لَستُ معلماً لأحد ولن أكون!

شاكر الناصري
2015 / 9 / 6

أكتب وأتفاعل مع قضايا كثيرة تخص العراق، لكنني لم ولن، أطالب من يقرأ، للقبول أو الأخذ به أو حتى إعادة نشره!. لست منظراً ولا محترف كتابة، ولا أمتلك هدوء الكتاب أوالتفكير في صياغة جملهم ومفرداتهم، لانها تعني الكثير بالنسبة للقراء، في خاتمة المطاف، أنا إنسان عامل، بكلّ ما تعنيه هذه الكلمة من معنى، وما أكتبه ليس سوى آراء، قد تكون صالحة، بقدر ما تكون خاطئة تماماً!. ولا تعبر إلاّ عن روح وإحساس هذا العامل.

أنتمي للشيوعيّة، بقوة ووعي وأنحاز لقضاياها وأفقها الاجتماعيّ والطبقيّ وصراعاتها الفكرية والسياسية، وأسخر من الرهان على فشلها أو وجوب وضعها في متاحف التاريخ، مثلما أسخر من الذين مارسوا الجلد الذاتي لأنفسهم وتاريخهم ولم يجدوا ما يطهرهم أو يجعلهم يحصلون على وثيقة القبول في عالم اليوم سوى الإلتحاق بركب الليبرالية، قديمها وجديدها، وتمجيد حروبها وإرهابها والتغني بجنتها الموعودة.

لي سابقة إنتماء سياسيّ في الحزب الشيوعيّ العماليّ العراقي، أعتز وأفتخر بها، لأنها كانت نقطة تحول كبرى في حياتي وفكري وأعطتني القدرة على التعاطي مع قضايا السياسة، الدين، الطائفة، المذهب، العشيرة، السلطة، النظام، الدولة، القانون، العائلة والعلاقات الإنسانية، بما يجعلني أنحاز دائماً، للحرية والحقوق والوقوف ضدّ الظلم والإكراه وإنتهاك كرامة البشر. بالنسبة لي، لم يك الدين، المذهب، الطائفة، العشيرة، والقومية، سوى هويات قسرية ترسخ تقسيم البشر وتشدد من عدائهم ضدّ بعضهم البعض الآخر، وكذلك فإنّها أدوات، بيد السلطة أو القوى السياسية، تستخدم وبقوة مخيفة من أجل استغلال الإنسان وإخضاعه وتجريده من أبسط قدرات المقاومة أو الأمل بأن يعيش بكرامة.

لسنوات طويلة خضت تجربة الوقوف ضدّ سلطة البعث بكل دكتاتوريّتها وفاشيّتها، تجربة هائلة، حية ومخيفة لم يفارقها الموت أو الإعدام لحظة واحدة، لكنّها تبقى تجربتي الشخصية وقراري الذي اتخذته، وحدي، حين كان الموت يتمشى برفقة مفارز البعث وشرطته وأمنه وسجونه وتعليمه، حينها، لم يك السكوت من ذهب.

حين نكتب ونتفاعل، حد الإرهاق، مع ما يحدث في العراق، فهذا ليس تبطراً واستعراض عضلات في كتابة الوصايا والتعليمات السياسية، أو محاولة للحصول على امتياز وموطيء قدم وسط البشاعة التي تقيم وتستفحل هناك وتحول الحياة إلى جحيم لايطاق، مثلما حولت العراق إلى بلد من خراب وخرائب، يسكنها الموت والإذلال والذعر المتواصل وتحكمها سلطة طائفية وقومية، لاتهتم لشيء سوى مصالح وامتيازات قواها، حتّى لو وصل الأمر أن يكون العراق في أعلى مراتب الدول الفاسدة والفاشلة والمهددة بالإفلاس في العالم، وأن يعيش أكثر من ثلث سكان العراق تحت خط الفقر!. إنه الشعور بالحريق الذي لاينطفيْ، الحريق الذي أنجبنا، فكنا ضحاياه وجمره ورماده!

لست من أتباع الفساد واللّصوصيّة ونهب المال العام، وكل محاولات شراء الصمت فشلت. لكن ثمة مَن إستوطن وتربع وسط ذلك العفن المتزايد هناك، فكان عبارة عن جيفة ترمي الناس بقذارتها وفضيحتها، وتريد لهم أن يكونوا مثلها!. أنّ يمارسوا الصمت من أجل الحصول على حصة من الغنيمة الكبيرة.

من وسط الهناك، يتنطع من يريد أن يمارس، علينا، سطوة أسياده، ولايريد أن يغادر صنف كتبة التقاريرأوالقيام بدورالمخبر السريّ. تارة يحرض ضدنا لأنه يجد في ما نكتبه معاداة للدين والمذهب والمرجعيّة، وتارة أخرى بمعاداة التجربة العراقيّة الجديدة والوقوف ضدّ السيرك الفاشل الذي يسمونه" العملية السياسية"، ولم يتوقف عند هذا، بل واصل الإتهام بالوقوف ضدّ التظاهرات وإنني اسعى لحرف مسارها السلمي وتحريض الشباب على تصعيد احتجاجاتهم وتوسيع أماكن تجمعاتهم واستهداف مراكز السلطة في المدن التي يعيشون فيها.

شخصياً، أتمنى لو اني أمتلك هذه القدرة، لدفعت الجميع لمواجهة النظام الطائفيّ والسعي لإسقاطه، فنظام حكم الطوائف والقوميات، لن يكون سوى حكم الخوف الدائم والتشرد والإنقسام والكراهية والإرهاب والأزمات المتواصلة. وهو أبعد ما يكون عن القيم الإنسانية، الحرية والمساواة والعدالة، الكرامة والحقوق التي تداعب مخيلة ووجدان الملايين من العراقيّين، بل يجد فيها نقاط ضعفه وانهيار مشروعه، فيصعد من حربه ضدها تحت مسميات، الدين والمقدس والقيم الاجتماعية المتوارثة.

"الي رجليه بالثلج مو مثل الي رجليه بالنار"!، " ألي عايش بالشمس مو مثل ألي عايش بالفيّ"، جمل بائسة وشنيعة تكررت معي ومع العديد من الأصدقاء، ومؤداها، إننا نعيش في أوربا وأمريكا أو استراليا وغيرها دول العالم، ووسط غاباتها وتحت شمسها الخجولة التي سرعان ما تغيب خشية إحساسنا بالحر!، ولا يحق لنا الكلام عن العراق وعن آلام أهلنا وناسنا، لأننا لانعرف ما يحدث هناك، لانعرف بؤس السلطة وفسادها وإرهاب مليشياتها وزعاماتها، ولانعرف رعب المفخخات والأحزمة الناسفة، ولانعرف معنى أن يعيش الشباب في جحيم البطالة والعوز والتحسر على ما يعيشه أقرانهم الشباب في دول العالم الآخرى..!

هكذا وبكل بساطة تبين اننا لانعرف العراق!، وكأنه البلد الغريب ولم يك يوماً البلد الذي احترقنا فيه ومن أجله!