أية تحسينات يجهد الاشتراكيون-الديموقراطيون للحصول عليها من أجل جميع الفلاحين ؟

فلاديمير لينين
2015 / 9 / 8

من أجل تحرير جميع الشغيلة تحريرا تاما، ينبغي على الفلاحين الفقراء أن يعمدوا، بالتحالف مع عمال المدن، إلى خوض النضال ضد البرجوازية برمتها، بمن فيها الفلاحون الأغنياء. إن الفلاحين الأغنياء يرغبون في أن يدفعوا لأجرائهم أقل ويجبروهم عى العمل مدة أطول وبصورة أشق. بينما يجهد عمال المدن والأرياف لكي يحصل الأجراء الذين يشتغلون عند الفلاحين الأغنياء على أجرة أحسن ولكي يكون عملهم أقل ضنى، ولكي يحصلوا على الراحة. ولذا ينبغي على الفلاحين الفقراء أن يؤلفوا جمعيات خاصة بهم، لا يشترك فيها الفلاحون الأغنياء، – وقد سبق أن تحدثنا بهذا الصدد. ولن نكف عن ترديد أقوالنا.

ولكن الفلاحين، جميع الفلاحين، الأغنياء منهم والفقراء، ما يزالون في روسيا أقنانا من نواح عديدة كما في الماضي: فهم يشكلون الفئة الدنيا، السوداء، الفئة التي تحمل الضرائب. إنهم كلهم خاضعون لموظفي البوليس ولرؤساء الأقضية الريفية، وكلهم يشتغلون في معظم الأحيان، كما في الماضي، لحساب السيد الملاك العقاري لقاء حق استثمار الأراضي المنتزعة سابقا من الفلاحين، لقاء مسقى الماشية، لقاء مرعى الماشية، لقاء المرج، تماما كما كانوا يشتغلون للسيد الاقطاعي في عهد القنانة. إن جميع الفلاحين يريدون التحرر من هذا الاستعباد الجديد، جميعهم يريدون التمتع بجميع الحقوق، جميعهم يكرهون الملاكين العقاريين الذين يجبرونهم حتى الآن على القيام بأعمال السخرة، على العمل في صالح السادة النبلاء لقاء الأرض، ومرعى الماشية، ومسقى الماشية، والمرج، لقاء “الأضرار” التى تسببها الماشية، والذين يجبرونهم حتى الآن على إرسال نسائهم يحصدون “بدون أي أجر”. إن الفلاحين الفقراء يعانون من واجبات العمل هذه أكثر مما يعني الفلاحون الأغنياء. فإن الفلاحين الأغنياء يدفعون الأموال أحيانا لإنقاذ أنفسهم من هذا العمل المترتب للأسياد الملاكين العقاريين، ولكن الملاكين العقاريين يضطهدون الفلاحين الأغنياء أيضا في معظم الاحيان اضطهادا شديدا. ولذا ينبغي على الفلاحين الفقراء أن يناضلوا، بالتحالف مع الفلاحين الأغنياء، ضد استعباد الملاكين العقاريين، ضد جميع أعمال السخرة، ضد جميع واجبات العمل. إننا لن نتحرر من كل العبودية، من كل البؤس، إلا حين نتغلب على كل البرجوازية (بمن فيها الفلاحون الأغنياء). ولكن ثمة عبودية سنتخلص منها قبل غيرها، لأن الفلاح الغني لا يغتبط بها أيضا. ما يزال في روسيا حتى اليوم كثير من الأماكن والنواحي ما يزال فيها جميع الفلاحين في الغالب كالأقنان تماما. ولذا ينبغي على جميع العمال الروس وعلى جميع الفلاحين الفقراء خوض النضال من جهتين: من جهة، ضد جميع البرجوازيين بالتحالف مع جميع العمال؛ ومن جهة أخرى، ضد الموظفين في الأرياف، ضد الملاكين الاقطاعين، بالتحالف مع جميع الفلاحين. وإذا لم يشكل الفلاحون الفقراء إتحادا خاصا لا يشترك فيه الفلاحون الأغنياء، فإن الفلاحين الأغنياء سيخدعون الفلاحين الفقراء، ويواربون، ويتحولون إلى ملاكين عقاريين، ولن يكتفوا بإبقاء الفلاحين الفقراء معدمين تماما وحسب، بل سيرفضون أيضا منحهم حرية الاتحاد. وإذا لم يعمد الفلاحون الفقراء إلى النضال بالتحالف مع الفلاحين الأغنياء ضد العبودية الاقطاعية، فإنهم سيظلون مكتوفي الأيدي مربوطين بمكان واحد، ولن يحصلوا أيضا على الحرية التامة بالاتحاد مع عمال المدن.

ينبغي على الفلاحين الفقراء أن يسددوا الضربة أولا إلى الملاكين العقاريين، وأن يخلعوا على الأقل العبودية التي هي أقسى العبوديات وأشدها ضررا، والتي فرضها الأسياد الملاكون العقاريون. وفي هذا المجال، سيقف أنصار البرجوازية والكثيرون من الفلاحين الأغنياء إلى جانب الفلاحين الفقراء، لأنه لم يبق في وسعهم احتمال ازدراء الأسياد وتعاليهم. ولكن ما إن نحطم قليلا من سلطة الملاكين العقاريين، حتى يبرز الفلاح الغني، ويمد مخالبه الكلابية إلى كل شي، وهذه المخالب جشعة، وقد نهبت حتى الآن الكثير من الأشياء. ولذا تنبغي اليقظة وإقامة تحالف وطيد، راسخ لا يتزعزع، مع عمال المدن. فإن عمال المدن سيساعدون في حمل الملاك على التخلي عن عاداته القديمة الاقطاعية، وفي تهدئة الفلاح الغني أيضا (كما فعلوا إلى حد ما مع أرباب العمل). فبدون التحالف مع عمال المدن، لن يتحرر الفلاحون الفقراء أبدا من كل العبوديات وكل الحرمانات وكل البؤس؛ وليس ثمة أي آخر سيساعدهم في هذا المجال، ولا ينبغي لهم الاعتماد إلا على أنفسهم. ولكن ثمة تحسينات سنحققها قبل غيرها، بل نستطيع تحقيقها فورا، في بداية هذا النضال الكبير. ففي روسيا أمثلة كثيرة عن الاستعباد زالت منذ زمن بعيد في البلدان الأخرى؛ فمن هذا الاستعباد للموظف، من هذا الاستعباد للسيد، للاقطاعي، يستطيع كل الفلاحين الروس أن يتخلصوا حالا.

