في وداع الروائي -جمال الغيطاني-

سلام إبراهيم
2015 / 10 / 22

في وداع الروائي "جمال الغيطاني"

زرتني متأخراً يا سلام!.
سلام إبراهيم

عرفته في أوائل السبعينات من مجموعتيه القصصيتين، - أوراق شاب عاش منذ ألف عام- 1969 و – أرض.. أرض – 1972. أسرتني طريقة السرد في قصصه ولغته السلسة المسبوكة، والأجواء، ودقة رسم المكان وتصوير الحدث، وكنت وقتها بدأت بكتابة محاولاتي الأولى وحلمت وقتها بكتابة قصص عن البيئة العراقية لها أحكام بنية وعالم وتصوير وملامح قصص الغيطاني وأبناء جيله من الكتاب المصريين. فوقتها درست ما كُتِبَ وما كان يُكتَبْ من قصص منذ نشأة القصة العراقية، فوجدتها قصص شكلية تحوم حول الواقع دون أن تغور فيه وتصوره تحليلا ورسما ما عدا نماذج معدودة، المبكرة كقصص "يوسف متي" ثم "فؤاد التكرلي" و "عبد الملك نوري" ليغرق جيل الستينات في التجريب الشكلي من ناحية بناء الحدث أو اللغة فأبتعد كلياً عن تصوير الواقع العراقي والأسباب كثيرة لا مجال للخوض فيها في هذا الموضوع.
منذ ذلك الوقت دأبت على متابعة كل ما يكتبه، وتتبعت تطوره الفني منذ "الزيني بركات" الرواية التي أستلهم فيها الحدث التاريخي لتفكيك واقع المجتمع المصري المعاصر، إلى "رسالة الوجد والصبابة" بلغته الصوفية الساحرة. إلى دفاتره السردية المطولة والتي كنت أذهل وأتساءل كيف كتبها ومتى وهو في خضم العمل والنشاط الصحفي المستمر.
في منتصف تسعينات القرن الماضي بدأ يتبلور مشروعي الأدبي، فصدر لي "رؤيا اليقين" قصص 1994، و"رؤيا الغائب" رواية" 1996.
كنت في زيارة لدمشق 1997 وقت معرض "دمشق" الدولي للكتاب. وهناك بعد محاضرة في المكتبة المركزية التقيت به للمرة الأولى وكان حوله حشد من الشباب المحتفين به، تعارفنا وأهديته كتابيَّ وتبادلنا العناوين على أمل المراسلة، لكننا لم نفعل ذلك.
في صيف 2002 قرأت خبرا عن زيارته لكوبنهاجن لمؤتمر حول العولمة، فأخذت القطار الصاعد شمال المدينة إلى متحف "ليوسيانه" وهنالك التقيت به بعد المحاضرات، ودخلنا في حوار طويل، وسلمته أكثر من عشرة مقالات عن روايات ومجاميع قصصية عراقية لزملائي العراقيين من كتاب المنفى. أخبرني بأنها ستظهر في جريدة "أخبار الأدب" التي يرأس تحريرها. وفعلا نشر ملفاً عنوانه "سرد المنافي" وفيه سبعة مقالات قبيل الاحتلال الأمريكي للعراق في عدد من أعدادها لشهر 12/2002، والبقية نُشرت لاحقا مفردةَ. يومها رجعت معهم في الحافلة إلى الفندق. وخرجنا معاً إلى مقهى مجاور لنواصل الحديث، كم كان جميلا وبسيطا وممتعا ومتواضعاً وحميماً وكأنه يعرفني منذ زمن الصبا، وعندما أتأمل الآن أجد أن ظروف نشأتنا في عوائل كبيرة فقيرة الحال، عانت شظف العيش وتبلورنا ككاتبين هوانا يساري معنيين بالطبقات المسحوقة والجمال والسرد هو ما أضفى على لحظات اللقاء في كل مرة نلتقي فيها تلك الألفة والمحبة والود والاحترام، مضاف إلى ميزة الإنسان المصري الطيب الودود الصبور المتواضع التي تفتقر إليها الشخصية العراقية بشكلٍ عام. أهديته وقتها مجموعتي القصصية الثانية "سرير الرمل" دمشق 2000 وأعتذر عن دعوتي كي يحلّ في بيتي، أخبرني بوضعه الصحي الصعب ومعاناته من مرض القلب الذي أتعبه كثيراً، وأعطاني كارت يحمل أسمه وتلفونه، وشدد على زيارته في الجريدة إذا حللت في القاهرة.
