هدنة غزة بالاطار الاقليمي

محسن ابو رمضان
2015 / 8 / 19


ليس غريباً أن يعلن شمعون بيرس الذي ساهم في بلورة الرؤية الصهيونية وترجماتها منذ اكثر من نصف قرن ان احد الانجازات الرئيسية للصهيونية تتجسد بتحقيق الانقسام بين الفلسطينيين وخاصة بين قطاع غزة والضفة الغربية وقد وضع ذلك في نفس الدرجة من الاهمية مع تأسيس دولة اسرائيل عام 48 وحرب عام 67 .
لذلك فإن الانقسام يصب بالمصلحة الاستراتيجية الصهيونية ، وقد عملت العقلية الصهيونية منذ مدة على قاعدة تضمن تحقيق " الدولة " أو الكيان الفلسطيني في قطاع غزة فقط دون الضفة الغربية التي عبأتها اسرائيل بالمستوطنات على طريق تعزيز نظام الابارتهايد العنصري بها .
لقد اكد مؤتمر هريتسليا الذي عقد عام 89 ، والذي ضم نخبة الحركة الصهيونية من سياسيين وقانونين ومفكرين أن مستقبل الدولة الفلسطينية هو قطاع غزة فقط ، حيث تنبأ المؤتمرين بعد تنفيذ خطة الانفصال احادي الجانب والذي استجاب لها شارون ونفذها عام 2005، بأن صراع سينشأ بين التيارين العلماني والاسلامي وسيؤدي ذلك إلى تقويض ممكنات وجود قيادة وطنية موحدة للشعب الفلسطيني بما سيعزز من الشرذمة ويكرس الانقسام التام بين القطاع والضفة .
وإذا ربطنا ذلك بمخططات العديد من السياسيين الاسرائيلين الذي كانوا قد أكدوا على امكانية إقامة الدولة في قطاع غزة مع تغيرات اقليمية تؤدي إلى توسيع القطاع جغرافياً من اجل حل المشكلة الديمغرافية والكثافة السكانية الكبيرة التي يتميز بها قطاع غزة ، فإننا نجد ان الهدف الاسرائيلي يتجسد بمنع قيام دولة مستقلة على اراضي عام 67 بما يشمل الضفة الغربية والقدس ، امعاناً في تقويض وحدة الارض والشعب والهوية وضرباً للمشروع الوطني الفلسطيني الموحد .
إن مفاوضات الهدنة غير المباشرة التي تتم بين حماس واسرائيل عبر ممثل الرباعية السابق توني بلير ، بالوقت الذي تأخذ الشكل والطابع الانساني ، الرامي إلى انهاء الحصار وتحسين حياة المواطنين عبر انشاء ممر مائي يساعد على حرية الحركة للبضائع والافراد ، بما يوفر مناخات جديدة تؤدي إلى معالجة العديد من المشكلات الرئيسية بالقطاع مثل الفقر والبطالة وغيرها وكذلك القضايا اللوجستية الاسراتيجية الهامة مثل الكهرباء والمياه وتوفير البنية التحتية لعمليات التنمية والانتاج .
فإنها في نفس الوقت لها مضمون سياسي يرتبط بالعقلية الاحتلالية الاسرائيلية الرامية إلى فصل القطاع عن الضفة والاستفراد بالأخيرة ، وبيع ذلك امام الراي العام على أنه انجاز يثبت ان حكومة نيتنياهو ترغب بالسلام وهي ليست حكومة تطرف .
لقد استغلت اسرائيل بصورة واضحة حالة الانقسام وغياب مركز قيادي فلسطيني موحد، حيث عكس ذلك أهمية المطلب الشعبي الفلسطيني للرئيس ابو مازن بضرورة عقد اجتماعات منتظمة للاطار القيادي المؤقت ل م.ت.ف بمشاركة حماس والجهاد ، لان هذا الغياب ادى إلى وجود مركزين قياديين مختلفين واحد في قطاع غزة بقيادة حركة حماس والثاني بالضفة الغربية بقيادة حركة فتح والرئيس عباس .
وقد استغلت اسرائيل ايضاً حالة الفوضى العربية والصراعات المذهبية والطائفية " الشرق الاوسط الجديد " الذي من خلاله تنهار دول وتتشكل دول اخرى في اطار تكوين خارطة جديدة بالوطن العربي ، الأمر الذي شجعها للاستمرار في مفاوضات الهدنة تحت بند التسهيلات وانهاء الحصار وإقامة الممر المائي والذي سيكرس مع الوقت كيانية مستقلة بالقطاع منفصلة تماماً عن الضفة الغربية ، حيث ستصبح الأنشطة الاقتصادية وعمليات التبادل التجاري وربما المالي والمصرفي والتنقل والسفر ما بين قطاع غزة مع جميع بلدان العالم وليس ما بين القطاع والضفة بما سيؤثر على وحدة الثقافة والهوية والمصير المشترك حيث سيصبح من الاسهل على الطلبة مثلاً الالتحاق بجامعات العالم بدلاً من جامعات الضفة الغربية كما كان يحدث بالسابق أي قبل توقيع اتفاق أوسلو.
إن المناخ الاقليمي مهيأ جداً بالنسبة لاسرائيل لتنفيذ مخطط مؤتمر هرتسيليا الذي عقد عام 89 بما يمكنها من التخلص من قطاع غزة الذي يتكون من 40% من السكان بمساحة لا تتجاوز 3.5 % من الاراضي المحتلة عام 67.
إن ذلك سيمكنها من الاستفراد بالضفة والتفرغ لها على طريق تعزيز المعازل والكنتونات بها وتجزئتها ومحاولة خلق قيادات محلية لإدارة شؤون السكان فقط، بما يقوض من الحق في تقرير المصير والسيادة الوطنية .
وبالوقت الذي يجب ان يدرك الجميع خطورة ما يتم وفي المقدمة الرئيس عباس ، نجد ان ردود أفعاله لا ترتقي إلى مستوى التحديات وقد برز ذلك باتخاذه خطوات لا تساعد على إعادة بناء الاطار الوطني الجامع لشعبنا ، حيث أن خطوة عقد دورة المجلس الوطني وفق الشخوص القديمة ودون تجديد ودون اشراك حقيقي لممثلي حركتي حماس والجهاد لا يساعد على الوحدة بل يعمق الانقسام ويعزز من سياسة الاقصاء والعزل ، بما يعطي المبررات لحركة حماس بمحاولة معالجة الأزمة الانسانية بقطاع غزة عبر طرقها وآلياتها الراهنة والمجسدة بمبادرة التهدئة مقابل رفع الحصار عن القطاع .
لقد آن الاوان للقوى الحية " إذا كانت متوفرة " أن تستنهض ذاتها باتجاه إعادة تأصيل واحياء خطاب الوحدة وانهاء الانقسام عبر العديد من الآليات الديمقراطية السلمية ، ولعل نقطة البدء يجب ان تتجسد بالدعوة الفورية لعقد الاطار القيادي المؤقت ل م. ت . ف .