من أسرار الصحافة - حرية الكلمة بلا ثمن!

ملهم الملائكة
2015 / 8 / 31

بات لكل من عنده كلمة أن يعلنها على الملأ عبر صفحة فيسبوك، وأدى هذا في الغالب الى انفتاح مساحة لا محدودة لكل الهواة وكتاب الخواطر والمراهقين والمراهقات والراغبين في نشر ما عندهم حتى اذا كانت نكتة عامية قديمة سمجة.

هذا الإنجاز الرائع، رافقه انجاز صحفي أخطر. ففي ظل سهولة تأسيس الصحف الالكترونية وصعوبة تأمين تكاليف الصحافة الورقية التي تحتضر، بات الجميع يرغبون في استقطاب الكتاب . وفي ظل العرض الكبير لمنابر النشر وقنوات الاعلام ، بات عدد الكتاب والصحفيين العرب لا يغطي ربع المساحات المعروضة. وهكذا نشأت ظاهرة الكتابة المجانية.
صحف ومواقع الكترونية عربية كبرى باتت تفرد صفحات كثيرة لمقالات الرأي، وهي تفعل ذلك دون تحرير المقالات التي تردها، ودون تصحيح اخطاءها التي لا تعد، ودون ان تضطر الى تعديل خطابها الاعلامي لأنها تنشرها ببساطة تحت عنوان مقالات رأي، وتنشر في صدر الصفحة العبارة الخالدة " الآراء الواردة في المقالات المنشورة على هذه الصفحة تعبر عن وجهة نظر كتابها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الجريدة" . وبهذا يرضى الجميع ويتحقق المطلوب.
الكتاب الفضائيون هم القراء المنفقون!
المواقع الالكترونية بهذه الطريقة تحظى بزوار منتظمون هم كتابها الهواة الذين لم يصدقوا أن يجدوا منبرا ينشر لهم، فهرعوا يكتبون ويسودون الصفحات عن كل شيء. وزياراتهم اليومية المتكررة للمواقع توفر لها كليك يرفع من رصيدها على غوغل.
اما الصحف الورقية المحتضرة، فإن هذه الطريقة ، وطريقة نشر الخواطر الادبية والقصائد التائهة والمعلقات الضائعة والسرقات المنتظمة من دراسات الموسوعة الشعبية ويكيبيديا توفر لها أن تملأ صفحاتها دون أن تدفع فلسا واحدا للكتاب العباقرة الذين يجهلون الفرق بين المبتدأ والخبر ، ويجهلون أنّ حرف الجر يجر ! ويتخيلون أن الهمزة والتنوين والتنقيط والتهميش ، ديكور يمكن اضافته ويمكن حذفه متى كره الكاتب العتيد او رغب!
بهذه الطريقة فان الوف الكتاب الفضائيين يشترون نسخا كثيرة من الصحف الورقية كل يوم ليروا ما خطته ابداعاتهم وما جاد به الكي بورد . الصحف تباع، والصفحات تملأ مجانا وكل شيء يسير على خير ما يرام.
الخاسرون في عصر الجهل الالكتروني!
القراء المساكين ، بهذه الثقافة المجانية السهلة، سيزدادون جهلا وتجهيلا، ويحفظون عن ظهر قلوبهم طرق كتابة الهمزة بالمقلوب والتاء التائهة وتاء التأنيث المحتارة، والجموع الحائرة - حصائر، مقبرات ( جمع مقبرة)، دوران( جمع دار)، انوار ( جمع نار)، سجائد( جمع سجادة)، بناني ( جمع بناية) ، قنينات ( جمع قنينة) - والجموع العجيبة غير المسموعة لا تنتهي.
اما اخطاء الافكار والمقولات المنسوبة والترجمات الغوغلية التي لا تصدق فحدث ولا حرج. ويوجد الآن على النت اكثر من 500 الف كتاب مترجم من مختلف اللغات الى العربية، لا يمكن في الغالب ان تفهم من مضمونها ابعد من الصفحة 20 فيها، فترفع يدك مستسلما وتُعلن انك تركت الكتاب العبقري لصعوبة لغته وافكاره المدروسة! الحقيقة أنّ الصعوبة سببها اللغة المترجمة غوغليا والافكار المتشابكة طبقا لفهم الكاتب المسكين الذي يكتب عن أمريكا وهو لم يغادر قريته في السودان !
هتلر السفاح حين يتكلم عن الأخلاق والوطنية !