والآن، سندرس التحسينات التي يريد حزب العمال الاشتراكي-الديموقراطي تحقيقها أولا، وبالدرجة الأولى، من أجل تحرير كل الفلاحين الروس من أقسى عبودية اقطاعية على الأقل، ومن أجل فك القيد عن يدي الفلاح الفقير في النضال ضد كل البرجوازية الروسية.

إن المطلب الاول لحزب العمال الاشتراكي-الديموقراطي هو التالي: العمل فورا على إلغاء جميع التعويضات عن الأراضي، وعلى إلغاء جميع الاتاوات وجميع الالتزامات التي تثقل كواهل الفلاحين “الذين يتحملون الضرائب”. فعندما كانت لجان النبلاء وحكومة نبلاء القيصر الروسي “تعتق” الفلاحين من القنانة، كانت تلزم الفلاحين بشراء أراضيهم نفسها من جديد، بشراء الأراضي التي كان الفلاحون يزرعونها منذ أجيال وأجيال ! كان ذلك ضربا من النهب.

كانت لجان النبلاء تنهب الفلاحين بكل بساطة بمساعدة الحكومة القيصرية التي كانت ترسل الجيش إلى العديد من الأماكن بقصد تطبيق الشرعات التنظيمية(8) بالقوة وبقصد إنزال العقوبات العسكرية بالفلاحين الذين كانوا لا يقبلون بالأراضي المقتطعة “البائسة”. ولولا مساعدة الجيش، لولا التعذيبات والإعدامات رميا بالرصاص، لما استطاعت لجان النبلاء أبدا أن تنهب الفلاحين بمثل الوقاحة التي نهبتهم بها في أثناء تحرير الفلاحين من القنانة. بنبغي أن يتذكر الفلاحون على الدوام كيف خدعتهم لجان الملاكين العقاريين، لجان النبلاء، وكيف نهبتهم، لأن الحكومة القيصرية ما تزال تعين اليوم لجان نبلاء أو لجان موظفين عندما يتعلق الأمر بإصدار قوانين خاصة بالفلاحين. فمنذ بعض الحين، أصدر القيصر بيانا (بتاريخ 26 فبراير/شباط 1903) وعد فيه بإعادة النظر في القوانين الخاصة بالفلاحين وتحسينها. ولكن من ذا الذي سيعيد النظر ؟ من ذا الذي سيحسن ؟ النبلاء أيضا، والموظفون أيضا ! وسيظل الفلاحون مخدوعين طالما لم يتوصلوا إلى تأليف لجان فلاحية مهمتها تحسين حياة الفلاحين.

كفى ما حكم وما أمر وما نهى الملاكون العقاريون ورؤساء الأقضية وشتى أصناف الموظفين ! كفى استعبادا للبوليس الريفي، ولجميع أبناء النبلاء السكارى المدمنين الذين يعينونهم رؤساء الأقضية، أو رؤساء البوليس في الأقضية، أو حكاما ! ينبغي على الفلاحين أن يطالبوا بحرية تصريف شؤونهم بأنفسهم، بحرية التفكير بأنفسهم في القوانين الجديدة، بحرية تعيينها وسنها بأنفسهم. ينبغي عليهم أن يطالبوا بلجان فلاحية حرة ومنتخبة. وطالما لم يحصلوا على هذا، فسيظل النبلاء والموظفون يخدعونهم وينهبونهم. وما من أحد سينقذ الفلاحين من براثن الموظفين مصاصي الدماء، إذا لم يحرر الفلاحون أنفسهم بأنفسهم، إذا لم يتحدوا لأخذ مصيرهم بأيديهم ذاتها.

إن الاشتراكيين-الديموقراطيين لا يطالبون فقط إلغاء تعويضات الأراضي والاتاوات وجميع الالتزامات الأخرى إلغاء تاما وفوريا، بل يطلبون أيضا أن تعاد إلى الشعب هذه التعويضات المقتطعة منه. ففي عموم روسيا، دفع الفلاحون مئات الملايين من الروبلات منذ أن حررتهم لجان النبلاء من القنانة. وهذه المبالغ إنما ينبغي أن يستعيدها الفلاحون. فلتفرض الحكومة ضريبة خاصة على كبار ملاكي الأراضي النبلاء، لتؤخذ اراضي الاديرة والاقطاعات (أي أراضي أسر القيصر)، لتنفق جمعية النواب الشعبية هذا المال في صالح الفلاحين. فليس في العالم مكان بلغ فيه اذلال الفلاح وافقاره وهلاك الملايين من الفلاحين جوعا، حدا مرعبا كما في روسيا. لقد اكره الفلاح في روسيا على الموت جوعا لأنه سبق للجان النبلاء أن نهبته، لأنه ينهب كل سنة منذ ذلك الحين، باجباره على دفع جزيته القديمة للاقطاعيين القدماء المتبقين، باجباره على دفع تعويضات الارض وعلى تسديد الاتاوات. فليتحمل الذين ينهبونه وزر ما يفعلون. لتؤخذ من كبار الملاكين النبلاء، المبالغ الضرورية لاسداء معونة فعالة للجياع. فالفلاح الجائع ليس بحاجة إلى الاحسان ولا إلى الصدقات البائسة. ليطالبن باعادة المبالغ التي دفعها طوال سنوات وسنوات للملاكين العقاريين والدولة. اذ ذاك تستطيع جمعية النواب الشعبية واللجان الفلاحية تقديم مساعدة حقيقية وجدية للجياع.

