الحرب.. جراحها مستمرة

ميلاد سليمان
2015 / 10 / 2

الحرب انتهت.. لكن جراحها مستمرة


عن كتاب السيرة الذاتية لإيريك لوماكس "رجل السكة الحديد"، خرج لنا على الشاشة فيلم يحمل نفس الإسم في عام 2013، الفيلم يحكي سيرة ضابط الاتصالات البريطاني أثناء الحرب العالمية الثانية "إيرك لوماكس"، ويعبر بشكل فني عن المعاناة النفسية التي مرّ بها هذا الضابط حينما وقع أسيرًا لدى القوات اليابانية واستمروا في تعذيبه عدة شهور، حتى يُدلي ببعض المعلومات السرية، ولكن لم تنتهِ المعاناة والألم بإنتهاء الحرب ورجوعه إلى وطنه، بل ظلت اشباح وويلات التعذيب ووجوه من قاموا به يطاردونه ليل نهار في كل مكان يذهب إليه، فيقرر السفر لينتقم مَمّن قاموا على تعذيبه، خاصة وإنه اصبح -الآن- يمتلك القدرة والقوة على ذلك، ولكن هل الانتقام يشفي هذه الجروح ويُعيد له سلامه النفسي!؟.


نرى في الفيلم الممثل "كولين فيرث" بنظرة عينيه المتوترة، وصوته الحاد، وشعره الأبيض المموج، ونظارته الشفافة الخاصة بالقراءة، في دور الضابط "لوماكس" في مرحلة الشيخوخة، وتنتابه العديد من حالات التذكُّر اللاإرادي، العفوي، والذي سرعان ما يتحول إلى نوبة من التشجنات العصبية وكأنه يتم تعذيبه الآن، رغم إنه مرّ عليه أكثر من خمسة عشر عامًا. فتحاول زوجته الفنانة نيكول كيدمان في دور "باتريشيا والاس" معرفة سره وسبب مشاكله، فيبوح لها وتحاول مساعدته، وسرعان ما تحاول البحث في ماضيه، فتعرف إنه مر بفترة من التعذيب الوحشي التي بمجرد تذكرها تنتابه هذه الحالة من الانكسار والضعف والبكاء والصراخ، بالتالي من المستحيل أن يحكي بشاعة لها ما حدث.

وسرعان ما يتوصل "لوماكس" بمساعدة أحد اصدقاءه من الضباط القدامي، إلى مكان الضابط الياباني الذي كان المسئول عن تعذيبه أثناء الحرب، فيقرر السفر والانتقام منه ليذيقه بعض الآلام التي يعانيها ليل نهار. ولكن حينما تأتيه الفرصة لينتقم ويقتل الضابط، والذي أصبح الآن رجل مسن مديرًا لأحد المتاحف هناك، يجد نفسه متردد ولا يريد أن يكون مثل جلاديه، ولكنه غير قادر على الصفح أو المغفرة، فيجلس بجوار الضابط ليسمع منه اعترافه، فنعرف ان الضابط الياباني أيضًا يعاني من نفس الحالات النفسية والتشجنات العصبية جراء ما فعله في الأسرى، وتطارده وجوه قتلاه والضحايا ليل نهار، وإنه حاول الانتحار اكثر من مرة ولكن فشل في النهاية. فيبكي كلاهما وتبدأ صداقة إنسانية راقية قلما تحدث في عالمنا المعيش.



الفيلم حصل على جائزة معهد الفيلم الاسترالي أفضل تصوير في 2015، ويمكننا ملاحظة جودة اختيار الكادرات والمشاهد في عدة لقطات، خاصة لقطات الفلاش باك، حيث نرى "لوماكس" في مرحلة شيخوخته وملابسه الحديثة الخاصة بأيامنا المعاصرة، ولكنه يمشي ومن حوله ضباط يابانيين يرتدون زيّ الأربعينيات، ثم يتحول المشهد ليكون "لوماكس" شابًا كما كان في الماضي، وكأن المشهد يعطينا دلالة عمق الحالة التي مازالت ملازمة له حتى مع تقدمه في العُمر.

وفي مشهد أخر، حينما يزور الضابط الياباني في المتحف، يقف الضابط أمام النُصب التذكاري لضحايا الحرب من الجيش الياباني، ليكون رأس الضابط مطابق لرأس ضحية في الصورة الموضوعة خلفه، وكأن الصورة تحدثنا أن هذا الضابط كان يجب أن يموت، أو أنه سيتم قتله الآن ليحلق بمن موجودين في الصورة من خلفه.

"عزيزي السيد لوماكس، اعرف إني عاملتك بوحشية أنت ومن معك، أثناء وجودكم في أحد معتقلات الجيش الياباني، وكنت حينها أتلذذ بتعذيبك وسماع صراخك، وكنت اعتبرك مجرد حيوان بلا قيمة، ولكن هذه كانت الأوامر التي تم تلقينها لي، بالتالي أي تعاطف معك أو مع زملاءك كان يعني قتلي لمخالفة الأوامر المباشرة، لقد مرّ وقت طويل منذ ان انتهت الحرب، ولكن بالنسبة لي مازالت المعاناة النفسية مستمرة، أنا لم أنساك مطلقًا، مازلتُ اتذكر وجهك وذراعيك المكسورين وعينيك المليئة بالصراخ والدموع. فهل يمكنك أن تسامحني.. في وقت ما لابد وأن يتم وضع حدًا للكراهية". هذا نص كلمات الضابط الياباني تاكاشي إلى لوماكس، بعد أول لقاء بينهما والذي كان قد يمكن أن يتطور ليتحول إلى معركة دموية، ولكن انتهى اللقاء بهدوء كما بدأ بهدوء.

ويأتي إسم الفيلم "رجل السكة الحديد" من خلال عشق "لوماكس" للقطارات ومعرفة رحلاتها ومواعيدها وتدوين ملاحظات حولها في مذكرة يحملها في يده، وهذا قد في أفاده في التخطيط للهرب أثناء أسره، حينما رسم خريطة لخطوط السكة الحديد التي تمر بالمنطقة ووضح لزملاءه من الضباط خط سيرها ونقطة البداية والنهاية لكل منها.
ولا يغيب عن المخرج أن يجعلنا نرى في تترات النهاية أبطال القصة الحقيقيين، فنرى صورة للضابط إيريك لوماكس البريطاني، وضابط التعذيب الياباني تاكيشي ناغاسي وكلاهما يبتسم بعد أن بدأت بينهما صداقة إنسانية قائمة على الاعتراف بإحترام الآخر والفهم والحوار بعيدًا عن الدماء والحروب.

لقراءة باقي المقالات السينمائية
http://goo.gl/xBLYqQ