في نهاية عام 2008 سافرت إلى القاهرة لصدور روايتي "الإرسي" وقتها لم أكن أعرف أحداً وأزورها للمرة الأولى، فاستقبلني صديق ودود كنا نتخابر فقط الشاعر العراقي "وسام هاشم" في المطار ليأخذني إلى وسط البلد ويضعني في قلب القاهرة التي ستتفتح لي رويدا.. رويداً مثل وردة ليتغلغل عطرها في أنحائي وأصبح من عشاقها وكتاب وروائيون سيصبحون أصدقاء حميمين يشعرونك بالأمان أولهم الروائي سعد القرش وإبراهيم عبد المجيد والراحل فؤاد قنديل وهشام علوان ومحمد العشري، ومحمد مستجاب الابن، والقاص الحكواتي الجميل سعيد الكفرواي، وشعبان يوسف الناقد والصديق الجميل، والروائي الراحل إبراهيم أصلان والروائي الراحل محمد عبد السلام العمري ، وسعيد مكاوي، ومصطفى عبادة. حشدٌ من الوجوه الطيبة التي يحس المرء جوارها بالمحبة والألفة.
بعد اللقاء بدار "الدار" وحصولي على نسخ من روايتي أول ما فكرت به زيارة الروائي "جمال الغيطاني" في مقر عمله في "أخبار الأدب" حاملاً نسخاً من الرواية. في باحة الاستعلامات أخبرتُ الموظف بأني أريد اللقاء بالأستاذ جمال، فرمقني بنظرة فاحصة من الأعلى إلى الأسف وأعاد السؤال وكأنه لم يفهم ليتأكد من لهجتي العراقية، ليسألني بعدها سؤال رجال أمن، عن علاقتي به، فأجبت بكل عفوية بأننا أصدقاء، فأبتسم ساخراً، ورفع سماعة الهاتف وأتصل، أغلقها ليقول لي أنه مشغول ولا وقت لديه لمقابلة الأصدقاء. لم أتزحزح فقد شعرت بأنه لم يتصل أصلا لأجل ذلك، فأبدى غضبه. أخرجت له الكارت وقلت إذن سأتصل به بنفسي، تناول الكارت وتلاشى الغضب من ملامحه، وتكلم في التلفون بخشوع ليلتفت ويقول بتودد: تفضل أستاذ سامحني.. تفضل ليدلني على المصعد ويضغط على زر الطابق المطلوب.
استقبلني " الراحل" بذراعين مفتوحتين في باب مكتبه مرددا بصوته الدافئ: نورت مصر أستاذ سلام" وجلسنا. كان في زيارته دكتور يدرس الأدب العربي في جامعة من جامعات أمريكا، ضخم سمين جدا، بشوش تعارفنا، ولكن لا يحضرني أسمه، لندخل بموضوع صراع الثقافات، ومعاناة المغتربين في تفاصيل الحياة في الغرب، فحدثتهم عن تجربة أبنائي وطبيعة الصراع الذي نشب وقتها بين أبني وأخته حول مفاهيم الحياة والحرية، فقال لي جمال: سلام لديك موضوع رواية جاهز وحيوي لم لا تكتبه
فقلت له: لا أدري هل سألحق!.
أهديته وللدكتور الضيف نسخة من "الإرسي" فطلب نسخ للجريدة، وطلب شخصاً يدعى "حسن عبد الموجود" فدخل شابُ نحيق طويل القامة سأعلم بأنه روائي أصدر رواية وقتها، ناوله نسخة من روايتي وشدد عليه قائلا:
- تقرأ الرواية وتعمل حوار مع سلام!.
وفعلاً بعد أيام سيتصل بي ونجري حوارا شفوياً سينشر في مطلع عام 2009 بجريدة أخبار الأدب. كان بودي أن نلتقي في القاهرة ونتجول في مقاهيها وحاناتها ونواصل الأحاديث ونتسكع قليلا لكنه أخبرني بأن الوقت متأخر فالمرض والعمر والعمل فهو إلى البيت مباشرة بعد العمل ليرتاح وأردف ضاحكا"
- زرتني متأخرا يا سلام. كان من المفترض أن نتعارف في وقت أبكر!.
ودعته بعناق ومودة.
جمال الغيطاني الإنسان الكبير والمبدع وداعاً