ومن أدلة ذلك، الحكم والمآثر والأقوال التي تنزل في بوستات على فيسبوك وتُنسب حسب هوى ناشريها ، وحتى حسب لغتهم الفقيرة الرثة الى الكاتب أو الزعيم أو الممرضة أو رجل الدين أو حتى الإمام الفلاني ( فهم جميعا أموات ولن يحتجوا على الكاتب الذي نسبَ اليهم ما يشتهي)، فهتلر قال " إن أحقر الناس هم من ساعدوني على احتلال بلدانهم" . وقد قرأت كتاب كفاحي- وهو الوحيد الذي كتبه هتلر- بثلاث لغات فلم أجد أثرا لهذه العبارة !
ونابليون قال إن الأم خير مدرسة للوطنية ! ولا أدري ما علاقة نابليون الفاتح المتغطرس بالأمهات ! وهكذا الامثال تُطلق وتدور، ويشتريها الناس المساكين معتبرين أنّها من المسلَمات التي لا جدال فيها.
كل هذا الاستسهال، له جانب خطير يمس مهنة الصحافة، وهنا اتطرق الى هم ذاتي بدأ يعاني منه الصحفيون خاصة، ففي ظل ملايين الكتّاب المجانيين الجهلة، والوف المحررين الأكثر جهلا، بات أصحاب المشاريع الصحفية يعتبرون كل مقالة رأي تُعرض على صفحاتهم ، جهدا لا يستحق الدفع، بل فضلا بذلوه للصحفي المحترف بان نشروا مادته على صفحاتهم غير مبالين بمستوى المقال وحجم الجهد المبذول في كتابته والفكرة التي يتناولها. و بهذا الوضع التهريجي، فإن الصحفي الذي يريد نشر فكرة مفيدة أو نقدا فعالا، لن يجد من يدفع له أجر جهده.
الكتابة بالنيابة و الأجر مدفوع من طرف ثالث
مع هذا الوضع الأسطوري المتداخل انتشر مبدأ التكليف من طرف ثالث. فبعض المواضيع التي لا يريد صاحب المشروع الاعلامي او مركز الباحث او الموقع الالكتروني نشرها على صفحته، يُكلف بها صحفيين معروفين ويطلب منهم نشر الموضوع مجانا ( أو بأجر) في مكان آخر ، ثم يدفع له أجر تكليفه بكتابة ذلك المقال.
وبنفس الطريقة شاعت طريقة الكتابة الخفية. فاغلب الصحف والمواقع المرموقة ذات القدرات المالية الكبيرة، توظف كادر تحرير محترف ، يُعدل مسار المقالات التي كتبها الساسة او الشخصيات المرموقة بما يجعلها مقالات مقروأة بلغة جميلة وبأسلوب رشيق، ويسمون ذلك "تحريرا يناسب الخطاب الاعلامي للصحيفة ". وهكذا فإن مدير استخبارات الدولة الفلانية السابق (الذي هو ليس أكثر من جلاد بحكم وظيفته) ، يكتب احلى المقالات في أرقى الصحف بشكل أسبوعي ( الفضل هنا لمحرر المقالات الذي يجعلها تعبيرا عن افكار الصحيفة). ويسمى هذا - بلغة الصحافة الغنية- استقطابا للكتّاب المهمين وتشغيلا مفيدا للكادر الصحفي المحترف، وتداولا منظما للجهد بما يناسب حجم الانفاق !
الحقيقة بضاعة كاسدة
كليات الاعلام باتت مصانع تنتج ارتال العاطلين عن العمل ، فالصحافة هي المهنة الوحيدة التي لا تحتاج الى كلية، حالها حال الأدب والفن!
ولن ننسى هنا، العبقرية الملهمة التي نزلت على بعض رؤساء الدول فجعلت منهم في غمضة عين كتابا يكتبون روايات هامة، وفي ذاكرة الناس عشرات الأمثلة من هذا القبيل.
في عصر النت ، تتسع هموم الكلمة وخفايا الصحافة وأسرار العمل، وفي هذا الوضع ، لن أجد من يدفع لي أجر هذا المقال لأنه مقال رأي، أو عليّ أن أجد طرفا ثالثا يتبناه. وهكذا فإن وظيفتي تُحتم عليّ أن أكتب وأنشر كل ما لا أريده وما لا أؤمن به مقابل أجر، وفي المقابل، أكتب وأنشر كل ما أحبه وأقول فيه الحقيقة مجانا بغير أجر.
إنه عصر الحقيقة المجانية التي لا سوق لها، لذا يبقى الصحفي كي بورد برسم الإيجار دائما.
خريف 2015