أسباب العصيان الوطني في مصر

أمين المهدي سليم
2015 / 10 / 20

استوفت مقاطعة المصريين الواسعة بكل أطيافهم الإجتماعية في نصف الدوائر الانتخابية للبرلمان تقريبا في مصر في التصويت بالداخل والخارج كل مواصفات العصيان الوطني حيث لم تتجاوز في النهار الأول 18 اكتوبر في الداخل المفترض أنه أعلى مشاركة وتنافس نسبة تزيد عن 1% بقليل من الكتلة التصويتية في اعتراف نادر للجنة العليا للانتخابات، كما أن عدد المصوتين في الخارج على مدى يومين لم يزد عن 40 الف صوت ممن يحق لهم التصويت تقديريا بحوالى 3مليون.
وعلى أن نضع في الاعتبار أن المقاطعة ليست فقط لنظام الحكم بل هى رفض وعزل للتيارات السياسية المترشحة والمتحالفة مع نظام الحكم العسكري من ناصريين وسلفيين ومدعي الليبرالية ومدعي الاشتراكية ورموز عصر مبارك وتجار السوق السوداء ومضاربي الأراضي والضباط المتقاعدين والوسطاء التقليديين، وبعد أن استعمل النظام العسكري كل ترسانة دعايته التى لامثيل لها في العالم في الحشد بالترغيب والتهديد والوعيد والخداع، دون أن يستبعد طبعا من المشاركة في هذه التعبئة موظفي السماء وحراس الجهل المقدس في الأزهر والكنيسة القبطية.
وتشكل تصرفات وسياسات الطاغية الجنرال عبد الفتاح السيسى وجنرالاته السبب الأول في هذا العصيان الوطني، ذلك أنه ولأول مرة منذ 63 سنة تتفكك اسس تحالف الجمهورية المركزية العسكرية التى تأسست بعد انقلاب يوليو 1952، وهي التحالفات التى مكنت نظاما قمعيا فاشلا متسولا محتكرا للملكية وللموارد الوطنية كلها تقريبا أن يتجاوز كل اخفاقاته وجرائمه، بل وتشاركه في تبديد ثورة يناير بأكثر الوسائل قمعا ووحشية وتكلفة.
وهدف سياسات هذا النظام المربكة والتى تتسم بالعشوائية والجهل والغموض هو تنفيذ الروشتة الكلاسيكية سيئة السمعة من أجل لحاق وهمي بالاقتصاد العالمي الرأسمالي الحر شبه المستحيل على جمهورية من جمهوريات الموز التى تدار بعقلية مافياوية.
وتتلخص تلك التصرفات والسياسات في الأتي:
أولا: رفع الدعم أى الغاء شبه كامل للاقتصاد الإجتماعي عن الكادحين أساس معسكر السخرة الهائل المسمى بمصر.
ثانيا: قانون الخدمة المدنية الذى هدد به البيروقراطية الادارية الهائلة المترهلة (تعدادها في الحكومة وقطاع الأعمال حوالي5 .7مليون موظف).
ثالثا: أفاض بالمرتبات والامتيازات على ضباط الجيش والقضاء والداخلية ومخبري الإعلام بالأموال لفصلهم عن الكيان الإجتماعي الوطني ولاستخدامهم في قمعه؛ فوضع معيارا شعبيا واضحا لقياس الظلم الإجتماعي.
رابعا : فعل كل ذلك دون أن يتذكر للحظة أن المنطق قبل العدالة وضرورات المستقبل والوطنية كان يقتضي ضخ اقتصاد بديل في الأوعية الإجتماعية عن طريق هيكلة الملكية كاستثمار في علاقات انتاج بديلة وحتى يصبح المجتمع منتجا يعتمد في التنمية على نفسه.
ولكن هيهات لاقطاع عسكرى جاهل وجشع وشركة تجارة سخرة عسكرية شبه استعمارية عميلة أن تعي ذلك مع كل مخبريها وكلاب حراستها من المثقفين، وسيستمرون في القمع والكذب والتزوير بينما اليأس الإجتماعي والخراب الاقتصادي يتزايدان على نحو مقلق على طريق أحد احتمالاته الخطرة والواقعية تحول العصيان الوطني السلمي إلى عصيان مسلح له بالفعل بؤر متسعة في سيناء والصحراء الغربية لايمكن التهوين من شأنها أو وصفها بغير صفتها الإجتماعية والقانونية كتمرد مسلح. على طريق مشابه لسوريا.
(هذا ملخص دراسة منقحة وموسعة ستنشر منتصف شهر نوفمبر القادم بعنوان :"الخروج : رؤية للخلاص الوطني في مصر

الأسكندرية في 19 أكتوبر 2015