الديمقراطية أية ديمقراطية؟

سمير أمين
2015 / 10 / 8

لقد كانت فكرة عبقرية أن اختارت دبلوماسية حلف الأطلنطى فى السبعينيات موضوع الديمقراطية لهجومها الموجه لتفكيك الاتحاد السوفييتى واستعادة بلدان شرق أوروبا. وقد تبلور هذا القرار فى منظمة الأمن والتعاون فى أوروبا،


وخاصة فى التوقيع على معاهدة هلسنكى لعام 1975. ويشرح جاك أندريانى فى كتابه المعنون: «الفخ: هلسنكى وسقوط الشيوعية» كيف أن السوفييت الذين توقعوا الحصول على نزع سلاح الناتو والوصول إلى حالة استرخاء حقيقى قد تعرضوا لخديعة من جانب قوى الغرب.


لقد كانت ضربة عبقرية لأن قضية الديمقراطية كانت قضية حقيقية نظراً لأن الأنظمة السوفييتية لم تكن ديمقراطية كيفما عرفنا مبادئها وممارساتها. أما بلدان حلف الأطلنطى فكان من حقها أن تصف نفسها بالديمقراطية بغض النظر عن الحدود والتناقضات فى ممارساتها السياسية الفعلية الخاضعة لمتطلبات إعادة إنتاج الرأسمالية. فالمقارنة بين النظامين كانت تعمل لصالحهم.



ثم جرى بالتدريج التخلى عن الحديث عن الديمقراطية وإحلال الحديث الذى أيده السوفييت عن «التعايش السلمي»، و«عدم التدخل فى الشئون الداخلية» محله.



لقد كان للحديث عن التعايش السلمى بريقه فى أيام نداء ستوكهولم فى الخمسينيات عندما كان يذكر الناس بالخطر النووى الحقيقى المتضمن فى الدبلوماسية العدوانية للولايات المتحدة الأمريكية منذ مؤتمر بوتسدام (1945) الذى تبعه بعد أيام الهجوم بالقنابل الذرية على اليابان.



وكان اختيار هذه الاستراتيجية (التعايش السلمى وعدم التدخل) مناسباً، حسب الظروف، لكلا الطرفين المسيطرين فى الشرق والغرب، لأنه سمح بقبول التعريفين: الرأسمالى والاشتراكى على علاتهما لكل من بلدان الغرب والشرق. وقد استبعد أى نقاش جدى حول الطبيعة الدقيقة لأى من الطرفين: أى الرأسمالية القائمة بالفعل (الرأسمالية الاحتكارية)، وكذلك طبيعة الاشتراكية القائمة بالفعل. وقامت الأمم المتحدة (بالموافقة الضمنية لقوى الطرفين) بتغيير التعبيرين: الرأسمالية والاشتراكية، إلى اقتصاديات السوق، والاقتصاديات الموجهة مركزياً (وعلى سبيل التشويه: الاقتصاديات الموجهة إدارياً).



وهذان التعبيران، وكلاهما غير صحيح، أو صحيح بشكل سطحى فقط، جعلا من الممكن تأكيد إمكانية التقاء النظامين، وهو التقاء تفرضه التكنولوجيا الحديثة (وهى نظرية خاطئة هى الأخرى مستمدة من نظرة أحادية تكنيكية للتاريخ). كذلك جرى قبول التعايش السلمى لتسهيل هذا الالتقاء، أو لإثبات العكس وهو التضاد المطلق بين النموذج «الديمقراطي» (المرتبط باقتصاد السوق)، و«الشمولية» (المرتبطة بالاقتصاد الموجه إدارياً)، وذلك فى بعض اللحظات خلال الحرب الباردة.



واختيار التركيز على خوض المعركة فى ميدان حديث الديمقراطية سمح بافتراض تحجر كل من النظامين، وبذلك صار الخيار الوحيد الممكن لبلدان الشرق هو الاستسلام والعودة للرأسمالية (أى السوق)، الذى سيؤدى عندئذ، وبشكل طبيعي، للمقرطة. أما أن هذا لم يحدث (لروسيا السوفيتية)، أو بشكل كاريكاتورى (لبعض الجماعات الإثنية هنا وهناك فى أوروبا الشرقية) فأمر آخر.



واستخدام بلدان التحالف الأطلنطى لحديث الديمقراطية هو فى الواقع أمر جديد، ففى أول الأمر كان الناتو يتعامل بسلاسة كاملة مع سالازار فى البرتغال، ومع الجنرالات الأتراك، ومع الكولونيلات اليونانيين. وفى الوقت ذاته، دعمت دبلوماسية بلدان الثالوث (وكثيراً ما أقامت) أسوأ الدكتاتوريات التى شهدتها شعوب أمريكا اللاتينية، وإفريقيا، وآسيا.



