حكم نخبويّ، لا ديمقراطيّ

راضي كريني
2015 / 8 / 12


بعد أن رفض مدير وأطبّاء مستشفى "سوروكا" في بئر السبع إطعام/كسر الأسير الإداريّ محمّد علان المضرب عن الطعام (حوالي 60 يوما) بالقوّة؛ لأنّه يتناقض مع موقف نقابة الأطبّاء ومع القانون الدوليّ ومع حقوق المريض، قامت السلطات الإسرائيليّة بنقله إلى مستشفى "برزيلاي" في أشدود، بعد أن وافق مدير المستشفى هناك على إطعامه/تغذيته قسرا. وفي المقابل، قرّر بيبي نتنياهو رئيس الحكومة القادر على كلّ شيء، بناء وحدة خاصّة في مستشفى "برزيلاي" للتعامل مع الأسرى المضربين عن الطعام وإطعامهم قسرًا.
تعتبر الحكومة الإسرائيليّة اليمينيّة المتطرّفة؛ أنّ الإضرابات عن الطعام التي ينفّذها الأسرى الفلسطينيّون تهديدًا لأمن إسرائيل، ويعتبرها بعض أطرافها خطرًا إرهابيّا! بناءً على ذلك أقرّت الكنيست/البرلمان الإسرائيليّ، في آخر الشهر المنصرم، قانونًا يمنح سلطات السجون حقّ إطعام الأسرى المضربين عن الطعام قسرًا!
أثارت هذه الأحداث نقاشًا حول ديمقراطيّة إسرائيل.
يدّعي فلاسفة إسرائيل دولة "يهوديّة وديمقراطيّة" أنّ الديمقراطيّة الإسرائيليّة ترتكز على قاعدتَين:
الأولى: على حكم الشعب، والشعب الإسرائيليّ (لم يحدّدوا مَن هو الشعب الإسرائيليّ) هو الذي يقرّر مصيره، من خلال مندوبيه/ممثليه في الكنيست، حيث تحسم القضايا بالتصويت. بمعنى آخر الديمقراطيّة هي حكم الأكثريّة، وليست حكم الشعب بالشعب وللشعب!
الثانية: على أساس احترام حقوق الإنسان، إذ لايوجد ديمقراطيّة بدون حقوق الإنسان (يا عيني على حكومتنا التي تحترم حقوق الفلسطينيّين من أسرى وشعب محتلّ ومواطنين!)؛ وعليه يفضي الادّعاء إلى أنّ إسرائيل تحترم حقوق المواطنين وتطوّرها.
ويقول هؤلاء "الفلاسفة" (قضاة وكتّاب ومفكّرون وسياسيّون وأكاديميّون وإعلاميّون، وعدّي رجالك ...): إنّ الحكم المركزيّ في إسرائيل نجح بالدمج بين هاتين القاعدتين، وبمدى نجاحه في هذا الدمج تتحقّق الديمقراطيّة الحقيقيّة!
هل نحن العرب مواطنون أم لا؟ هل الأكثريّة القوميّة تراعي بين سلطتها وحقوق الأقليّة والفرد؟!
هل إضراب الأسرى عن الطعام هو حقّ من حقوق الإنسان أم لا؟
إن كان قلب الحكومة لا يتحمّل إضراب إنسان عن الطعام؛ فلتهتمّ في إطعام الجائعين من المواطنينن الذين يفتّشون "بسراج وفتيلة" عن كسرة خبز!
أشعر أنّه لو مُنح جان جاك روسو، فيلسوف الثورة الفرنسيّة، فرصة القيامة من الموت، لكان مزّق كتابه "العقد الاجتماعيّ"؛ كي يمزّق أكاذيب وأحابيل الديمقراطيّة الإسرائيليّة/الصهيونيّة!
أرجو أن لا يُفهم من كلامي وكأنّ الأكثريّة اليهوديّة تعيش في بحبوحة ديمقراطيّة.
في إسرائيل، هناك قلّة (يهوديّة) تستحوذ على مقدّرات البلاد، وتستأثر بالثروات والخيرات و...، وتسيطر على مؤسّسات الحكم وتتحكّم بالمحرومين من الثروة، وتعطّل عن العمل مَن تشاء وتمنح العمل لمن تشاء، وتعمل على إفقار الغالبيّة!
في إسرائيل، تسيطر شريعة الغاب الرأسماليّة؛ مجموعة من الأغنياء تقدّس ثروتها وتستغلّ الأكثريّة (من يهود وعرب) لرفع نسبة أرباحها وكمّيّة أملاكها ومواردها، وتستثمر في الصراع القوميّ لتشوّه وتشلّ الصراع الطبقيّ؛ فتحرم شعبًا كاملاً (الشعب الفلسطينيّ) من أن يتنفّس الحريّة ويتذوّقها، وتعتبر أنّ منْح حقّ المواطنة مِن اختصاصها هي لا غير، لذلك تعطي حقّ العودة لليهوديّ فقط.
لذا، فالإسم الحقيقيّ لحكم الديمقراطيّة الإسرائيليّة هو حكم نخبويّ استغلاليّ (اجتماعيّ) واضطهاديّ (قوميّ)، وما انتخاب الأكثريّة إلاّ للإحصاء فقط، يتعامل اليمين الرأسماليّ الحاكم مع المواطن حسب قدرته وقوميّته، وبناء على موقعه من وسائل الإنتاج، ما يجعل المواطن يسعى ويجتهد كوَحش كاسر من أجل مصالحه الخاصّة.