لنتابع. إن حزب العمال الاشتراكي-الديموقراطي يطالب بأن يصار فورا إلى إلغاء التكافل(9) إلغاء تاما، وكذلك جميع القوانين التى تحد من حرية تصرف الفلاح بأرضه. إن بيان القيصر، الصادر بتاريخ 26 فبراير/شباط 1903، يعد بالغاء التكافل والتضامن. وقد صدر مؤخرا قانون ينص على الغائهما. ولكن ذلك لا يكفي. ينبغي فوق ذلك أن يصار فورا إلى إلغاء جميع القوانين التي تحد من حرية تصرف الفلاح بارضه. وبدون ذلك، لن يكون الفلاح حرا تماما، حتى إذا الغي التكافل بحرية التصرف بأرضه حرية تامة: ينبغي أن يكون له حق التنازل عنها وبيعها لمن يشاء دون أن يطلب الاذن من أي كان. وهذا ما لا يسمح به مرسوم القيصر: فإن جميع النبلاء والتجار والبرجوازيين الصغار يستطيعون التصرف باراضيهم بكل حرية، باستثناء الفلاح. فالموجيك ليس سوى طفل صغير. ينبغي فرض اشراف رئيس القضاء عليه، كما تشرف المربية على الطفل. ينبغي منع الموجيك من بيع ارضه، لأنه قادر على تبديد ماله ! هكذا يفكر الاقطاعيون، وثمة سذج بلهاء يصدقونهم ويتمنون الخير للموجيك قائلين أنه ينبغي منعه من بيع ارضه. بل إن الشعبيين (الذين سبق أن تحدثنا عنهم آنفا) والذين يسمون أنفسهم “اشتراكيين-ثوريين” يوافقون على رأي الاقطاعيين أيضا؛ وهم يرون أنه من الأفضل منع الموجيك من بيع أرضه ولو بقي قنا إلى حد ما.

أما الاشتراكيون-الديموقراطيون، فإنهم يقولون: هذا رياء برياء، هذا يعني التظاهر بمظاهر الاسياد، وهذه كلمات معسولة فقط ! فحين نحقق الاشتراكية وتتغلب الطبقة العاملة على البرجوازية، تصبح كل الارض للجميع ولن يبقى لأي احد حق بيعها. ولكن من الآن حتى ذلك الحين ؟ النبيل والتاجر يستطيعان بيع الارض ولكن الفلاح لا يستطيع بيعها ؟ ! النبيل والتاجر حران، بينما يظل الفلاح في حالة نصف قن، أليس كذلك ؟ ! وسيظل الفلاح يستعطي الاذن من ولاة الشأن، أليس كذلك ؟ !

ليس ذلك سوى كذب، وإن كان مقنعا بكلمات معسولة، ولكنه يبقى مع ذلك كذبا.

وطالما يسمحون للنبيل وللتاجر ببيع الارض، فينبغي أيضا أن يكون للفلاح الحق التام ببيع ارضه والتصرف بها بحرية تامة، شأنه شأن النبيل والتاجر.

وعندما تتغلب الطبقة العاملة على البرجوازية بأسرها، فإنها ستنتزع أرض كبار الملاكين وتنظم استثمارات تعاونية في الاملاك الكبيرة، لكي يزرع العمال الارض بصورة مشتركة، بالاتفاق فيما بينهم، ويعينوا بحرية المسؤولين الاداريين من بين الذين يثقون بهم، ويستخدموا شتى أنواع الآلات بغية تسهيل العمل، ولا يشتغل كل منهم بدوره أكثر من ثماني ساعات (بل ربما يشتغل ست ساعات) في اليوم. اما الفلاح الصغير الذي يريد الاستمرار على استغلال ارضه حسب الطريقة القديمة بصورة منفردة، فإنه، هو أيضا، سيكف عن استثمار أرضه من أجل السوق ومن اجل بيع منتجاته لاول قادم، وسيعمل من اجل جمعيات العمال؛ فإن الفلاح الصغير سيقدم لجمعيلات العمال الخبز واللحم والخضار، وسيعطيه العمال دون مال الآلات والمواشي والاسمدة والألبسة، وكل ما يحتاج اليه. حينذاك سيزول النضال بسبب المال بين المالك الكبير والمالك الصغير. وسيزول العمل المأجور، لحساب الآخرين، وسيعمل جميع الشغيلة لأنفسهم، وستفيد الآلات وجميع التحسينات العمال أنفسهم، وتسهل عملهم وتحسن حياتهم.

ولكن كل امرئ سليم التفكير يدرك أن من المستحيل تحقيق الاشتراكية دفعة واحدة: فلهذا الغرض ينبغي خوض نضال عنيد ضد البرجوازية كلها، ضد الحكومات من أي طراز ونوع كانت؛ لهذا الغرض ينبغي حشد جميع عمال المدن في عموم روسيا، والفلاحين الفقراء معهم، في اتحاد متين لا يتزعزع. وتلك مهمة كبيرة، وجديرة بان يكرس لها المرء كل حياته. ولكن، طالما لم نحقق الاشتراكية، فان المالك الكبير سيناضل ابدا ضد المالك الصغير، بسبب المال: فهل يكون المالك الكبير حرا حقا ببيع الارض، بينما الفلاح الصغير ليس بحر ؟ إننا نكرر أن الفلاحين ليسوا أطفالا صغار، ولن يسمحوا لأحد أن يتأمر عليهم؛ فينبغي أن ينال الفلاحون جميع الحقوق، جميع الحقوق دون أي قيد، جميع الحقوق التي يتمتع بها النبلاء والتجار.

