د. حيدر عبد الشافي في الذكرى الثامنة لوفاته - ماذا لو كان حياً؟ -

محسن ابو رمضان
2015 / 9 / 17

د. حيدر عبد الشافي
في الذكرى الثامنة لوفاته
" ماذا لو كان حياً ؟ "

بقلم / محسن ابو رمضان

اعتدت ان اكتب مقالاً سنوياً بمناسبة ذكرى وفاة د. حيدر عبد الشافي ، والذي حدث في 25/9/2007 ، بوصفه رمزاً للاستقامة والنزاهة والشفافية والاخلاص والوحدة الوطنية ، ليس وفاءً له فقط ، ولكن بهدف التعلم من مسيرته وتجربته وسجاياه الشخصية لادخالها في الثقافة المجتمعية ، خاصة في ظروف باتت هذه القيم عملة نادرة وفي ظل ازدياد منهج الفهلوة والذاتية والوصولية والتآمر ، وتقديم المصلحة الخاصة على العامة واعتبار ان تلك الممارسات السلبية هي منقبيل الشطارة والمهارة لممارسيها ، بدلاً من اعتبارها مؤشراً لانعدام القيم والمبادئ .

فضلت هذه المرة تخيل د. حيدر حياً في هذه الظروف ، واعتقد جازماً ومن خلال ملازمتي الشخصية لمسيرة حياته خاصة في العشرين سنة الاخيرة قبل وفاته ، انه سيحزن كثيراً على تردى هذه الأوضاع ، فالاستيطان والذي حذر منه مراراً وتكراراً وكان سبب تعثر مفاوضات واشنطن ما زال مستمرا ، ونظام الابارتيهايد والتمييز العنصري يترسخ والنظام السياسي الفلسطيني يتفسخ والانقسام يتعزز والنزعات الحزبية والفئوية والذاتية تتزايد والديمقراطية تقوض وتتبدد ، والنسيج الاجتماعي يتفتت وسيادة القانون لم يعد لها وجود والهوية الوطنية تقوض والتبيعة الاقليمية والدولية أصبحت هي السائدة وقضايا الصراع الاساسية تتعرض للخطر الشديد، حيث تنفذ دولة الاحتلال عملية تقسيم الاقصى زمانياً ومكانياً ، وتهود القدس كما تتعرض قضية اللاجئين لمخاطر اساسية في ظل الاضطراب العربي الكبير ، هذا بعض ما يقال عن الحالة الفلسطينية .

أما عربياً فالأوضاع لا تسر أي صديق وتفرح كل الاعداء من خلال ترسيخ النزاعات الطائفية والمذهبية والعرقية ، وتعزيز حرب الجميع ضد الجميع وغياب العقد الاجتماعي و دولة المواطنة ، وتعميق الخلافات العربية العربية ، وغياب آليات واطر الوحدة ، وتزايد حدة التطرف والاحتقان والتوتر مما دفع افواجاً هائلة من الناس وخاصة الشباب للهجرة إلى أوروبا وغيرها وترك الوطن على طريق تقسيمه وتجزئته ، بما يحقق الأهداف الصهيونية والاستعمارية الرامية إلى اضعاف ثم تفكيك وتقسيم الجغرافية والديموغرافيا والنسيج العربي الموحد ، كل ذلك في ظل اخفاق الوصول للدولة الديمقراطية الحديثة، دولة الحق والقانون وعدم الاتفاق على آليات حضارية لإدارة الخلافات الداخلية ، بما يخدم الاطماع الخارجية التي تريد استغلال خيرات وموارد الوطن العربي ، وتحويله إلى مجتمعات استهلاكية غير منتجة ومتخلفة تنموياً عن آفاق النهوض والتقدم .

وعلى الصعيد الدولي بالتأكيد فإنه سيستمر بالحزن بسبب استمرارية سيطرة الولايات المتحدة والراسمالية وفق نظام العولمة ومحاولاتها المستمرة للحد من استقلال الشعوب اقتصادياً وتنموياً ، عبر السيطرة على المؤسسات الدولية ومنها البنك الدولي وصندوق النقد الدولي ومنظمة التجارة العالمية ، وكذلك سيطرتها على الأمم المتحدة اضافة إلى استمرارية النزعات العسكرية للولايات المتحدة الرامية لترسيخ السيطرة على الموارد والثروات ، واحتجاز تطور بلدان العالم الثالث ، ودعمها اللامحدود لإسرائيل ومحاولاتها لكبح جماح القوى الصاعدة الهادفة للاستقلال وفي مقدمتها روسيا والصين .

إن الحزن الشديد الذي سيتملك د. حيدر عبد الشافي لو كان حياً ، ربما سيخفف منه بعض الملامح والومضات الايجابية البسيطة من قبيل استمرار بعض الفئات والمجموعات بالتمسك بقيمه ومبادئه وبثوابته وبأهدافه الوطنية والاجتماعية والديمقراطية ، ومن قبيل تزايد حملة المقاطعة وعزل دولة الاحتلال كدولة استعمار وتمييز عنصري ، ومن قبيل تصاعد حملات التضامن الشعبي مع شعبنا وحقوقه ، والاعتراف بدولة فلسطين كعضو مراقب بالأمم المتحدة والانضمام إلى محكمة الجنايات الدولية .

هذا على الصعيد الفلسطيني اما عربياً ، فإنما سيخفف من المه وحزنه استعادة زمام المبادرة الشعبية عبر التحركات الديمقراطية في كل من لبنان والعراق التي تواجه الفساد والرامية لتحقيق انظمة غير فئوية أو طائفية تعتمد المواطنة المتساوية وتترسخ بها اسس الحرية والديمقراطية والكرامة .

أما دولياً فإن ما سيخفف من حزنه وألمه تشكيل تكتلات دولية منافسة وموازية للولايات المتحدة وحلفائها مثل مجموعة البريكس وائتلاف شنغاهي ، واعتماد معظم بلدان اميركا اللاتينية على المنهجية التنموية المنافية للليبرالية والتبعية والعولمة .

ولكن كل تلك الملامح والومضات فلسطينياً وعربياً ودولياً لن تخفف من حزنه بصورة كبيرة بسبب استمرارية الانقسام بالحالة الفلسطينية ، خاصة إذا أدركنا انه كان رجل الوحدة الوطنية بامتياز، هذا الانقسام الذي يعتبر مكسباً استراتيجياً للاحتلال وخسارة كبيرة للفلسطينيين .
بالتأكيد حزنه سيستمر لأن شروط استثمار اية وموضات ايجابية وخاصة على المستوى الفلسطيني يكمن شرطها الرئيس في تحقيق الوحدة الوطنية وهذا لم يتحقق بعد ، علماً بأنه لو كان حياً لبذل كل طاقته وما في وسعه من اجل انهاء هذا الانقسام البغيض وتحقيق المصالحة والوحدة الوطنية، كما يكمن عربياً ودولياً باستنهاض قوى التقدم والديمقراطية والحداثة والعدالة الاجتماعية وهذا ما زال يواجه اخفاقاً وما زال يتعثر حتى الآن .
وأخيراً وليس آخرا فعهداً ووفاءً ان نستمر متمسكين بمنهجك وقيمك ومبادئك التي علمتنا اياها نحن الجيل الذي تتلمذنا عليها مها كانت الصعوبات .