) ، 3- ( شرناهه وعييت يا هيزه ) ، 4 – ( والموته أبكل عز نشريها ) ، 5 – ( حل فرض الخامس كوموله ) .
( العكيلية ) نماذج :
1 – ( أبنار العليه أتجوه ... وصار أسود لونه ) ، 2 – ( أطني العنوان الكامل ..خاف أحتاجك يوم ألكاك ) ، 3 - ( دخيلك ربي دخيلك .. هذا المعرض بالزردوم ) ، 4 – ( الشاهد عندي الشاهد .. ذوله أيتام من العشرين ) ، 5 – ( أنجان الحك يتسولف .. هذا المشرك بالشريان ) .
الفرق بين ( الهوسة ) و ( العكيلية ) :
لو عدنا لنماذج ( الهوسة ) ولنماذج ( العكيلية ) لوجدنا أن ( الهوسة ) أقصر بكلماتها وبميزانها العروضي – بتفعيلاتها - من ( العكيلية ) ، ( حل فرض الخامس كوموله / حلفر ضلخا مسكو موله / فعلن فعلن فعلن فعلن ) ، وهنا حين يردد ( المهوال ) أهزوجته – الهوسة - ( حل فرض الخامس كوموله ) يردد معه مجموعة الرجال وهم يلوحون ببنادقهم أو عصيهم نفس كلمات الأهزوجة أعلاه لمرات عديدة ، وفي بعض الأحيان ربما تقصر الأهزوجة بعدد مفرداتها ( تفعيلتها فعلن ) ، أما الأهزوجة ( الهوسة العكيلية ) فاختلافها عن الأولى بطول كلماتها – تفعيلتها فعلن - ، وسنأخذ مثلا مما أوردناه ( الشاهد عندي الشاهد .. ذوله أيتام من العشرين ) ، هذه الأهزوجة رددها شاعر و ( مهوال ) بصير أمام الطاغية المقبور بعد انتفاضة آذار الخالدة ، وقصتها أوردها الكثيرون ومنهم الباحث والشاعر ( زهير هادي الرميثي ) بكتابه ( أهازيج ثورة العشرين ) ولست بصدد عرض أحداثها .
والفرق كما أسلفنا بين ( الهوسة والعكيلية ) وكما تتبعت ذلك واقتفيته وأدركت الفرق بمنظاري البحثي ، وربما يعترض البعض على ما أقول ، ولا بأس من أن نفتح أبوابا للرؤيا المختلفة معنا ، ( الهوسة ) وكما قلنا تتكون من مقطع واحد يقوله ( المهوال ) ويردده ممن يجتمع حوله من الناس ( شرناهه وعيت ياهيزه ) ، ووجدت أن بعضا من ( الهوسات ) ينشد ( المهوال ) بعضا من المفردات ويتبعه الجمهور بمفردة واحدة ومثل لذلك ( حل فرض الخامس ) ، ويتبعه الجمهور قائلا ( كوموله ) ، أما ( العكيلية ) فتتكون من أكثر من مقطع ، يردد ( المهوال ) وبعض من الحضور المقطع الأول ( الشاهد عندي الشاهد ) ، وباقي الجمهور يردد المقطع الثاني ( ذوله أيتام من العشرين ) .
اختلاف الرأي لا يفسد في أن تفتح أبواب النقاش لتلقي الطروحات التي تبين رأيها لتتبلور الفكرة لتراثنا الأدبي الشعبي العراقي الجميل .