وقد استخدم حديث الديمقراطية هذا فى أول الأمر بحرص كبير، فقد تفهمت سلطات الناتو المشاكل التى قد تعرقل خططهم المفضلة للسياسات الواقعية. ولم تُفهم القيمة الأخلاقية للموعظة الديمقراطية إلا فى عهد الرئيس كارتر (وهو ما يشبه أوضاع أوباما الآن). وكان ميتران فى فرنسا هو الذى قبل التخلى عن سياسة ديجول فى رفض انقسام أوروبا فى ظل استراتيجية الحرب الباردة التى فرضتها الولايات المتحدة. وأثبتت خبرة جورباتشيف فى الاتحاد السوفييتى فيما بعد، أن هذا الحديث أدى للكارثة.



وهكذا حقق الحديث الديمقراطى الجديد ثماره، فقد بدا مقنعاً لليسار الأوروبى بما سمح بتأييده، لا فقط من جانب اليسار الديمقراطى (الاشتراكيين)، ولكن أيضاً من جانب الأكثر راديكالية مثل الشيوعيين، وبانضمام الشيوعيين الأوروبيين صار التوافق عاماً.



وتعلمت الطبقات السائدة فى الثالوث الإمبريالى الدرس من نجاحها، فقد قررت الاستمرار فى استراتيجية التركيز على الجدل حول «قضية الديمقراطية». فالصين لا يوجه لها الانتقاد لفتح اقتصادها للعالم الخارجى وإنما لأن سياساتها يوجهها الحزب الشيوعي. ولا يهتم أحد بما حققته كوبا من منجزات اجتماعية لا مثيل لها فى كامل أمريكا اللاتينية، ولكن يجرى الانتقاد لنظام الحزب الواحد، بل يوجه نفس الحديث لروسيا بوتين.



فهل انتصار الديمقراطية هو الهدف الحقيقى لهذه الاستراتيجية؟ من السذاجة بمكان تصديق ذلك، فالهدف الوحيد هو أن يُفرض على البلدان الرافضة الانخراط فيما يسمى النظام العالمى الليبرالي. وهو هدف إمبريالى الغرض منه تحويل هذه البلدان إلى تخوم مسودة للنظام. وتحقيق هذا الهدف يعرقل فى الواقع تطور الديمقراطية فى البلدان المعنية وليس بالمرة تحقيق تقدم فى اتجاه «قضية الديمقراطية».



إن فرص التقدم فى طريق الديمقراطية للبلدان التى كانت تمارس الاشتراكية كما هى فى الواقع، كانت أكبر بكثير فى المدى المتوسط إن لم يكن فى الحال. فقد كانت جدلية الصراع الاجتماعى ستتطور من تلقاء ذاتها لتتجاوز حدود الاشتراكية كما هى فى الواقع للخروج من النفق.



وفى الواقع، لا يثار الحديث عن الديمقراطية إلا فى حالة البلدان التى لا ترغب فى الانفتاح على الاقتصاد العالمى المعولم. والعربية السعودية وباكستان دليل واضح على ذلك، وكذلك جورجيا وغيرها من البلدان الميالة لتحالف الأطلنطي.



وعلاوة على ذلك، ففى أحسن الأحوال، لا تتجاوز الصيغة الديمقراطية المقترحة الصورة الكاريكاتورية للانتخابات متعددة الأحزاب التى ارتبطت دائماً تقريباً بالتراجع الاجتماعى الذى تفرضه سيطرة الرأسمالية كما هى قائمة اليوم (أى الاحتكارية). وقد أضرت هذه الصيغة بالديمقراطية فعلاً مما دفع الكثير من الشعوب المرتبكة بسبب ذلك، للتوجه نحو الارتباط الدينى أو العرقى بالماضي.



لذلك يصير من المهم جداً اليوم تدعيم الدور الانتقادى لليسار الراديكالى (وأؤكد هنا على الراديكالى لأن الانتقاد اليسارى العام غامض ومربك). وبعبارة أخري، ذلك الانتقاد الذى يربط بين مقرطة المجتمع (وليس مجرد إدارته السياسية) مع التقدم الاجتماعى (فى اتجاه الاشتراكية). فمن وجهة نظر هذا الانتقاد، النضال من أجل المقرطة والنضال من أجل الاشتراكية كل لا يتجزأ. فلا اشتراكية بدون ديمقراطية، وكذلك لا يمكن تصور التقدم الديمقراطى بدون الهدف الاشتراكي.