ويقولون أيضا: إن الفلاح لا يملك ارضه لنفسه، انما ارضه تخص المشاعة. ولا يمكن السماح لأحد ببيع الارض التي تخص المشاعة. وهذا قول كذب أيضا. فهل أن النبلاء والتجار ليس لهم مثل هذه الجمعيات ؟ الا يشكلون شركات، ألا يشترون معا الأراضي والمصانع وكل ما تريدون ؟ لماذا لا يلفقون أي قيد لجمعيات النبلاء بينما تتدخل الحثالة البوليسية بشؤون الموجيك وتتخيل شتى القيود والموانع ؟ إن الفلاحين لم يروا قط أي موقف طيب من جانب الموظفين، ولم يعرفوا منهم سوى الضرب والنهب والسلب والاهانة، ولن يرى الفلاحون خيرا طالما لم يأخذوا شؤونهم بأيديهم، طالما لم يظفروا بالمساواة التامة في الحقوق وبالحرية التامة. فاذا شاء الفلاحون أن تكون الارض للمشاعة، فلا يفكرن احد بمنعهم عن ذلك، فانهم سيؤلفون بالتفاهم فيما بينهم، جمعية مع من يشاؤون وكما يشاؤون ويصوغون عقدا لجمعيتهم كما يطيب لهم، وبكل حرية. فلا يحاولن الموظف حشر انفه في شؤون جمعية الفلاحين. ولا يفكرن احد بمخاتلة الفلاحين ولا بتلفيق القيود والموانع لهم.

* * *

واخيرا، يريد الاشتراكيون-الديموقراطيون الحصول على تحسين هام آخر للفلاحين: انهم يريدون الحد فورا، حالا، من حالة الاستعباد للسيد، من عبودية الموجيك الاقطاعية. لا ريب في اننا لن نتوصل إلى التخلص تماما من العبودية، طالما البؤس يعم العالم، ولا إلى التخلص من البؤس طالما الارض والمصانع في ايدي البرجوازية، طالما المال هو القوة الرئيسية في العالم، طالما لم يبن المجتمع الاشتراكي. بيد انه ما تزال في القرى الروسية عبودية قاسية جدا، غير معروفة في البلدان الاخرى، رغم أن الاشتراكية لم تبن فيها بعد.

فالعبودية الاقطاعية ما تزال عظيمة الشأن في روسيا. وهي تفيد جميع الملاكين العقاريين، وتنيخ بكلكلها على جميع الفلاحين، بيد انه يمكن ويجب الغاؤها فورا، حالا، وبالدرجة الاولى.

لنوضح ما سميناه العبودية الاقطاعية.

ان كل من يسكن الريف يعرف من هذه الحالات. فارض السيد تقع إلى جانب ارض الفلاح. وعند تحرير الفلاحين، انتزعوا منهم الأراضي التي يحتاجون اليها، والمراعي، والغابات، والمساقي.

ولا يعرف الفلاحون اين يمضون وما يفعلون دون هذه الأراضي التي انتزعوها منهم، دون المراعي، دون المساقي. ولذا يضطرون لأن يطلبوا من الملاك أن يسمح لهم بمرور الماشية إلى المسقى، أن يعطيهم مرعى للماشية، الخ .. والحال أن الملاك لا يستثمر املاكه، وقد لا يكون لديه أي مال، وهو لا يعيش الا من استعباد الفلاحين. وهؤلاء يشتغلون مجانا في املاكه لقاء الأراضي التي انتزعوها منهم فيما مضى، ويحرثون ارضه باحصنتهم، ويحصدون حبوبه، ويحصدون هشيم مروجه، ويدرسون حبوبه، وفي بعض الاماكن يحملون سمادهم إلى ارض السيد، ويقدمون له الاقمشة والبيض والدجاج.

كما في عهد القنانة ! في عهد القنانة، كان الفلاحون يشتغلون مجانا لمالك الاقطاع حيث يعيشون، وهم الآن يشتغلون أيضا، في معظم الاحيان، مجانا، للسيد، لقاء الارض نفسها التي انتزعتها لجان النبلاء من الفلاحين لدن تحريرهم. وما تزال اعمال السخرة ذاتها. هكذا يسمي فلاحو بعض المقاطعات هذا العمل الذي يقومون به في صالح السيد. وهذا ما نسميه العبودية الاقطاعية. فعند تحرير الفلاحين، دبرت لجان الاسياد الاقطاعيين أو لجان النبلاء الامور بصورة يستطيعون معها استعباد الفلاحين كما في الماضي، فاقتطعوا قصدا من اراضي الفلاحين، وشقوا اراضي الفلاحين باراضي الاسياد كالاسفين لكي لا يكون للفلاح مكان يضع فيه دجاجة، ونقلوا الفلاحين إلى اراض قاحلة، وقطعوا بارض الاسياد الطريق إلى مسقى الماشية: أي، انهم دبروا الامور بصورة يقع فيها الفلاحون في الفخ، واسرى، دون اية صعوبة. وكم من القرى – وعددها لا حد له – ما يزال فيها الفلاحون اسرى الملاكين المجاورين، اسرى كما كانوا في عهد القنانة. في هذه القرى، نرى الفلاح الغني والفلاح الفقير مكبلي الايدي والاقدام، وتحت رحمة الملاك العقاري. وحياة الفلاح الفقير اصعب بكثير من حياة الفلاح الغني. فالفلاح الغني يملك احيانا ارضه الخاصه فيرسل العامل المأجور يقوم عنه بأعمال السخرة. اما الفلاح الفقير، فليس له أي مخرج، فيفعل الملاك العقاري به ما يريد. والفلاح الفقير، الذى يعانى هذا الاستعباد، لا يجد غالبا الوقت الكافي للاستراحة، والجهد الذي يبذله في صالح سيده يمنعه من العمل خارج قريته وناحيته، ومن التفكير بالانضمام بحرية إلى اتحاد واحد، إلى حزب واحد، مع جميع الفلاحين الفقراء وعمال المدن.

