حوار العيون ---الحلقة العاشرة

الرفيق طه
2015 / 10 / 20

حوار العيون الحلقة العاشرة


في الصباح حمله السائق الى المطار و ودعه  بمدخله . ما ان وصل المساء حتى تناقلت وكالات الاخبار سقوط طائرة تربط قبرص بالبلد ، و كل ركابها ليس لهم اثر . انها الرحلة التي حجز بها احمد تذكرة سفره . 

تواثرت الاخبار لحظة بلحظة ، و ذكر احمد باسمين مختلفين و بصورة واحدة ضمن لائحة المفقودين . 

بينما كانت حسناء تتلذذ بطعم الفرح و الارتياح الذي احست به في الحفل ، و شعورها الذي لم تخفيه بانغماسها الكامل في شخصية احمد و ارتباطها به ، كما شعرت بفخر لا يضاهى بالتقدير الذي لمسته من والديها و ابنها لاحمد.  كما ان اعجاب صديقاتها به اعتبر قوة معنوية لها .

 تلقت الخبر الذائع على التلفزيونات عبر اتصال هاتفي من احدى صديقاتها اليونانية الجنسية، كانت حضرت الحفل و عبرت لها بالوضوح الكامل عن اعجابها و تعلقها باحمد . ابلغتها الخبر و هي تواسيها و تواسي نفسها و تبلغها الالم الذي تشعر به . حسناء كانت منقطعة عن العالم لانها في عطلة او لانها تريد لحفل عيد ميلاد ابنها ان يمر بعيدا عن اي تاثير خارجي . كانت كل وسائل اتصالها مغلقة لولا الهاتف الثابت لكانت منعزلة تماما . 

بسرعة جنونية و تحت صدمة الخبر الذي كانت تتمنى في دواخلها ان يكون دعابة من صديقتها ، فتحت التلفزيون لتتعرض للصفع و من على كل القنوات الاخبارية بصورة احمد ضمن الضحايا .  بل ان بعض التحليلات ذهبت الى ان احمد هو المشتبه فيه في الحادث لانه يحمل اسمين مختلفين و ربما ان جواز سفره مزور ، كما ذهبت حد تحليل ارتباطاته باوساط متطرفة دينيا قد يكون اسدى لها هذه الخدمة الجهادية . 

لم تتمالك حسناء نفسها حين صاحت باعلى صوتها و قالت:" انا السبب في ما وقع . انا دفعته ليقتل . انهم يقتلون بلا رحمة دفاعا عن حاجتهم . انانيتي قتلته بريئا . كان عليهم قتلي انا ، هو  بريء . انا اتيت به الى هنا . انا دعوته ليقتلوه . من الان لن اترك لهم حق ابتزازي . من اليوم سأواجههم و سأحرر ولدي باي ثمن . اي ثمن لهم الا حريتي و حرية ابني . الحرية و الحب اغلى ما نملك. فقدت الحب  و لكن الحرية هي الابقى ، لن اتوانى عن تحقيق حريتي و تحرري"  .

 حسناء تولول و تقول:" ضاع مني كل شيء ، ضاع احمد ، ضاع الماضي و الحاضر و المستقبل ، وحدك بني عزائي في الحياة . وحدك لي في هذا الكون ، كيف احرصك من غدرهم ،كيف أوقيك من جهالتهم . كيف ارحل بك الى كوكب او نجم فيه رحمة البشر لا  سفالة ممتهني سفك الدماء البريئة" .

حسناء تندب و تقول :"قتلوا احمد بدم بارد ، قتلوه قبل ان ابلغه رسالتي . لم اخبره اني اسيرتهم ، اغتالوه على ارض معركة لا يعرف المتحاربين فيها و لا علة حربهم . انا يا احمد ، يا حبي المفقود جزء من هذه الحرب ، انا التي وضعت اغلى ما عندي تحت السندان، انت اغلى ما عندي .انا يا حبيبي المذنبة . حبيبي يا احمد . لو وفرت لي فرصة قبل رحيلك ساقول لك انا قتلتك  و انت قتلتني . نعم احمد انا قتلتك حين لم اخبرك انهم يتربصون بي ، بأملاكي و بحريتي . و انت قتلتني باخلاصك لحبي . لماذا لبيت رغبتي في قربك مني ؟ لماذا جئت يومئذ للوكالة ؟ لماذا التفتت الي ؟ منذ ذلك اليوم و انت تذبح في كل لحظة .

منذ ذلك اليوم و جناحي تكبر لاحلق بها عاليا . تحليقي في سماء حبك. منذ ذلك اليوم تذوقت طعم التحليق في سماء الحب ،حبك انت وحدك يا احمد  . اليوم يا حبيبي ،يا احمد ، انكسرت جناحي و سقطت جريحة في بيداء خلاء . اليوم سقطت طائرتك في البحر و جثتك تتغذى عليها الحيتان ، لكنني انا  سقطت في خلاء ، جريحة انا تنهشني الذئاب . ارى اطرافي متناثرة تتقاذفها الضباع و الثعالب. و لا رحيم  . 

