ماهي البورنوغرافا ؟ [ البورنوغرافيا و الصّحافة (ج2) ] / (9)

ضياء البوسالمي
2015 / 8 / 25

تمّ توقيع عريضة - كما أشرنا في المقال السّابق - من طرف أبرز المفكّرين في القرن العشرين مثل "جَاكْ دِيرِيدَا"، "جُونْ دَانِي"، جُونْ-بُول سَارتِرْ"، "ميشَالْ فُوكُو"... و قد تمّ إضافة إلى هذه العريضة كتابة العديد من المقالات التي نشرت في أشهر الصّحف الفرنسيّة مثل "لُومُونْدْ" و "لِيبِيرَاسْيُون". ففي جريدة "لِيبيرَاسْيُون" قام 63 مثقّفا و سياسيّا بمساندة "جِيرَارْ.ر" الذي يعيش مع فتاتين ( سنّهما من 6 إلى 12 سنة ! ) و هي بطريقة ما دفاع على الإعتداء الجنسيّ على الأطفال ! و في تلك الفترة، كانت الصّحافة تعتمد على الرّسوم مثل "Echos des savanes" المختصة في هذا المجال و في سنة 1978 في عدد من مجلّة "Actuel" نجد صورة لنهدين كبيرين و هما رمز في أفلام "هُووَارْدْ هُوغْسْ" أو "رُوسْ مَايِرْ" و هما مخرجان يختاران ممثّلات بنهود كبيرة. و حسب مجلّة "Actuel"، فإنّ الممثّلة "جَانْ رُوسِّلْ"هي من ستكون سبّاقة في نشر "موضة" النّهود الضّخمة في حين أنّ "صُوفْيَا لُورِينْ" ستصبح مقياسا للجمال في أوروبا. و بفضل الصّحافة "الغير رسميّة" و العامّة ( فمجلّة "Actuel" تهتمّ بكلّ المواضيع دون إستثناء من ثقافة، سياسة، علوم و جنس ) خرج الجنس تدريجيّا من الهامشيّة و أصبح محلّ إهتمام الأجيال الشّابة. و لكنّ الشّباب سرعان ما تحوّلوا للبحث عن نمط حياة أكثر حدّة و عنف، فقد كان الإقبال على المخدّرات بكثافة غريبة ( من 1970 إلى 1978 ) و قد وقع التّخلِّي عن الحبّ ليتطوّر هذا الأخير و يتحوّل إلى أشكال متعدّدة و عنيفة في ممارسة الجنس. و في فترة حكم "فَالِيرِي جِيسْكَارْ" مُورِسَتْ الرّقابة على البورنوغرافيا - سنة 1975 تحديدا - بسبب إنتشارها الواسع في المجتمع، و مع صعود و إنتخاب "فْرونْسوَا مِيتيرَان" سنة 1981 تجرّد المجتمع و تخلّص من مجموعة من "التّابوهات" خاصّة بعد الإعتراف بالمثليّة الجنسيّة في 4 أوت 1982. و تجدرالإشارة أنه في أواخر السّبعينات كانت البورنوغرافيا قد عادت إلى حالة الهامشيّة التي كانت تعاني منها في الماضي و أصبحنا نتحدّث عن "اٌلبُورْنُو شِيكْ" ( Porn chic ) وهو موضوع إِسْتُعْمِلَ في الإشهارات إبتداء من التّسعينات. و منذ نهاية السّبعينات، نقصت شعبيّة البورنوغرافيا و حتّى المجلاّت التي كانت تُنْشَرُ سِرّا تخلّت عن هذا الموضوع فالبورنو لم يعد مُسْتَفِزًّا كما كان في الماضي. و كما هو الحال دائما فإنّ هذا النّوع من الصّحافة ( free press ) هي أوّل من يهتمّ بالمواضيع المحرّمة و المثيرة للجدل و لكن ما إن تصبح مواضيع عاديّة إلاّ و تكون أوّل المتخلّين عنها.