ولكن، أليس ثمة لالغاء هذه العبودية فورا، ودفعه واحدة ؟ إن حزب العمال الاشتراكي-الديموقراطي يقدم للفلاحين وسيلتين من اجل بلوغ هذا الهدف. غير اننا نقول مرة اخرى أن الاشتراكية وحدها هي التي ستحرر الفلاحين الفقراء من جميع العبوديات، لأن الأغنياء سيضطهدون الفلاحين الفقراء بطريقة أو باخرى طالما هم اقوياء. ومن المستحيل إلغاء هذه العبودية تماما، ودفعة واحدة، غير انه يمكن الحد كثيرا من هذه العبودية الاقطاعية، التي هي اقسى واشنع عبودية، والتي تنيخ بكلكلها على الفلاحين الفقراء والفلاحين المتوسطين سواء بسواء حتى على الفلاحين الأغنياء أيضا، يمكن التوصل فورا إلى التخفيف من وطأة هذه العبودية على الفلاحين.

ولهذا الغرض، توجد وسيلتان.

الوسيلة الاولى، انما هي المحاكم التي يختار اجراء الارياف والفلاحون الفقراء وكذلك الفلاحون الأغنياء والملاكون العقاريون، اعضاءها بحرية من بين يثقون بهم.

الوسيلة الثانية، انما هي اللجان الفلاحية المختارة بحرية، ينبغي أن تتمتع هذه اللجان بحق بحث واقرار جميع التدابير التى تؤول إلى إلغاء السخرة، والى محو بقايا القنانة، كما ينبغي أن تتمتع أيضا بحق انتزاع الأراضي المقتطعة سابقا واعادتها إلى الفلاحين.

لندرس هاتين الوسيلتين بمزيد من التفاصيل. إن المحاكم المختارة اعضاؤها بحرية من بين اهل الثقة، ستبحث في جميع شكاوى الفلاحين ضد العبودية. وسيكون من حق هذه المحاكم تخفيض بدلات ايجار الاراضي، إذا استغل الملاكو العقاريون بؤس الفلاحين وحددوا بدلا باهظا. وسيكون من حق هذه المحاكم تحرير الفلاحين من المدفوعات الجائرة. مثلا، إذا استأجر الملاك الفلاح في فصل الشتاء لكي يقوم له باشغاله في فصل الصيف بنصف الاجر العادي، فان المحكمة تبحث القضية وتحدد اجرا عادلا. وينبغي أن تتألف هذه المحكمة، بالطبع، لا من الموظفين، بل من اهل الثقة المختارين بحرية، وينبغي اطلاقا أن يكون للأجراء الريفيين والفلاحين الفقراء عدد من الممثلين لا يقل عن عدد ممثلي الفلاحين الأغنياء والملاكين العقاريين. وستبحث هذه المحاكم أيضا جميع النزاعات بين العمال وارباب العمل. وهكذا ستخف المصاعب امام العمال والفلاحين الفقراء لعرض حقوقهم والدفاع عنها امام هذه المحاكم، وستخف المصاعب امامهم للاتحاد فيما بينهم ولمعرفة من هم الذين يدافعون عن الفلاحين الفقراء وعن العمال بامانة واخلاص، لمعرفتهم بدقة. واليكم أيضا وسيلة اخرى، اهم، هي اللجان الفلاحية المختارة بحرية من بين اهل الثقة الذين يمثلون الاجراء الزراعيين والفلاحين الفقراء والمتوسطين والأغنياء في كل قضاء من الاقضية (او عدة لجان في كل قضاء، إذا ارتأى الفلاحون ذلك ضروريا، بل قد يشكلون لجانا فلاحية في كل ناحية وكل قرية كبيرة). وما من احد يعرف خيرا من الفلاحين أي عبودية تنيخ بثقلها على كواهلهم.

وما من احد سيعرف خيرا من الفلاحين كيف يفضح الملاكين العقاريين الذين يعيشون حتى الآن من العبودية الاقطاعية. إن اللجان الفلاحية ستقرر اية هي الأراضي أو المروج أو المراعى، الخ. التي انتزعت جورا وظلما من الفلاحين، وستقرر إذا كان ينبغي انتزاع هذه الأراضي مجانا أو دفع تعويض للذين اشتروها، وذلك على حساب كبار الملاكين العقاريين النبلاء. وستحرر هذه اللجان الفلاحين على الأقل من الاشراك التى اوقعهم فيها الكثير من لجان الاسياد، من لجان النبلاء. وستحرر الفلاحين من تدخل الموظفين؛ وستبين أن الفلاحين يريدون ويستطيعون تصريف شؤونهم بانفسهم. وستساعد الفلاحين في التفاهم حول حاجاتهم وفي حسن معرفة الناس القادرين على الصمود إلى جانب الفلاحين الفقراء والى جانب تحالفهم مع عمال المدن. إن اللجان الفلاحية تشكل خطوة اولى إلى الامام لكي يهب الفلاحون وقوف حتى في انأى القرى ويأخذوا مصيرهم بأيديهم.

ولهذا يحذر العمال الاشتراكيون-الديموقراطيون الفلاحين قائلين لهم:

لا تثقوا باية لجنة من لجان النبلاء ولا باية لجنة من لجان الموظفين.
طالبوا بجمعية نواب شعبية.
طالبوا بانشاء اللجان الفلاحية.
طالبوا بالحرية التامة لطبع جميع انواع الكتب والصحف.

