أصدقائي الكتاب 4- القاص والروائي إبراهيم أحمد

سلام إبراهيم
2015 / 8 / 7

أصدقائي الكّتاب
4- القاص والروائي إبراهيم أحمد
هذه إحدى رسائل صديق وكاتب أعتز به جدا يكبرني بأكثر من عشرة أعوام وهو شخصية وطنية معروفة، ومن بواكير وعيه ساهم في النشاط السياسي كشيوعي حالم تسلم مناصب عدة في قيادة الحزب الشيوعي ثقافياً. وهو من أصّل قالب القصة القصيرة جدا فنياً في العراق منحازاً لجانبها الساخر وهي تعالج الواقع وتفعل به منطلقا من فعاليته في العمل السياسي وكانت قصصه آسرة جديدة على القصة العراقية وهي تسخر من مظاهر الواقع. وقت سطوعه ككاتب وهذا ما عرفني باسمه كنت في سن السادسة عشرة من عمري مدلها بالأدب. وتابعته وأنا أبحث عن شخصيتي الأدبية في مسعى خاص ومعقد يعرفه كل كاتب وجد نفسه. هزتني الحياة هزاً ونسيت في خضم وضعي وقدري كعراقي جندي في حرب مع إيران ومحب متزوج ولديه طفل. واضطراب قناعتي وهروبي إلى الجبل والقصة ووووو إلى أن رسوت على ساحل الدنمرك. وعلمت أن من تدلهت به صبيا يعيش جواري في السويد. فحصلت على عنوانه وابتدأنا نكتب لبعضٍ. رتبت له أمسية عن مجموعته الجميلة – بعد مجيء الطير- التي صدرت عن دار –صحاري- في بودابست، فزارنا ورأيته من لحمٍ ودم. كان كما توقعت حميما جميلا قدمته للحضور وقرأت بعد التقديم ما كتبته عن مجموعته
سهرنا بطبيعة الحال كنا لم نزل أقوياء في ذلك العمر. في غمرة الأحاديث حكى لي لقطة عن تجربة جرت له حينما كان في المجر كيف ذهب لبار وتعلقت به سكيرة تصورته المسيح.
وأنا كنت أحكي له أحداث مرت بي تصلح للسرد. في أخر السهرة صرخ إبراهيم:
- سلام بيتك مسكون بالقصص أحس أريد أكتب الآن
مت ضحكاً وقتها وكنت أظن أنه يجاملني. لكن في الصبيحة وكان قد نام في غرفة أبني الصغير وقتها –صلاح- بعمر السادسة. يحاول دخول غرفته وإبراهيم يسدها فاستفهمت فعرفت أن إبراهيم هبط عليه وحيه السردي في ذلك الصباح وكان يبغي الخلوة. فحملت صلاح ولاعبته كي يتسنى لإبراهيم إكمال قصته. فكتب إبراهيم قصته – أنت تشبه السيد المسيح- في غرفة أبني وهي أجمل ماكتب من قصص.
تواصلنا. وما بعد الاحتلال وسقوط الطاغية. صار الأمر مختلفاً فإبراهيم أحمد عاد للعراق مع الاحتلال في مشروع يهدف لبناء عراق ما بعد دكتاتورية والتجربة كانت بائسة. موضوعها يحتاج مساحة أخرى ستأتي لاحقا
هنا رسالة من رسائله الكثيرة التي كنا نتبادلها بانتظام:

