التظاهرات: القطيعة مع السلطة، ودور الشيوعيّة واليسار

شاكر الناصري
2015 / 9 / 27

يبدو إن اللحظة التي يغادر بها، دعاة الإصلاح في العراق، أوهامهم، لم تحن بعد، فكلما تزايد تمسكهم بمطالبهم التي لم تكن سوى رتوش، أمنيات لتجميل وجه النظام القائم، ازداد تعنت قوى السلطة وازداد تماسكها وتجاهلها لما يحدث في الشارع، وكأنها تقيم في جزيرة نائية، وتجد في صراخ الإحتجاج فرصة لتنظيم صفوفها والظهور بمظهر من لايعنيه الأمر!

منذ عدة أسابيع، لم تتمكن التظاهرات والحشود التي تتوجه كلّ يوم جمعة نحو ساحات التظاهر والتجمع، من كسر رتابة ما يحدث، ولا من القيام بفعل يشدد أزمة السلطة وقواها، بل على العكس فهذه القوى تمكنت من استيعاب أزمتها التي برزت في الأسابيع الأولى ومارست دورها كقوى تسلطيّة يهمها جدًا أن تحافظ على سلطتها ومكاسبها وامتيازاتها!

ما يلفت الإنتباه إنّ العديد من القوى السياسية " الشيوعيّة واليساريّة" على إختلاف خصوماتها وبرامجها وجديتها وإلتزامها، شاركت ومنذ اليوم الأول في التظاهرات، مارس بعضها النقد الجديّ وطرح تصورات حول البديل السياسيّ الممكن وأفق السلطة الحاكمة وأزمتها، مثلما سعى بعضها لإخفاء وجوده والتمسك بشعارات السلميّة والمدنيّة، وكأنه يخجل وبانتهازية مريعة من شيوعيته ويساريته، ويتماهى مع موجة الرفض الموجه ضدّ السياسة والتحزب ووجود الأحزاب، ومن أجل التمسك بشعار"عدم تسيّس التظاهرات" وكأنها ليست فعلاً سياسيًا وحقًا من الحقوق السياسية الأصيلة للإنسان ومن الوسائل النضاليّة التي يمكن أن تتطور باتجاهات أخرى أو لا يمكن التكهن بنتائجها!. في حين تعمل أطراف معينة من داخل السلطة " التيّار الصدريّ ومليشيا عصائب أهل الحق وكتائب حزب الله وفيلق بدر وغيرها" على المساهمة في التظاهرات بشكل صريح وواضح وركوب موجتها وحرف مساراتها ومجابهة شعاراتها بشعارات معاكسة، لأنّها تجد في هذه الشعارات ما يمس ثوابتها ووجودها كقوى فاسدة!

وعلى الرغم من وجود هذه القوى بصيغ وأشكال مختلفة لكنّها لم تتمكن من الولوج عميقًا في التظاهرات ولافك شيفرتها وقراءة الأفق الذي يمكن أن ينتج عنها. بقيت تتهيب من الإعلان عن وجودها وسط التظاهرات، وما يتم رفعه من شعارات حول الحقوق والحريات والبطالة والفقر والفوارق الطبقيّة الرهيبة والرجعيّة الدينيّة والاجتماعية ووحشية الطائفيّة والإرهاب ...الخ، كان خجولاً وضاع وسط شعارات وهتافات، لاتمس السلطة ولا تخدش جدران صمتها وتعنتها!.

القوى المذكورة مدعوة للتعامل بجدية مع الميل اليساريّ والعلمانيّ الذي يبديه الكثير من شباب ساحات التظاهر، وأن تتعاطى مع نزعاتهم العلمانيّة التي يعبرون عنها بصوت مسموع وشعارات لافتة، بما يمكنّهم من التمسك بالعلمانيّة وإستيعاب فروقاتها الجذرية عن المدنيّة التي يمكن أن تتحول إلى عبء على من يطالبون بها!. فوجود هؤلاء الشباب يشكل أرضية مناسبة للإرتقاء بالتظاهرات وأهدافها وإخراجها من تحت عباءة وسطوة السيستاني وأتباعه أو قادة التظاهرات الذين ينتظرون مايقوله ممثله في كربلاء في كلّ جمعة، ومن أوهام التعويل على العباديّ والإصلاحات البائسة التي يطرحها.