وعندما يصبح من حق الجميع، ومن حق كل فرد من الافراد، حرية التعبير عن الآراء والرغبات في جمعية النواب الشعبية، وفي اللجان الفلاحية، وفي الصحف، دون خشية من احد، عند ذاك سيعرف في وقت قصير جدا من ذا الذي يقف إلى جانب الطبقة العاملة ومن ذا الذي يقف إلى جانب البرجوازية. اما الآن فان الاغلبية الساحقة لا تفكر ابدا في هذا الامر. وهناك من يخفون رأيهم الحقيقي؛ وهناك من لا يعرفون انفسهم حتى الآن؛ وهناك من يخدعون قصدا وعمدا. ولكن الجميع سيفكرون حينذاك في هذا الامر، ولن تبقى ثمة حاجة إلى التخفي، فكل شيئ سيتضح حالا. لقد سبق أن قلنا أن البرجوازية ستجتذب الفلاحين الأغنياء إلى جانبها. وكلما تحقق إلغاء العبودية الاقطاعية بمزيد من السرعة والاكتمال، وكلما تعاظمت الحرية الفعلية التي يظفر بها الفلاحون، اتحد الفلاحون الفقراء فيما بينهم بمزيد من السرعة، واسرع الفلاحون الأغنياء بالاتحاد مع البرجوازية كلها. لندعهم اذن يتحدون: فاننا لا نخاف هذا الاتحاد، مع اننا نعلم تمام العلم أن هذا الاتحاد سيزيد من قوة الفلاحين الأغنياء. لاننا سنتحد بدورنا وسيكون تحالفنا – تحالف الفلاحين الفقراء مع عمال المدن – اكثر عددا بما لا حد له، انه سيضم عشرات الملايين ضد تحالف مئات الآلاف.

ونحن نعلم أيضا أن البرجوازية ستسعى جهدها (وهي تسعى جهدها منذ الآن !) لكي تجتذب الفلاحين المتوسطين إلى جانبها بل الفلاحين الصغار أيضا؛ انها ستحاول أن تخدعهم، وتغرهم، وتفرق شملهم، وتعد كلا منهم بترقيتة إلى الأغنياء. لقد رأينا آنفا إلى اية وسائل واية اكاذيب تلجأ البرجوازية لاجتذاب الفلاح المتوسط. فينبغي لنا اذن أن نفتح عيون الفلاحين الفقراء سلفا وان نوطد سلفا تحالفهم الخاص مع عمال المدن ضد البرجوازية برمتها.

ليتطلع كل ساكن من سكان الارياف فيما حوله بانتباه. فما اكثر ما يرفع الفلاحون الأغنياء الصوت ضد الاسياد، ضد الملاكين العقاريين ! ولكم يتذمرون من الظلم النازل بالشعب ومن بقاء اراضي الاسياد بورا بلا جدوى ! ولكم يحبون الوشوشة (فردا لفرد) بانه ينبغي نقل هذه الأراضي إلى حوزة الموجيك !

ولكن هل يمكننا تصديق ما يقوله الأغنياء ؟ كلا. فهم لا يريدون الحصول على الارض من اجل الشعب، بل من اجل انفسهم.

فهم منذ الآن قد اشتروا واستأجروا مساحات كبيرة من الارض، ولكن ذلك لا يكفيهم. ولذا لن يسير الفلاحون الفقراء طويلا مع الفلاحين الأغنياء ضد الملاكين العقاريين. ولا يسعنا أن نخطو معهم سوى خطوة اولى ومن ثم لابد لنا أن يسير كل منا على حدة.

ولهذا ينبغي أن نفصل بوضوح هذه الخطوة الاولى عن الخطوات الاخرى وعن خطوتنا الاخيرة الرئيسية. إن الخطوة الاولى الواجب القيام بها في الارياف، هي تحرير الفلاح تماما، ومنحه الحقوق الكاملة، وانشاء لجان فلاحية من اجل استعادة الأراضي المقتطعة. اما خطوتنا الاخيرة، في المدينة كما في الريف، فهي التالية: سننتزع جميع الأراضي وجميع المصانع من الملاكين العقاريين والبرجوازية وسنبني المجتمع الاشتراكي. وبين الخطوة الاولى والخطوة الاخيرة، سيترتب علينا أن نناضل طويلا، فمن يخلط بين الخطوة الاولى والخطوة الاخيرة، فانه يسيء إلى هذا النضال؛ وكأنه عن غير قصد، يذر الرماد في عيون الفلاحين الفقراء.

اما الخطوة الاولى، فان الفلاحين الفقراء سيقومون بها بالاتفاق مع جميع الفلاحين، ولكن مع العلم أن بعض الكولاك لن يقدموا عليها، أو أن فلاحا من اصل مئة لن يتذمر من اية عبودية. ولكن كل الجمهور سيناضل أيضا في هذا الميدان من اجل شيء واحد: لأن الحقوق المتساوية ضرورية لجميع الفلاحين. فان استعباد السيد يكبل ايدي الجميع واقدامهم. اما الخطوة الاخيرة، فان جميع الفلاحين لن يقوموا بها ابدا معا: بل إن جميع الفلاحين الأغنياء سيهبون ضد الاجراء الزراعيين. حينذاك ينبغي لنا تحالف متين بين الفلاحين الفقراء والعمال الاشتراكيين – الديموقراطيين في المدن. فان من يقول للفلاحين انهم يستطيعون القيام دفعة واحدة بالخطوة الاولى والخطوة الاخيرة فها يعني انه يخدعهم وهذا يعني انه ينسى النضال الكبير القائم بين الفلاحين انفسهم، النضال الكبير القائم بين الفلاحين الفقراء والفلاحين الأغنياء.