كما بيّنا سابقا، فإنّ المجلاّت البورنوغرافيّة موجودة منذ زمن بعيد حتّى و إن ذكر "جُونْ-لُورُون بُولِي" في "قاموس البورنوغرافيا" أنّه : " منالعبث أن نحاول البحث عن سنة ميلاد الصّحافة البورنوغرافيّة فكلّ عصر إعتبر مجموعة من المجلاّت بورنوغرافيّة و هي مع تطوّر الزّمن لم تعد كذلك " ففي الماضي كان هذا النّوع من الصّحافة سريّا و ممنوعا و من الأجدر أن نتحدّث عن هذا الموضوع مع التّركيز على حقبة زمنيّة، فالنّقاش حول المجلاّت و الجرائد البورنوغرافيّة يحيلنا إلى الحديث حول أمر مهمّ و هونّ الجنس ( le sexe ) كان سريّا و إعتُبِرَ "تَابُو" لقرون طويلة. و لكي نعود إلى أولى المنشورات في هذا الموضوع يجب أن نرجع إلى القرن التّاسع عشر. ففي هذه الفترة في فرنسا، إِخْتُرِعَ وَ إِنْتَشَرَ نوع من الطّباعة و بالتّالي إنتشرت مجلاّت البورنوغرافيا، و قد كانت هذه المجلاّت تمثّل سعادة الجنود فتلك الصّور كانت هي الوسيلة الوحيدة لتلبية حاجيات الجنود في ما يتعلّق برغباتهم الجنسيّة. و حسب "قاموس البورنوغرافيا"، كانت الصّور على صفحات هذه المجلاّت تحتوي على نساء في وضعيات مغرية و منبين هذه المجلاّت نذكر "sans gêne" و " Paris plaisir" و "belle époque" و هناك المتخصّصة و المُوَجَّهَة للجنود مثل " la vie de garnison " و قد حقّقت هذه الصّفحات نجاحا باهرا إلى درجة أنّ النّساء الموجودات على الصّفحات أصبحن مقياس الجمال في كلّ العالم.و قد تمّ التّركيز على الجانب الفنّي في هذه الوضعيّات المغرية و ذلك بفضل "شَارْل دَانَا" أو " أَلْبيرْتُو فَارْغَاسْ" وهما فنّانان يمكن مقارنتهما بمصوّرين فوتوغرافيين في عصرنا الرّاهن مثل "لاَرِي كْلاَرك" أو "تِيرِي رِيتْشَارْدْسُونْ". و إستنادا إلى كثير من المراجع منذ الثّلاثينات كانت هناك مئات المجلاّت البورنوغرافيّة التي تُنْشَرُ سِرًّا و لكنّ الصّحافة البورنوغرافيّة لن تعرف أوجها إلاّ بداية سنة 1953 و هو تاريخ إنشاء المجلّة الأسطوريّة "بْلاَيْ بُوي" من طرف "هُوغْ هَافْنِر". و دَمَقْرَطَةُ هذا النّوع من المجلاّت هو إزدياد في عدد النّسخ و مزيد من الإنتشار، فمنذ صدور أوّل عدد نفذت 51000 نسخة في ظرف عدّة أيّام و لم تتوقّف المجلّة عن تحقيق الإنجازات التي بلغت 9 مليون نسخة كلّ شهر في السّبعينات. و مجلّة "بلاَيْ بُويْ" ليست مجلّة بورنوغرافيّة بالمعنى الدّقيق للكلمة و إنّما هي تهتمّ ب"الإيرُوتِيزْمْ"و من الضّروريّ وضعها في سياقها التّاريخي فهي في الماضي كانت تُعتبرمجلّة بورنوغرافيّة ! ففي البداية ظهرت "مَارْلِينْ مُونْرُو" شبه عارية على الصّفحة الأولى ولكن مع التّطوّر السّريع للتحرّر الجنسيّ سقط اللّباس و ظهرت النّهود و المؤخّرات و أصبحت تعرض صور لنساء عاريات و تحوّلت كلّ "مُودِيلْ" إلى نجمة مشهورة. فمع "لاَرِي فلاَيِنْت" و "هوسْتلر" أخذ الجنس بعدا جديدا. و في سنة 1975 نشر "فلاَينِْت" صورا ل "جَاكْلِينْ كِينيدِي" و هي عارية تماما و بفضل ذلك تمكّن من أن يصبح مليونيرا و صارت مجلّة "هُوسْتلَرْ" مشهورة. و إلى اليوم تحقّق شركته مداخيل بقيمة 150 مليون دولار في السّنة و هذا ما جعله ملكا من ملوك البورنوغرافيا في العالم. و عندما نذكر "فْلاَيِنْت" فمن اضّروريّ أن نشير إلى محاولة الإغتيال التي تعرّض لها سنة 1978 و التي تسبّبت له في شللٍ. و قبل ذلك سنة 1976 كان قد حُكم باسّجن لمدّة سبع سنوات وهو دليل على أنّه و حتّى في بلاد البورنو فإنّ المحافظين يمتلكون سلطة و نفوذا قويين و ذلك في كلّ الطّبقات الإجتماعيّة من المواطن البسيط إلى أصحاب القرار. و يمكن أن نشير أيضا إلى مجلّة "screw" الأسطوريّة لصاحبها "آلْ غُولدِيشْتَايِنْ" و التي عرفت نجاحا باهرا فقد وصلت إلى 550000 نسخة في الأسبوع. و قد إعْتُبِرَ "غُولْدِشْتَايِنْ" أكثر البورنوغرافيّين إستفزازا مع أنّه ليس معورفا لدى العامة مثل "فلاَينِت"، و هو لم يكتف بإظهار الأجساد العارية بل كان يضع في مجلّته - التي تُوزّع كلّ أسبوع من لوس أنجلوس إلى أمستردام - كلّ التّابوهات فعدد 26 سبتمبر 1977 خصصه للمهووسين بالأرجل ( le fétichisme ) و عدد 7 جوان من نفس السّنة خصّصه للنّساء الحوامل في البورنوغرافيا مع صور صادمة للكثيرين آنذاك. و قبل سنوات تجرّأ "غُولْدِشْتَايِنْ" على إختيار مواضيع حسّاسة كزنا المحارم و هو ما يؤدّي به إلى اسّجن و يجعله منبوذا من قبل الرّأي العامّ في عصرنا الرّاهن.
