في السياسة:

فلورنس غزلان
2015 / 8 / 13

خُلدٌ بلا أشواك ...لايحفر ليختفي ..وإنما يدخل ذاته ليراها...
وجهتي عالم أكثر نقاء!، ألَّه وجود على سطح الأرض؟ ...ومن أكون حتى أحلم بالنقاء؟...هل اغتسلت من ذنوبي الشخصية وغير الشخصية؟، هل تجاوزت كل الهفوات والأخطاء الإنسانية والمسلكية؟!.
لست بالعذراء التي يتحدثون عنها ، ولستُ بنبية لم تولد بعد ...تهفو لأن تتقمصها، وما أنا إلا امرأة من عالم يحفل بالموبقات والحروب والموت....بعالم يسحق الصغير والضعيف والشجاع ، الذي يمس مصالح الكبار...الكبار الذين لايعرفون من الكون إلا ملاحم الكسب والربح ، ولا يضعون بيضهم في سلة لاتدر عليهم ذهباً...وما من كسبٍ مشروع في هذا العالم، فالمشروع عندهم ....ظالم عندي وعند من يشبهني، فأي نقاء ...أو على الأقل ...أي شفافيةٍ يمكن الوصول إليها لدى فرد يحاسب نفسه قبل أن يحاسبه الآخر....يرسم لنفسه حدوداً ...لايتعداها كي لاتطأ قدمه حقول الآخرين وممتلكاتهم المادية والمعنوية....شفافية أريدها أن تحيط بي ....أن أعبرها ...أرى الآخر ويراني من خلالها....أَحُلُمٌ ما أتخيله أو أرسمه لنفسي؟....أم أن طاحونة الموت والدمار ، التي سحقت وطناً عشقته وتمسكت بالحياة كي أكحل عيني في آخر أيامي بأنفاس حواريه وشذا حدائقه ...وخصوصية الياسمين فيه...هو ماجعل مني امرأة تهرب من كونٍ خذلها في إنسانيته وقوانينه، وتَحَكُم السياسة في أدق تفاصيل الحياة فيه...ثم قياسها وتقويمها بموازين يدير خيوطها العنكبوتية، ويحرك أطرافها المرئية وغير المرئية بقدرة أكروباتية تستطيع أن تمنح الحياة لمن تشاء، كما تستطيع أن تمنعها عمن تشاء...!..فأين أنا وأنت من هذا كله؟! ...نحن مجرد أسماء...ربما مكتوبة في صحائفهم وجداولهم المرقمة ...حسب الأفضلية والمولاة....أو ممحية لايُعترف بوجودها ...أو مُغفلة ...سقط ميلادها وتصنيفها عمداً ...وفي أحسن الحالات أُجِلَ البت في مشروعية وجودها...إلى أن يُتِم تدريبها وتربيتها في مدارس الأممية الجديدة ...
أهرب منهم ...مني ..من هذا الكون المزيف قاتم الوجه ...وألوذ في صفحة بيضاء وقلم يدلني على الكلمة ...مع أنها لاتسعفني في قدرتها على رسم بوحي أو تحديد معالم دربٍ لاتأتيه الشمس إلا لماماً، ولا يطأه الصدق إلا ليلاً ...حيث تخف الرقابة وينام عسس المجتمع والله وممثليه...وبهذا لاتُفضح شؤون البشر وشؤون المتواطئين مع السياسة....سياسة لايمكنني أن أجد لها صرفاً أو إعراباً ، أو صورة تمنحها وجهاً وكياناً ....فلا أجد مايتوافق مع كل مافعلته وتفعله وستفعله...إلا أنها .....عاهرة...تدور بين مواخير الدول الكبرى ...تخدع ...تختلس ...تستخف...تضحك ...ثم تملأ حقيبتها بالمكاسب وترفع من منسوب حساباتها في مصارف يعود معظم ريعها ومحصولها ...لخزائن المدللة ولنجمها الساطع ولمساتها الرقيقة ، أو مخالبها القاتلة....فأنى لمثلي أن يفهم لغة العهر في السياسة ...وقد نشأتُ على أنها ملح يومي للشعوب المضطهدة ووسيلة لتأمين رغد العيش...وحفظ الكرامة...وقد جربتها ...في أصغر تجلياتها وأضيق صروحها وترتيباتها الفكرية....فأصبت بخيبة كبيرة...لأن من منحتهم ثقتي ...ومن عَوَّلت على السير معهم حتى يكتمل حلمي وحلمهم المشترك ...يسيرون على درب المدللة...وأنا أسير في درب الجلجلة...فلا مهرب إلا بالافتراق.
ــ باريس 13/8/2015