لهذا لا يعد الاشتراكيون-الديموقراطيون الفلاح من الدفعة الاولى بالمن والسلوى وبأنهر من العسل واللبن. لهذا يطلبون قبل كل شيء الحرية التامة للطبقة العاملة برمتها في نضالها، في نضالها الكبير، الواسع، الشامل، ضد البرجوازية برمتها. لهذا يشير الاشتراكيون-الديموقراطيون إلى الخطوة الاولى الواجب خطوها، وهي خطوة صغيرة ولكنها خطوة اكيدة.

يعتقد البعض أن مطلبنا بانشاء لجان فلاحية بغية الحد من العبودية واستعادة الأراضي المقتطعة فيما مضى انما هو ضرب من سياج، نوع من سد. فكأننا نقول: قفوا، لا تمضوا أبعد من ذلك. إن هؤلاء القوم قد اساؤوا التفكير فيما يريده الاشتراكيون-الديموقراطيون.

ان مطلب انشاء لجان فلاحية بغية الحد من العبودية واستعادة الأراضي المقتطعة فيما مضى، ليس سدا. انه باب. وينبغي الخروج من هذا الباب اولا من اجل المضي إلى أبعد، من اجل اتباع الطريق الرحبة المفتوحة إلى النهاية، إلى أن يتحرر كل الشعب العامل الشغيل في روسيا تحررا تاما. وطالما لا يخرج الفلاحون من هذا الباب. فانهم سيبقون غارقين في لجة الجهل، خاضعين للعبودية، محرومين من كامل الحقوق، من الحرية التامة الحقيقية، بل انهم سيظلون عاجزين عن التمييز بين اصدقاء العامل واعدائه. ولذا يشير الاشتراكيون-الديموقراطيون إلى هذا الباب ويقولون انه ينبغي اولا دفع هذا الباب معا، بجهد مشترك، بجهد الشعب كله، وتحطيمه تحطيما تاما. اذ ثمة اناس يقولون عن انفسهم انهم شعبيون واشتراكيون – ثوريون، ويريدون، هم أيضا، الخير للموجيك؛ انهم يصرخون، ويضجون، ويلوحون بالايدي، ويريدون اسداء المساعدة، ولكنهم لا يرون هذا الباب ! وهؤلاء القوم عميان إلى حد انهم يقولون بانه لا ينبغي ابدا منح الموجيك حق التصرف بارضه بحرية ! انهم يريدون الخير للموجيك، ولكنهم يفكرون احيانا مثل الاقطاعيين تماما ! إن مساعدة مثل هؤلاء الاصدقاء لن تكون كبيرة الفائدة. فماذا يجدي نفعا أن تريد الخير للموجيك، إذا كنت لا ترى بوضوح هذا الباب الاول الذي ينبغي تحطيمه ؟ وماذا يجدي نفعا أن تطمح انت أيضا إلى الاشتراكية، إذا كنت لا ترى الوسيلة للخروج إلى طريق النضال الشعبي الحر من اجل الاشتراكية، لا في المدينة وحسب، بل في الريف أيضا، لا ضد الملاكين العقاريين وحسب، بل ضد الاثرياء في قلب المشاعة، في قلب “المير” ؟

لهذا يشير الاشتراكيون-الديموقراطيون بمثل هذا العناد البالغ، إلى هذا الباب الاول والقريب جدا. فليس من الصعب اليوم الاكثار من التمنيات الطيبة، بل الصعب هو أن نبين بوضوح الطريق الواجب اتباعها، أن ندرك بوضوح ما ينبغي القيام به لتحقيق هذه الخطوة الاولى.

أن يكون الموجيك الروسي مرهقا باثقال العبودية، أن يكون قد ظل نصف قن، فذلك ما يتحدث عنه جميع اصدقائه ويكتبون عنه منذ اربعين سنة. أن يكون الملاكون العقاريون ينهبون الموجيك ويستعبدونه بصورة فاضحة بوساطة شتى انواع الأراضي المقتطعة فيما مضى، فذلك ما كتب عنه جميع اصدقاء الموجيك العديد من الكتب قبل ظهور الاشتراكيين-الديموقراطيين في روسيا بزمن طويل. أن يكون من المترتب مساعدة الموجيك حالا، دون تأخير، وتحريره إلى حد ما من العبودية، فذلك ما يراه الآن جميع الناس الشرفاء، وما اخذ يتحدث عنه الآن حتى موظفو حكومتنا البوليسية. فالمسألة كلها تنحصر في معرفة كيف نشرع بالامر، كيف نخطو الخطوة الاولى، أي باب نقتحمه في بادئ الامر.

على هذا السؤال، يعطي مختلف الناس (ممن يريدن الخير للموجيك) جوابين مختلفين. وينبغي على كل بروليتاري من بروليتاريي الارياف أن يسعى جهده لفهم هذين الجوابين فهما جيدا وان يكون رأيا واضحا ودقيقا. إن جواب الشعبيين والاشتراكيين-الثوريين هو التالى. انهم يقولون: ينبغي اولا تطوير شتى انواع الجمعيات (التعاونيات) في صفوف الفلاحين. ينبغي توطيد “المير”. ينبغي عدم منح كل فلاح حق التصرف بارضه بحرية. لتتمتع المشاعة بمزيد من الحقوق ولتصبح كل الارض في روسيا مشاعية شيئا فشيئا.

ينبغي منح الفلاحين شتى انواع التسهيلات فيما يتعلق بشراء الارض لكي تنتقل الارض من الرأسمال إلى العمل، بمزيد من السهولة.

اما الاشتراكيون-الديموقراطيون، فانهم يعطون جوابا آخر.