      رجال و نساء القصر  اتى بهم الفضول ليطلعوا على ما يجري . من انفعال و ندب حسناء عرفوا ان المصاب جلل . و اخرون تساءلوا عما يجري ، لانهم لا يتقنون اللغة  . اغلب النساء ذرفت الدموع حتى اللواتي لم يعرفن لا احمد و لا مضمون ما تقوله حسناء . فقط اثر عليهم شجى ندب حسناء  . صوت حسنا يحمل صيحة المظلوم و المغبون .لغة المتالم واحدة بكل الالسن ، 

انتشر خبر الوفاة في القصر كالنار في الهشيم ، و اعتقد البعض من الخدم ان الفقيد والد اسعد ، و قال اخرون انه خليل سيدة القصر ، و لكن اغلبهم لم يعرفوه و لم يروه . وحدهم اولاءك الذين اشتغلوا في الحفلة و السواق و منظفات غرفته قالوا انه رجل تفوح الطيبوبة منه و يشيع التواضع و اللطف من نظراته . كل السرور و الفرح الذي ينعم فيه القصر انقلب حزنا و سوادا . و الهاتف لا يتوقف عن الرن ، الكل يتساءل عن المستجدات او يقدم التعازي . الكل يتابع قنوات التلفزيون الاخبارية . قصاصات وكالات الانباء تزيد غزارة و تضاربا عن الحدث المؤلم ، وشخصية احمد هي اللغز في القضية . بعضها البس احمد عباءة الارهابي المتستر خلف اسمين مختلفين . و البعض الاخر انقسم بين من برأه و من ابعد اسمه و شخصه عن ركاب الطائرة المنكوبة . 

بينما التحقيقات متواصلة بين قبرص و مسقط رأس احمد تسرب خبر مفاده ان احمد اسم حقيقي لصاحبه و ان جواز سفره قانوني كما ان الاسم الاخر هو اسم سبق ان حمله احمد لكنه تخلى عنه لاسباب شخصية و خاصة و ليس بدافع التمويه او الارهاب . لكن كل ذلك لم ينف فرضية تورطه في الحادث الاليم . 

حسناء التي واجهت عتابا كثيرا من والدتها على تورطها مع ارهابي تشعر بالفخر حين بزغت اشعة فجر تبرئة حبيبها حتى و ان مات . بدأت تشعر بفخر عظيم امام كل الذين عاتبوها لمزا و غمزا على الارتباط بمجرم قاتل . كانت وحدها تعلم ان خيوط اللعبة لا صلة لاحمد بها ، كانت تؤكد ان احمد ضحية ككل ضحايا الطائرة المنكوبة . رغم انها لا تعرف قصة تغييره لاسمه و لا اسباب ذلك كانت مؤمنة انه معشوقها الصافي البريء . حبها له لا يسمح للشك ان يخالجها في اتزانه شخصية و فكرا و اخلاقا . لم تكن في حاجة لقضاء او تحقيق لتبرئة حبيبها .

ثلاث ايام قضاها منعزلا عن العالم . لم يخرج من فندقه . اغلب الوقت قضاه بغرفته المطلة على النهر . استهواه المنظر الجميل . الهدوء السائد جعله يتلذذ بالغوص في الذات . غرق في احاسيسه و ماضيه و حاضره . انتشى بالحظوة التي حصل عليها من حسناء و والديها و ابنها الذي لم يسبق ان رآه . احس و كانه من فلذة كبده . ما تلقاه من احترام و اعجاب من الحضور رسم لديه صورا يستعيد شريطها في كل لحظة . 

على شرفة غرفته استعاد شريط حياته من ابيه و امه التي افتقدها بعد ان طردته من العائلة وتركته بدون هوية . استعاد اللحظات الجميلة التي عاشها بين اختيه و كيف لم يعد يعرف لهما اثرا . تألم لما عانته امه منذ ان كان نطفة في احشائها الى ان جرمت و سجنت و فقدت العقل و اللسان و الهوية . تألم كثيرا لمعانات امه و هي بعيدة عنه . استعاد اصدقاءه القدامى في الدراسة و ايام الجامعة ، رفاقه و ثوريتهم و حاجتهم و امالهم و احلامهم . اعترف انه سجين في قفص حبه لحسناء . استلذ الوحدة و كانه رفض الرحيل عن قبرص . 

مساء اليوم الثالث جلس في مقهى الفندق و كانه  يعيد العلاقات مع العالم . بعد ان انعزل كلية عن الناس و وسائل اتصالهم . وحدها منظفة الفندق تراه بغرفته و يقدم لها طلبياته على الورق. في المقهى يتابع الاخبار ليصطدم بنفسه لغزا يحير العالم . بعض الناس ينظرون له بتعجب . للشبه الذي يربطه بمن تنشر صوره على القنوات التلفزية . شعر برهبة و خوف ثم ابتسم مستهزءا بهذا العالم . قال في خوالجه : " كم هو جبان هذا العالم ، كيف تهبط البورصات و تقطع الطرقات و تتوقف العلاقات بسبب بسيط . بسيط لانه قرار شخص يعتقد ان لا موقع له في توازن الكون . 

تحت عيون متعجبة و خائفة ركب المصعد نحو الغرفة . لديه رغبة في معرفة حالة والدته . اتصل على الثابت بمنزله لكي يسأل الخادمة عن امه و احوالها . بعد رنين اجابته امه بالسؤال انت يا بني حي ؟ اجابها نعم يا اماه . لم يكن سؤلها الا استكمالا ليقين العاطفة و حاسة الام . قالت نعم انت حي و ستبقى حيا . شعر بفرحة لا قياس لها بعودة امه الى طبيعتها . فكت عقدة لسانها و ذهب البكم بدون رجعة . الخادمة اكدت له ان والدته استعادت عافيتها و لا تنتظر الا عودته . اكدت له انها رفضت ما نقل على القنوات عن خبر وفاته . بعد وداع امه قرر الاتصال بحسناء . 

يتبع