إن لم تستحِ ، افعل ماشئت

فلورنس غزلان
2015 / 8 / 22

نشن حملات حانقة ونتهم ونكيل مافي جعبتنا من لعنات ...لأن وجعنا فاض عن حدود القدرة الإنسانية على الاحتمال، ولأن موتنا أصبح أمراً عادياً....بل ضرورة لابد منها لتسير عجلة الخطط وترتيب المنطقة حسبما تشتهي الأذرع الأقوى ،وحسبما تهفو النفوس الطامحة التي تغزل هنا وتمزق هناك، لتوسيع رقعة نفوذها ، وتبرمج عالمها وقدرتها ولو على حساب شعوب اضطُهدت عقوداً وحلمت بحقها في الحرية والكرامة، لأن الضعيف في هذا العالم لايصلح إلا للبلع والأكل حاله حال الخروف والأرنب.
وإن عتبنا ولُمنا وطالبنا دولاً وضعت قوانيناً لحقوق الإنسان، ورسمت حلماً للجائع والظمآن، لكنا في معمعة لومنا ننسى أو نتناسى عن غباء أو قصد أعمى ، فوعينا التربوي يظل على الدوام منساقاً وراء التعصب المناطقي أو القومي وشوفينيته التي تجعلنا نرمي بكل ثقلنا، ونسقط كل كبواتنا وخساراتنا على الآخر ...ذاك الذي وضع لوائح الشرعة الإنسانية ويتغافلنا..دون أن نلتفت لمن سميناه" شقيقاً بالدم العربي أو بالأخوة الدينية"...فمازال وعينا مُتَمسمر عند " أمة عربية أو أمة إسلامية" لانخرج من عباءتهما ، رغم أنا خضعنا عقوداً لويلات من حكمونا بالحديد والنار تحت اسميهما، وانتفضنا كي نرفع عن كاهلنا هذا الكم المتراكم من الحيف والقهر، وما أثارحفيظتي في هذا السياق وزاد من قهري وحنقي ، هو هذه الصفاقة الإعلامية الكبيرة ، التي تتحلى بها صحف وتلفزيونات عربية...دون أن يرف لها جفن أو أن يخدش فيها شيء من الحياء..تُعَنوِن مقالاتها وتصيغ تهمها لفرنسا وبريطانيا ولمقدونيا واليونان والنمسا ...وغيرها من دول أوربا ، التي تستقبل يومياً آلافا من اللاجئين الهاربين في قوارب الموت...فعلى سبيل المثال لا الحصر... يقول أحد التلفزيونات البترولية:ــ" قصص لاجئين غير شرعيين قذفهم البحر إلى المجهول" ، ثم يتحدث عن معسكر كاليه القائم في شمال فرنسا ومايطلق عليه بمعسكر الغابة فيقول:" تتكدس أعداد اللاجئين لتضع قوانين أوربا الإنسانية على محك صعب"!!!,
ويح صفاقتكم ما أوسع حلوقكم وما أكبر تبجحكم...قوانين أوربا على المحك! ...وأين ذهبت رابطة الأخوة العربية وقوميتها؟ أين ذهب الرابط الإسلامي على أبسط وأبعد تقدير؟
ما أرهف مشاعركم ، التي تخدشها مناظر اللاجئين غير الشرعيين ، وقاذوراتهم المكدسة وإهمال حكومة فرنسا وبريطانيا لهم ، ونقص الخدمات وتباطؤ الإغاثة الدولية ؟"...ماذا قدمتم أنتم يا أبناء البترول؟
كم لاجيء وكم خيمة احتمت بدياركم؟ كم ألف من الهاربين إلى البحر ...خجلتم من موتهم غرقاً فأرسلتم قواربكم لتنتشلهم وتأخذهم إلى دياركم البترولية؟..كونوا على الأقل أسوة بأصغر دولة أوربية" السويد " واقتسموا مع أوربا حصتكم من هؤلاء الهاربين من الموت...فالسوريون الهاربين معظمهم من ذوي الكفاءات العالية، ومن الشباب القادر على الإنتاج والإبداع ، بل والتفوق....إن خشيتم وجودهم ..اختاروا..فسوقهم زاخرة بكل الألوان والأنواع...اختاروا ...أم أن اختياراتكم لاتتعلق إلا بالباكستاني
والهندي...والبنغالي...وهؤلاء ليس بينهم " داعشي"؟!!...ونسيتم أن القاعدة وداعش فرخت وانطلقت من بيوتكم ومساجدكم ، وتتلمذت على أيدي شيوخكم وعلماءكم؟!!
في هذا السياق البسيط أستثني بالطبع دول الجوار العربية الأفقر والخالية من البترول "لبنان والأردن" ، اللتان تتحملان العبء الأكبر من المخيمات، وتجود عليهما دول البترول بفتات المساعدات...كي لاتقول أنها تتخلى..! فهل يكفي هذا؟ كونوا كتركيا ــ على أقل تقدير...أم أن تركيا شقيقة أكثر منكم؟..بفمي الكثير من الماء.
ولا داعي لأن أزيد وأتحدث عما أتت عليه صحفكم...فكلها تابعة وكلها تنطق وتُسَّبح باسم البرميل البترولي بينما يموت السوري بالبرميل الأسدي والسكين الداعشي...كي ينعم أمراءكم وملوككم بسلطة وسطوة وحظوة ...على حساب الدم السوري ...ويبدو أن من يستحي مات ...ومن بقي في دمه حياة يلوذ ويخفي رأسه كالنعام....ناموا يا أمة لاتخجل، ...إني براء من عروبتكم ومن إسلامكم ولا يشرفني يوماً أن تسمى سوريا بالجمهورية العربية أو الإسلامية...ولا يمكن لحصيف أو وطني بعد هذا المخاض العسير، وهذه التجارب التي عَرَّتكم وعَرَّت كل السُنن والقوانين البشرية، أن يقبل لسوريا إلا اسم "الجمهورية الديمقراطية العلمانية السورية".
ــ باريس 21/8/2015