ماهي البورنوغرافيا ؟ [ البورنوغرافيا و الصّحافة (ج3) ] / (10)

ضياء البوسالمي
2015 / 8 / 25

كانت جريدة "لِيبِيرَاسْيُون" الفرنسيّة الجريدة المشهورة الوحيدة التي تتعرّض إلى موضوع البورنوغرافيا. و منذ بداية السّبعينات و العصر الذّهبيّ للبورنوغرافيا كان الصّحفيّ "آلاَنْ بَاكَادِي" يحلّل بطريقة دقيقة ما يشاهده في قاعات عرض الأفلام على الصّفحات الثّقافيّة للجريدة. و لكنّ "لِيبِيرَاسْيُون" هي الإستثناء الذي يؤكّد القاعدة فلولا جرأة "بَاكَادِي" لظلّت الجريدة في صفّ البقيّة تطرح مواضيع عاديّة و مُسْتَهْلَكَة. و لكي تهتمّ الصّحافة بالبورنوغرافيا بدون أن تتعرّض للإتّهام - كما فعل ذلك الصّحفيّ "فْرُونْسوَا شَالِي" في رسالته التي وجّهها إلى البورنوغرافيّين - فإنّ ذلك سيتطلّب الكثير من الوقت. فإنطلاقا من اللّحظة التي وقعت فيها شيطنة البورنوغرافيا أصبحت هذه الأخيرة أمرا عاديّا و لم تعد مستفِّزَة وأصبحنا نتحدّث عن "البورنو شيك" و و مضوع طرح في الإشهارات و هو ما ساهم في تغيير وجهة نظر الصّحافة تجاه هذا الموضوع فماهو "راقٍ" لا يمكن أن يكون عنيفا و ما ليس عنيفا يمكن عرضه ليشاهده العامّة. و إنطلاقا من التّسعينات، دخلت البورنوغرافيا إلى الصّحافة الموجَّهَةِ للجميع و من هنا أصبحت تُعتبَرُ كموضوع نقاش يهمّ كلّ أفراد المجتمع. و في عددها الصّادر في 7 أكتوبر 1999 كانت مجلّة "رحلات عبر التّاريخ" قد خصّصت صفحتها الأولى ل "الحبّ و الجنس"و في بقيّة الصّفحات نجد مجموعة من المقالات حول "مَارْكِي دِي سَادْ" أو "العصر الذّهبيّ للزّنا" و كلّ ذلك مصحوب بصور فاحشة و لكنّ ذلك لم يكن عائقا بما أنّ الجنس لم يعد يمثّل مشكلا بما أنّ عرضه في هذه الصّفحات كان منزاوية تاريخيّة تعكس إحتراما للقارئ.
"دليل أفضل عشرة أفلام إيروتيكيّة"، "الأفلام البورنوغرافيّة يمكن أن تغذّي حياتك الجنسيّة" ... كلّها عناوين لم تُأخَذ من موقع بورنو ي إنّما من مجلّة "Fa femme aujourd hui" و هي مجلّة كنديّة مموّلة من كبر مجموعة إعلاميّة في البلاد "TVA publication". و ممّا لا شكّ فيه أنّ الصّحافة النّسويّة لم تعد سطحيّة و عاطفيّة كما كانت في السّابق ( و هي التّهم التي توجّه لها دائما ) بل حوّلت إهتماماتها منذ سنوات إلى الجنس. في نسخة صادرة في أكتوبر 2001 و عنوانها "المؤخّرة عارية !" خصّصت المجلّة الفرنسيّة السّاخرة "le canard enchaîné" للجنس أكثر من 80 صفحة من المقالات مع صور و النّتيجة كانت باهرة بما نّ صحافيّي المجلّة لم لم يسقطوا في الفحش و ذلك بفضل براعتهم في التّلاعب بالكلمات. و المقال المأخوذ مننفس العدد بعنوان chaudes devant"، يؤكّد صحّة ما أشرنا إليه عن هذا النّوع من المجلاّت كما يفسّر ذلك "سِيمُون لِيبِيرَاتِي" الفيلسوف و رئيس التّحرير السّابق في "كُوسْمُو" : " إضافة موضوع الجنس جعل المبيعات ترتفع بنسبة 30% " و مع أنّ الجنس ليس موضوعا جديدا إلاّ أنّ مجرّد طرحه يجلب أموالا طائلة. و مجلّة "Marie Claire" المشهورة