صديقي الحبيب سلام
تحية شوق
أعتذر لك
أنا هذه المرة عن تأخري في الكتابة إليك. يبدو كلانا في شغل وهم هذه الأيام. وكأن هم الإبداع لا يكفي لعذابنا. آمل أن تكون قد تجاوزت انشغالاتك والتحمت بعملك الجميل والصعب.
أولا: أتمنى أن أطلع على قصصك الأربع التي نشرتها مؤخراً. أنت تعرف مدى محبتي لقصصك بساطتها وعمقها وشفافيتها. حبذا لو زودتني بها إذا كان ذلك لا يتعبك.
قرأت المقال النقدي-1- للمرة الرابعة أو الخامسة أفادني كثيراً، رغم أن بعض النقاط تحتمل أن نناقشها لو نلتقي. أن ملاحظاتك وتحليلاتك هامة وعميقة. أنت تبلغ في النقد شأواً لا يقل عما تبلغه في القصة حبذا لو تواصله.
أعتز كثيراً برأيك في الرواية-2-، حتى لو اختلفت معه، ذلك انه يصدر عن تجربة عميقة وحرص صادق، ألم أقل لك أن لدينا الكثير مما نتحدث فيه لو نلتقي. لنا في الصيف آمال.. وآمال.
من الضروري أن تصدر مجموعتك -3- من القاهرة أو غيرها وبالطبع دار شرقيات حققت شهرة لكنها مع الأسف تأخذ من المؤلف مبلغاً كبيراً. تصور أية مأساة وصلنا المؤلف يدفع لدار النشر!.
حبذا لو زودتني بقصص عالية ممدوح-4- أو رواياتها سأعيدها إليك حالما انتهي من قراءَتها. وخلال وقت قصير.
كنتُ اعمل معهم في جريدة الراصد "بتوجيه من حزبنا العتيد آنذاك".
لا أدري هل مات زوجها "مصطفى الفكيكي"-5- كان رجلاً لعيناً. أما إذا مات فليرحمه الله.
أرسل إليك سجلات داحس والغبراء-6- بين هولندا وألمانيا. أما ناقة خالة جساس.. فقد شارك في قتلها الكثيرون!. وشكراً للصديق العزيز "جنان جاسم حلاوي" الذي زودنا بها.
أرجو أن تبلغ تحياتي للأخت العزيزة زوجتك. وقبلاتي لأولادك.. ودمتم بصحة وخير دائماً
ولك محبتي الدائمة
إبراهيم أحمد
30-3- 1998
السويد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1- يقصد بالمقال النقدي مقالي عن مجموعته القصصية –بعد مجيئ الطير- نشرتها في مجلة إبداع المصرية الشهرية وفي القدس العربي
2- يقصد رأيي بروايته –طفل السي سي آن- وقلت له وقتها بأني أراك في القصة القصيرة أكثر من الرواية، لكن قبل عام أصدر رواية جوبهت بالتجاهل وهي مهمة فيها رؤية مختلفة عن تكون ومسار الحزب الشيوعي العراقي الذي تربى إبراهيم أحمد فيه وشغل مناصب في لجانه الثقافية وأشار في نفس الرسالة إلى تكليفه بالعمل في جريدة الراصد التي هيأت إعلاميا حملة تصفية الحزب الشيوعي العراقي التي ابتدأت منتصف 1977 .
3- يقصد مجموعتي القصصية الثانية –سرير الرمل- التي صدرت بعد سنتين من تاريخ الرسالة عن دار "حوران" في دمشق وكنت قد نشرت العديد من قصصها في الصحافة وهي التي يطلب مني فيها بعثها.
4- هنا يشير إلى شدة إعجابي بما نشرته الصديقة الروائية العراقية عالية ممدوح من قصص وروايات كتبت عن أهمها دراسة وفعلا بعثت لإبراهيم رواياتها التي كانت عالية تحرص على بعثها لي في البريد حال صدورها. وهنا أشار بسخرية إلى كيف كلفه الحزب الشيوعي بالعمل في الراصد كصحفي بالمناسبة إبراهيم احمد من أبدع الصحفيين الذين أنجبتهم التجربة العراقية حاذق ساخر سلس وعميق.
5- هنا يشير إلى زوج عالية مصطفى الفكيكي وهو من مؤسسي حزب البعث في العراق.
6- يقصد بسجلات داحس والغبراء الجدل الحاد الذي أثير ذلك الوقت وطرفاه الصديق الروائي والقاص المقيم في ألمانيا حسين الموزاني وياسين النصير المقيم في هولندا. وكنا نتبادل تفاصيل أي خلاف يثار بين مبدعين عراقيين لعلاقتها بوجودنا الأدبي ومشروعنا.