الغباء الاجتماعي

ميلاد سليمان
2015 / 8 / 20

الغباء الاجتماعي

اليوم، في أحد الحدائق العامة، الموجودة بجوار مكتبي، شاهدت أول محضر آداب في حياتي، بدأ الموضوع بصوت ضجيج عالي يعقبه إزدحام الناس وحركتهم في الطريق المؤدي لمبنى الإدارة، وهم يلتفون حول شاب وفتاة يداهما مقيدة معًا في الكلابشات!!، وباعتباري مواطن مصري وداء الفضول موجود عندي، اقتربت من الحشد لمشاهدة الحدث، كان الشاب يرتدي تي شيرت اسود، وعامل شعره حاجات غريبة وخطوط ومربعات ولابس 3 سلاسل في رقبته وراسم تاتوو على قفاه، طبعًا حريته ولا اعتراض ولكنها مجرد ملحوظة وجب الالتفات لها، والبنت شكلها زوغيره كيوط خالص وملامح البراءة ظاهرة عليها وفي اذنها 4 حلقان فوق بعض، ودموعها تنساب بغذارة وتمشي بتثاقل ربما من الخوف واحتشاد الناس حولهم، حينما اقتربنا من مبنى الإدارة، صرخ أمين الشرطة بصوت غليظ "مشي يا بني الناس دي.. كل واحد يروح لحاله يا جماعه يلااااه... اللي مالوش لازمة يتفضل"، فقام أفراد الأمن بتفريق الناس وازاحتهم من الطريق أمام المكتب وحوله، وبقى البعض يراقب من قريب، وأنا منهم، نظرًا لمعرفتي ببعض أفراد الأمن المتواجدين في المكان، ومن خارج الغرفة الزجاجية، رأيت الشاب والفتاة يتكلمون بشكل هستيري في نفس الوقت مع أمين الشرطة وهو يصرخ فيهم ويشوّح بيديه في الهواء ويقوم بإجراء بعض الاتصالات من هاتفه، ولكن لم اسمع طبعًا ما يدور، جال في خاطري سؤال "كل دا عشان بوسة بريئة بين اثنين في لحظة حب... دا مجتمع بشع ابن ويسخه!؟"، ولكن سرعان ما اتضحت الصورة كاملة لي، وايقنت كذب تخميناتي، حينما سألت أحد افراد الأمن الذين قاموا بالامساك بهم "حصل ايه يا صاحبي!؟"، فقال بعصبية "الواد العرص دا كان مطلع زوبره ومخلي البت تمصهوله وهو نايم وسط الشجر... شفناهم على الكاميرات وروحنا مسكناهم... واما بنواجهه باللي حصل مش عاجبه وبيبجح بالكلام فينا.. بس وعهد الله ما هنسيبه"، صدمت من وقاحة المشهد، خاصة امتلاك الجرأة لفعل ذلك في مكان عام، مكشوف مهما حاول الاختفاء فيه!!؟.

بعد قليل خرج أمين الشرطة من المكتب ليشرب سيجارة، واشار لأحد أفراد الأمن "اتصل لي يا بني بأهل العيال دي... خلينا نشوف اخرتها ايه.... خللي امهاتهم تيجي تتفرج على الرباية"، فقام الشخص بالدخول واخرج موبيله ولكن كلاهما رفض اعطاءه اي ارقام للاتصال بها، كل ذلك وانا اراقب المشهد من خارج الغرفة والفتاة لم تتوقف دموعها وهي تنظر في الأرض، اقتربت من امين الشرطة، والذي يعرفني شخصيًا، وسألته "هتعملوا فيهم ايه يا عم (.....) !!؟"، فقال "بووص... احنا هنمشيها قانوني لا اكثر ولا اقل.... البيه عنده 21 سنه.... والهانم عندها 15 سنة ولسه مطلعتشي بطاقة اصلا... دي قضية احداث وتغرير بقاصر وفعل فاضح في مكان عام ومخالفة الآداب العامة... وفوق كل دا ابن الويسخه مد ايده على واحد من افراد الأمن وهم بيقبضوا عليهم... ودي عمري ما اسامح فيها... ان حد يعلِّم على حد من رجالتي"، أمام كل هذه الصدمة لم أجد أي مبرر او اعتذار أو اي كلمة يمكن بها تليين قلب الأمين أو محاولة التماس أي عذر لهم!!!.

وبعد أن انهيت عملي، التقيت بأحد أفراد الأمن في المكان، وسألته عن الشاب والفتاة، فعرفت منه أن أمين الشرطة، تركهم يرحلوا بعد أن احتجزهم اكثر من ساعتين في مكتب الأمن وقام بتوبيخهم وجعلهم يشاهدوا الشريط الذي تم تسجيله لهم وهددهم بنشره على شبكة الإنترنيت في أي وقت لو تكرر منهم أي انتهاك في أي مكان، ورفض إكمال المحضر خوفًا على مستقبل الفتاة وفضيحتها أمام أهلها!!، وقام بإخراجهم للشارع، خوفًا من بطش أفراد الأمن بهم، المنتظرين خارج المكتب، ليأخذوا بحق صاحبهم الذي تم الاعتداء عليه، وبخصوص ذلك، قام أمين الشرطة بصفع الشاب على وجهه بكلتا يديه في نفس الوقت، مقابل ضربه لفرد الأمن حتى يمتص غضب باقي أفراد الأمن الذي اعتبروا ضرب واحد منهم إهانة لفريقهم ككل وكانوا يريدون القصاص بأنفسهم!!.

ولكن ماذا لو لم يترك الأمين الشاب والفتاة وجعل الموضوع يسير قانونيًا!!، ظل هذا هو السؤال العالق بذهني حتى الآن، ماذا لو كان سيادته أكمل مكالمته وطلب احضار "بوكس" من قسم الشرطة ليقوم بترحيلهم وعرضهم على النيابة في الصباح، بصحبة شريط تسجيل الكاميرات الذي يثبت الواقعة وشهادة أفراد الأمن على الحالة وليدخلوا في دوامات ومتاهات القوانين المصرية والقضاء!!؟، هنا سندخل في مأزق روح القانون وعدل القانون، تلك الإشكالية التي افنى فيها فقهاء التشريعات مجلدات وقرون كثيرة...