ينبغي اولا أن يحصل الفلاح لنفسه على جميع الحقوق التي يتمتع بها النبلاء والتجار، دون استثناء أي حق. ينبغي أن يتمتع الفلاح بكامل حق التصرف بارضه بحرية. ومن اجل القضاء على اشد العبوديات بشاعة، ينبغي انشاء لجان فلاحية بغية استعاة الأراضي المنتزعة من الفلاحين لدن إلغاء القنانة. إن ما ينبغي لنا، ليس تحالفا مشاعيا، بل تحالف الفلاحين الفقراء من مختلف المشاعات المشاعية في عموم روسيا، وتحالف بروليتاريي الارياف مع بروليتاريي المدن. إن جميع انواع الجمعيات (التعاونيات) وعمليات شراء الارض بصورة مشاعية ستبقى ابدا ذا منفعة اكبر للفلاحين الأغنياء وستخدع الفلاح المتوسط.

ان الحكومة الروسية تدرك انه ينبغي منح الفلاحين التسهيلات، ولكنها تريد التنصل من ذلك بتوفير القشر دون اللباب. انها تريد أن تفعل كل شيء باللجوء إلى الموظفين. فينبغي على الفلاحين أن يتسلحوا باليقظة، لأن لجان الموظفين ستخدعهم كما خدعتهم لجان النبلاء.

ينبغي على الفلاحين أن يطالبوا بانتخاب لجان فلاحية حرة. فليس المقصود توقع تخفيفات من جانب الموظفين، انما ينبغي على الفلاحين أن يأخذوا مصيرهم بأيديهم. لنخط اولا خطوة واحدة، لنحرر انفسنا اولا من اسوأ العبوديات، شرط أن يدرك الفلاحون قوتهم، شرط أن يتفاهموا ويتحدوا بحرية. وما من احد، إذا كان ذا وجدان، يستطيع أن ينكر أن الأراضي المنتزعة فيما مضى تستغل غالبا لتحقيق اسوأ عبودية اقطاعية فاضحة. وما من احد، إذا كان ذا وجدان، يستطيع أن ينكر أن مطلبنا هو المطلب الاول واعدل المطالب: أن يختار الفلاحون بحرية لجانهم، دون مظفين، بغية إلغاء كل عبودية اقطاعية.

وفي اللجان الفلاحية الحرة (وكذلك في جمعية نواب روسيا الحرة)، سيباشر الاشتراكيون-الديموقرطيون فورا وبكل قواهم إلى توطيد تحالف خاص بين بروليتاريي الارياف وبروليتاريي المدن. وسيلح الاشتراكيون-الديموقراطيون على جميع التدابير الواجب اتخاذها في صالح بروليتاريي الارياف وسيساعدونهم، فورا بعد تحقيق الخطوة الاولى، في تحقيق الخطوة الثانية، بأسرع وقت وبمزيد من التكاتف، ثم في تحقيق الخطوة الثالثة وهكذا دواليك حتى النهاية، حتى انتصار البروليتاريا التام. ولكن هل من الممكن أن نقول منذ الآن، منذ الدفعة الاولى، أي مطلب سيوضع على بساط البحث غدا، من اجل تحقيق الخطوة الثانية ؟ كلا، لا يمكننا أن نقول ذلك، لأننا لا نعرف أي سلوك سيسلكه غدا الفلاحون الأغنياء وكثير من الناس المثقفين الذين يهتمون بشتى انواع التعاونيات وبقضية نقل الارض من الرأسمال إلى العمل.

قد لا ينجحون غدا في التفاهم مع الملاكين العقاريين فيريدون تسديد الضربة القاضية إلى حكمهم. هذا حسن جدا. فالاشتراكيون-الديموقراطيون لا يطلبون خيرا من ذلك، وسيوصون بروليتاريي الارياف والمدن بان يطالبوا بانتزاع كل اراضي الملاكين العقاريين وبتسليمها إلى دولة شعبية حرة. وسيحرص الاشتراكيون-الديموقراطيون كل الحرص على أن لا يستسلم بروليتاريو الارياف للخداع، على أن يرسخوا اكثر من ذي قبل في النضال النهائي من اجل تحرير البروليتاريا تحريرا تاما.

ولكن، قد تجري الامور على غير هذا النحو. بل من المحتمل اكثر أن تجري على غير هذا النحو. فقد يتحد غدا الفلاحون الأغنياء وكثيرون من الناس المثقفين مع الملاكين العقاريين، ما إن يصار إلى الحد من اسوأ العبوديات؛ حينذاك ستهب كل برجوازية الارياف ضد مجمل البروليتاريا الريفية . حينذاك سيكون من السخف النضال ضد الملاكين العقاريين وحدهم. حينذاك سيكون من السخف النضال ضد الملاكين العقاريين وحدهم. حينذاك سيترتب علينا أن نناضل ضد كل البرجوازية وان نطالب قبل كل شيء، ومن اجل هذا النضال باكبر قسط ممكن من الحرية والمدى، وشروط حياة افضل للعامل بغية تسهيل نضاله.

إن مهمتنا الاولى، مهمتنا الرئيسية المحتومة، هي، في مطلق الحالات، سواء أجرت الامور على هذا النحو أو ذاك، توطيد التحالف بين بروليتاريي وانصاف بروليتاريي الارياف وبين بروليتاريي المدن. ولهذا التحالف ينبغي لنا حالا، وفورا، الحرية السياسية التامة للشعب، والمساواة الحقوقية التامة للفلاح، والغاء العبودية الاقطاعية. وبعد تحقيق هذا التحالف وتوطيده، لن يكون من الصعب علينا فضح جميع الاكاذيب التى تلجأ اليها البرجوازية لاجتذاب الفلاح المتوسط إلى جانبها، وبسرعة وسهولة، سنحقق الخطوة الثانية والثالثة والاخيرة ضد البرجوازية بكليتها، ضد كل قوى الحكومة، وحينذاك سنسير نحو النصر دون أي انحراف، وسنتوصل بسرعة إلى تحرير الشعب العامل بأسره تحريرا تاما.