في فرنسا كان "دَانِيسْ فِيلِيباشِي" و "فْرَانْك تِينُو" السّباقين في إنشاءِ صحافة جريئة مُوَجَّهَة للرّأي العام و كان ذلك متجسّدا في مجلّة "Lui" وهيمجلة مثل "بْلاَيْ بُويْ" تهتمّ و تركّز على "الإيرُوتِيزْم". و في ذلك الوقت في أوروبا، كانت المجلاّت من نوع "screw" تأتي من أكثر من البلدان الإسكندنافيّة أو منألمانيا أو هولندا لأنّ في هذه البلدان القوانين التي تعاقب على "الفُحْشِ" أقلّ صرامة ممّا هي عليه في فرنسا. و بعد ماي 68 و كلّ ما صاحبها من تحرّر، ظهرت العديد من المجلاّت التي عالجت مواضيع كانت تصنّف على أنّها "تابوهات" و نذكر مثلا "swing" و "-union-" ... و بعد ذلك سنة 1989 تكوّنت " hot vidéo" بفضل " إِيرِيك فَانْسَانْ"، "فرَانْك فَارْدُوم" و "فَابرِيس كَاسْتِيل" و هي مجلّة بورنوغرافيّة. و "بِيَارْ وُودْمَان" هو أوّل صحفيّ و مصوّر في هذه المجلّة يروي بداياته : " لم أكن سوى مصوّر فوتوغرافيّ في عالم الموضة، ولم أكن أتخيّل نفسي يوما في عالم البورنو. مع هذه المجلّة إكتشفت كواليس هذا العالم و سافرت إلى كلّ بلدان العالم و الأهمّ أنّني قابلت العديد من الأشخاص الذين أصبحوا أصدقائي على خلاف ممثّلي السّينما و مشاهير الموضة و الذين يصعب أن ربط علاقات صداقة معهم. في عالم الموضة يمكن للفتاة أن تبدأ مهنة عارضة أزياء منذ سنّ مبكّرة ( 12 سنة ) و قد شاهدت أشياء مقرفة فالبعض يقدّم لهنّ الكحول و المخدّرات ليعتدي عليهنّ فيما بعد، إنّه أمر لا يُطاقُ! " ههنا تظهر المفارقة، البورنو يُظْهِرُ ما يَختفي في بواطن النّفس أي ذلك الجانب المظلم و المرفوض.
كالعادة يكون الجنس دائما مصدرا للثّروة لأنّه يهمّ الجميع فعلى مدى عشر سنوات كانت مجلّة "hot vidéo" منتشرة عالميّا ( أكثر من 120000 نسخة ) و في فرنسا يوجد أكثر من 200 مجلّة من هذا النّوع و كأنّ الأفراد لا يهتمّون إلاّ بالجنس. هذه المجلاّت عادة ما تكون مغلّفة بورق بلاستيكيّ شفّاف لماذا ؟ هل يكون ذلك إشارة للقارئ و تحذيرا له من إمكانيّة إصابته بالعدوى من هذه المواضيع التي يطرحها هذا النّوع من المجلاّت ؟
هذا موضوع يبقى قابلا للنّقاش و مفتوحا على جميع الإحتمالات ...