جريدة لومانيتيه فرنسا بمناسبة قناة السويس الجديدة

سمير أمين
2015 / 9 / 11


هذه الأفكار تعقيبا على مقالى السابق بعنوان «قناة السويس الجديدة» المنشور باللغة العربية بتاريخ 4 أغسطس، والذى نشر باللغتين الفرنسية والإنجليزية على بعض المواقع، و بُث فى لقاءات فى اذاعات فرنسا الدولية وأوروبا 1 واذاعة مونت كارلو الدولية بالعربية. وقد حظى هذا المقال بتعليقات طيبة خاصة فى دول «البريكس» (البرازيل والهند وروسيا والصين وجنوب إفريقيا) ، كما أثار تعليقات أخرى مغرضة ( غربية كما ومتوقع) .... لم يفاجئنى ذلك.


1 - لم تهضم القوى الإمبريالية (الولايات المتحدة وأوروبا) أبدا عملية تأميم قناة السويس لتى تمت عام 1956 وما تلاها من ممارسة السيادة المصرية الكاملة على القناة، بل شنّت هذه القوى الحرب على مصر لتعيدها إلى الحالة لسابقة »التبعية الخاصة« ( أى هيمنة بريطانيا


العظمى وحليفتها فرنسا ) على إدارة القناة، وقد فشلت فى ذلك لوقت.



2- ظلت القوى المسيطرة فى بلاد الكتلة الإمبريالية تغذّ أمل التراجع عن نتائج التأميم بمناسبة أعمال التوسيع اللازمة لمضاعفة الخدمات التى تقدمها القناة (السماح بعبور تسعين سفينة يوميا من ذوات الحمولة الكبيرة بدلا من 45 ) . وراحو يقولون ويعيدون إن العملية تتطلب تمويلا دوليا، كما أن التنفيذ يجب أن تتولاه الشركات الغربية متعددة الجنيسات أو بشكل آخر عودتهم لامتلاك القناة عن طريق رأس المال الدولي، والقضاء بذلك على عملية تأميم القناة وممارسة السيادة المصرية عليها.



3- لقد قبلت حكومة الاخوان المسلمين بقيادة محمد مرسى هذه الخطة للغزو الاستعماري، وهذا هو بلا شك سبب مساندة القوى الغربية لمحمد مرسى على الرغم من الممارسات الفاشية لحكومته. وعاد جو كيرى منذ أيام وبعد قيامه بالثناء على الرئيس السيسي، فاقترح عليه إعادة إدماج الإخوان المسلمين فى حكومته بإسم الديمقراطية! ياترى كيف يكون رد فعل الفرنسيين مثلا إذا اقترحت مصر على فرانسوا أولاند إدماج »مارن لو بان« فى حكومته، باسم المصالحة الوطنية ؟



لقد فهم الشعب المصرى فورا أن الموقف الذى اتخذه مرسى كان يشكل «خيانة وطنية» حقيقية، وعبر عن ذلك بوضوح فى اختياره الشعارات المظاهرات الضخمة فى 30 يونيو 2013.



4- أخيرا نُفذ المشروع بالطريقة الملائمة لدعم السيادة المصرية على منطقة القناة وعلى القناة وعلى سيناء. وقد جمعت إدارة القناة المصرية التمويل دون الرجوع للسوق المالية الدولية، مصمّمة على تنفيذ المشروع بمسئوليتها الحصرية، رافضة كل صور زعم «الشراكة» (تحت حجة واهية وهى أن الأمر يتعلق بمشروع «يهم العالم بأسره»، ويتوجب من هذا المنطلق أن ُيدار عن طريق «المجتمع الدولي» ( بما يعنى القوى الامبريالية).



إلى هؤلاء الذين يستدعون هذه الحجة أجيب بالآتى : فلتبدأوا بمطالبة الولايات المتحدة بأن تعيد إلى بنما الأراضى المنهوبة بالقوة العسكرية، واطلبوا أن تنسحب الادارة الأمريكية لقناة بنما إلى واشنطن وأن تعيدها إلى الأمم المتحدة!



5- من المؤسف أن بعض المعلّقين الغربيين يخفون انتماءهم لوجهة النظر الاستعمارية باستعمال حجج خارجة عن الموضوع، مثل الحديث عن الممارسات غير الديمقراطية لنظام الرئيس السيسى ... وآخرون يدينون فكرة مشروع القناة الجديدة؛ لكن هذه الحجة البيئوية لن تكون مقبولة إلا إذا طالب نفس المعلّقين بلادهم بالكفّ عن التبديد الرأسمالى ونجحوا فى تحقيق ذلك .



6- فى هذا المجال كما فى غيره هناك معسكران متضادان : أحدهما من المدافعين عن سيادة بلدان الجنوب كشرط لتقدمهم المستقبلى (كما ذكرت فى مقالي) وهناك المعسكر المعادى لذلك والمنتمى لواقع السياسة الامبريالية للهيمنة على الكوكب عبر «قناة» العولمة الليبرالية.