أزمة اللاجئين: حكومة اليمين، عار الدنمارك!

شاكر الناصري
2015 / 9 / 11

ما كتبته *Zenia Stampe النائبة في البرلمان الدنماركي، عن حزب اليسار الراديكالي، على جدارها في الفيس بوكقبل عدة أيام، حين وصفت اللّيلة الأولى التي عاشها مجموعة من اللاجئين القادمين إلى الدنمارك من المانيا، وترِكوا يقطعون مسافات طويلة مشياً على الأقدام، أمام أنظار الشرطة التي منعت عنهم المساعدات، الماء والطعام والملابس، وأمام أنظار الحكومة اليمينيّة التي باتت تتخبط في مواقفها وصراعات أقطابها ورفضها المتواصل للتعامل مع أزمة اللاجئين بشكل إيجابي، بأنّها ليلة عار !، أمر يستحق التأمل وتعقب مآلات سياسة الحكومة الدنماركية!

ولكن القضية لم تتوقف أو تنتهي بليلة العار تلك، بل إنَّ عار الدنمارك وحكومتها تواصل لليال وأيام عديدة، وكشفت عن الوجه الحقيقي لليمين المتطرف، وثوابته الهزيلة، الحدود والثقافة والإتفاقيات الأوربية والخشية من التطرف الإسلاميّ، التي تهم الطاقم الحكومي وحزب الشعب الدنماركي، اكثر من مأساة المئات من اللاجئين الذين ردوا على قرارات وممارسات هذه الحكومة برفض البقاء في الدنمارك ورغبتهم بالوصول إلى السويد، حتّى لو تطلب الأمر البقاء لفترات طويلة داخل قطارات تطوقها الشرطة!

العار الذي أصاب النائبة المذكورة، سيتواصل مع بقاء الحكومة اليمينيّة القائمة الآن، ومع قراراتها القادمة التي تسعى خلالها لإستغلال قضايا الهجرة واللجوء، لتعزيز النزعات العنصريّة المتنامية أصلاً، وتوسيع قاعدتها الشعبيّة.

ممارسات الحكومة الدنماركية وتصريحات رئيسها وزعماء الأحزاب الداعمة له، أوجدت حالة إنقسام واضحة وصريحة داخل المجتمع الدنماركيّ، وأحدثت هزة أخلاقية وإنسانية عميقة، دفعت بالكثير من الدنماركييّين لإعلان تحديهم الواضح للشرطة وتعليماتها ولسلطة القانون الذي يمنعهم من تقديم المساعدة لمن يحتاجها، فكيف يكون الحال أمام مئات من المحتاجين، وقاموا بتقديم المساعدات والمخاطرة بإيصال العوائل إلى السويد بالسيارات الخاصة أو الزوارق والباصات التي استأجروها على حسابهم الخاص!

عندما يمنع القانون مساعدة الأطفال فالمشكلة في القانون نفسه، على حد قول الصحفي مايكل راونو ليندهولم!، وهذه حقيقة مؤلمة تلمسها الكثير من الدنماركيّين الذين يقدسون القانون ويعتبرونه الحكم الأساس، الفاصل والعادل في كل القضايا والمشاكل التي تحدث في المجتمع، وهم يشاهدون المأساة التي تجري أمامهم وعلى الطرق السريعة. فيما يتهرب بعض الساسة ويسعى لتبرير مواقفه بتدخلات جهات معينة تقدم المساعدات، ولكنّها تثير قلقه!

ما حدث خلال الأيام القليلة الماضية وضع الحكومة الدنماركية والأحزاب الحليفة والداعمة لها، تحت دائرة الضوء والنقد والإستهجان. فكلّ ما يصدر عن هذه الحكومة يعمل على تشديد مسيرة التراجعات الكبيرة في مجالات الحقوق والضمانات الاجتماعية والإنفاق العام ولايساهم في تخفيف الأزمة الاقتصادية وارتفاع نسبة البطالة التي تواجهها الدنمارك. تحاول هذه الحكومة إقناع الناخب الدنماركيّ بأن سياساتها المتشددة تأتي للحفاظ على النقاء الأثنيّ وثوابت الثقافة وخصوصيّتها ومحاربة التطرف والدفاع عن الحدود، ولهذا فهي تعمل على تصوير وجود الأجانب وكأنه الخطر الذي يهدد الهدوء والإستقرار!

الأيام القادمة ستكشف الكثير من التغيّرات والوقائع، السياسية والاجتماعية والثقافية، التي حدثت أو ستحدث بسبب أزمة اللاجئين الأخيرة، في أوربا بشكل عام، وفي الدنمارك بشكل خاص، ولعل أولها سيكون موقف الدنماركيّين من الحكومة الهشة التي أوصلوها بأصواتهم إلى سدة الحكم، هل سيعيدون انتخابها لتواصل مسيرة اليمين في الحكم، أم سيأتون بحكومة مغايرة تتناسب مع نزعاتهم الإنسانية التي غطت على بؤس اليمين وترهاته المقيتة؟

*Zenia Stampe
(لا أستطيع أن أنام و أنا أفكر في هؤلاء اللاجئين الذين يقطعون المسافات مشياً على الأقدام في هذا الليل الدنماركي،
الأطفال خاصة بأقدامهم الصغيرة, و بعيون كبيرة تنظر بتساؤل إلى أمها و أبيها, برؤوس مملوءة بالقلق. أتخيلها ابنتي مكانهم. أتمنى لو أنني آخذ جميع هؤلاء الأطفال بين ذراعي و أشرح لهم, أنه لا داعي للمضي قدماً, و أننا سوف نحميهم و أهاليهم, و سندع أقدامهم الصغيرة تلعب في الحدائق بدلاً من أن تخطو في هذا المسير الشاق في منتصف الليل على الطرقات السريعة. لكن هذا لا أستطيع أن أفعله, لأن من يملك القرار هنا في هذه البلاد قال أن اللاجئين غير مرحب بهم هنا, و أنهم لا يجب أن يحسوا هنا أنهم في بيوتهم, و لذلك يتابعون مسيرهم في الليل على الأقدام.
لا أعلم ماذا سوف يتذكرون من هذه الليلة, لكنني لن أنسى هذه الليلة أبداً كليلة عار, حيث قطع اللاجئون فيها الدنمارك مشياً على الأقدام. الناس الذين كانوا بحاجة للمساعدة و لكنهم لم يطلبوها منا, لأنهم يعلمون أننا لا نرغب بمساعدتهم, مع أننا من أغنى الدول في هذا العالم. )
النص كما ورد في:
www.danmarkpaaarabisk.com