على هذه القوى أن تدفع بإتجاه القطيعة مع السلطة وعدم الإنجرار خلف دعواتها للتحاور والإستماع وتقديم الطلبات!. الحوار مع السلطة القائمة سيكون عقيمًا ولايرتجى منه سوى إستنزاف الوقت والجهود والمراهنة على قدرات المتظاهرين، ولأنّه في الأصل حوار مع اللّصوص وعصابات الفساد ومليشيات الإجرام والقتل والنزعات الطائفيّة، سلطة كهذه لايعنيها سوى مصالح أطرافها النافذة والمتحكمة، لايمكّن أن تبادر لإصلاح خرائبها التي تعتاش منها وتواصل وجودها عبر الإستغلال البشع للأزمات والحروب التي تساهم في إشعالها، لأنّها تجد فيها الأداة المناسبة لإشغال الفقراء والعاطلين عن العمل وسكنة أحياء الصفيح الذين تم تحويلهم إلى جثث مغيبة بأوهام الطائفة والمذهب والعدو الذي يريد الإنقضاض، جثث تنتظر الإحتراق في أتون الحروب المزمنة التي تنتهك كلّ شيء ولاتدفع الإنسان سوى للإستسلام واليأس والهروب!، ولكنّها تعزز وجود وبقاء قوى السلطة وتحافظ على إمتيازتها وفسادها.

منذ احتلال العراق وسقوط النظام الفاشيّ السابق، تمكنت أمريكا والقوى الطائفّية والقوميّة من إشاعة المخاوف من الشيوعيّة واليسار، وإنّها دكتاتوريّة بغيضة اخرى تستلب حقوق الإنسان وتمتهن كرامته!. !. تحولت الشيوعيّة إلى فكرة ممسوسة تُشيع الكفر والإلحاد وتنتهك المقدسات والمحضورات الدينيّة والاجتماعيّة. جُردت الشيوعيّة من كلّ سماتها الإنسانيّة وتم تغييب أفقها الاجتماعي والطبقيّ. دُفع العراقيون نحو الطائفيّة والقوميّة بإعتبارها هويات و ملاذات آمنة تحقق للفرد وجوده وأمنه وتمكنه من استعادة تاريخ مظلومياته بهوس يصل حد الجنون.

من المفروض إن تجربة السنوات الماضيّة كانت كافية لأن تتمكن قوى الشيوعيّة واليسارفي العراق من إستيعاب الهجمة الشرسة ضدّها والتي فرضت عليها تراجعات كبيرة وأن تستعيد مكانتها والخروج من الأماكن التي وضعت نفسها فيها. فهناك في الشوارع وفي الأسواق والمعامل والمدارس والجامعات ومؤسسات الدولة الخربة وفي ساحات التظاهر والإعتصامات ما يستحق العناء والعمل الجاد وإيجاد آليات عمل وأساليب نضالية معاصرة تنتمي للعصر وللواقع القائم وليس للكلائش التي تجاوزها الزمن وتغيّر أنماط الصراعات والتقدم التكنلوجيّ والعلميّ. هناك يمكن إعادة بناء قوى اجتماعية وطبقية، خارج الأطر والخطوط الحمراء التي حددها قانون الأحزاب!، وأن تكون قادرة على مواجهة السلطة ونظام المحاصصة الطائفيّة!

العراق يمّر بلحظة تاريخيّة هامة ومصيريّة، قد نختلف في تأويلها وقراءة المعطيات التي سببتها، ولكنّها لحظة كبيرة ومناسبة للقوى الشيوعيّة واليساريّة للعمل بجد لإمتلاك زمام المبادرة وطرح البديل السياسيّ والاجتماعيّ والطبقيّ لحسم الأوضاع السياسية في العراق، وتحويل مسار التظاهرات نحو أهداف حقيقيّة تتركز على النظام السياسيّ القائم وأسسه الطبقيّة والطائفيّة والقوميّة التي تشكل على اساسها، وأصبح المعضلة والأزمة الرهيبة التي تفتك بالعراق وأهله وثرواته وتضعه أمام مصير مجهول ومخيف. !