بدفاعها عن حقوق المرأة سابقا تهتمّ اليوم ب "الجنس للمتعة" و قد تراجعت نسبة المبيعات لأنّها لم تعد تمثّل نسبة كبيرة من القرّاء السّابقين. و يكفي أن نطّلع على بريد القرّاء لنفهم أنّنا لم نبتعد عن المواضيع التي كانت تُطرح في عصر "Skyrock" أين تكون مهمّة المنشّطين إسداء النّصائح للشّباب الذين بصدد إكتشاف الجنسو هو ما تقوم به "برِيجِيتْ لاَهِي" على موجات إذاعة مُونتِي كَارْلُو مع العلم أنّها تتوجّه إلى جمهور أعرض. و للأسف فإنّ الجنس و البورنوغرافيا هي مواضيع لا يتعامل معها معظم الصّحفيّين بجديّة و هذا ما يسبّب صعوبة في التّعامل مع الموضوع. " كيف نكتب مقالا عن الجنس يكون راقيا و جالبا للإنتباه في نفس الوقت ؟ "
اليوم و مع أناقة متصنّعة و سطحيّة تتعامل كلّ المجالات مع موضوع الجنس بطريقة و بأخرى. ففي عدد من أعداد "Télérama" كُتِبَ على الصّفحة الأولى "sexe" كما لو أنّ الأمر يعدّ إكتشافا أو فكرة جديدة. و المعروف أيضا أنّ الصّحفيّين في أغلب الأحيان لا يطرحون الموضوع مباشرة بل يرتكزون على العلم كوسيلة لتحليل الجنس. " إذا كان العالم قد أكّد شيئا فإنّه بالضّرورة أمر صحيح" هذا ا ينتهي له مجموعة من الصّحفيّين الذين لا يتمتّعون بالثّقافة و التكوين اللاّزمين للتّعويل على آرائهم و تحاليلهم الخاصّة. و قد إتّبعت "l express" هذا المنهج في العدد 2726 الصّادر في أكتوبر 2003 فقد إختارت أن تطرح موضوع الجنس حسب رأي "مَارْسِيل رُوفُو" وهو طبيب و أخصّائي نفسانيّ مشهور. من جهة أخرى، كانت صفحة مجلّة "VSD" قد مُنعت منذ عدّة سنوات بسبب إمكانية خدشها للحياء و قد إعتبرت صادمة للرّأي العام و الأطفال. ففي الصّورة المعنيّة بالأمر، رجلان عاريان مع عنوان " أن تكون مثليّا في فرنسا " و قد فسّر رئيس التّحرير آنذاك " كْرِيسْتُوف مَاغِيرُو" : " إقترحوا علينا أن نغطّي مؤخّتي الرّجلين على الصّورة و هذا ما رفضناه ". و قبل عشر سنوات في نوفمبر 1995 عرضت صورة لفتاة عارية الصّدر و في نفس هذا العدد كُتِبَ " لا روح و لا جمال في البورنو" و مع ذلك فإنّ الصّحفيّين لم يجدوا أيّ إشكال في كتابة مقال - في نفس العدد - بعنوان " النّهود الإصطناعيّة تُجَرَّبُ من قبل الأطفال" !
كلّ سنة تقوم مجلّة "les inrockuptibles" بتخصيص الصّفحة الأولى للبورنوغرافيا أو الجنس. في عدد 504، 505 و 506 الصّادر صيف 2005 قامت المجلّة بشطب كلمة "sexe" المكتوبة بخطّ عريض مع صورة مصاحبة يظهر فيها شابّ مع فتاتين بأجسام مصقولة مستعدّين لممارسة الجنس. إذا فالجنس مع فتاتين مسموح به و المثلية الجنسية تخضع للرّقابة و تُحذف !
إنّ الثّقافة أيضا هي تعلّة للخوض في موضوع الجنس. في "عالم الكتب" الذي ظهر في نوفمبر 2005 وقع الإقتباس من قاموس البورنوغرافيا لمساندة قضيّة "بَاتْرِيكْ كَاشِيشْيَانْ" من خلال "تفكير حول البورنوغرافيا".
" البورنوغرافيا تمثّل وجهة نظر و ليست مجرّد شيء بسيط " على حدّ تعبير " ستِيفِينْ مَارْكُوسْ" و تأكيد هذا الأمر بدأ يظهر في الصّحافة.