هذيانات أنيقة

محمود كرم
2015 / 8 / 5


قادمونَ نحنُ من ذاكرة الانتصارات الصغيرة ، نتوهّجُ بِالمعاني الجديدةِ سطوعاً في نشوة الهذيانات الأنيقة . نجيىءُ من غور الدروب الطويلة ، ونمضي إلى نهاياتٍ مفتوحة ، مُشرعة على نهاياتٍ بعيدة . بعيدةٍ كَالسماء الغارقة في زرقةٍ ممتدّدةٍ على فضاءٍ من خيالٍ وميض ..
نرتادُ الحياةَ ، شغفاً بعد شغف . نتعلّمُ في خطْوها تعثّرات الهزيمة ، ونتذوّقُ في وثبتها طموح الإنتصار ، ونستبقُ في تعرّجاتها هاوية السقوط . وقد نقعُ هنا ، ونرتفعُ هناك ، وفي الوقوع نزيحُ عن أقدامنا غبار الأغلال ، وفي التحليق نستلهمُ عنفوان الرياح . هذي الحياةُ ، تهيمُ بنا فتنةً خلاّقة ، ومساربَ عميقة ، ونهيمُ بها معراجاً يعانقُ هامة الآمال البارقة في حدقات النجوم ..
ونعود ثانيةً في أتون الأسئلة ، ننصهرُ انعتاقاً ، وَنستجلي ثمالةً صافيّة ، ونغرقُ في قمّةٍ عالية . فلا شيءَ يضعنا في ملكوت الغوايات الساطعة ، غير ذلك الضوء القادمُ من متاهات الطُرقات الغائِرة في منحنياتها العميقة . تبعثُ في أعماقنا دفق التخلّقات الناطقة ، وبهاء التجلّيات المسكونة بالدهشة والسؤال والتمرّد والتحديق والانسياب ..
نَنتشي بِكأسٍ من ماء الحياة ، ونلوذُ بِدردشةٍ بعيدة ، وثمالةٍ عاشقة ، تأخذنا هنا وهناك ، نُرممُ بها بعض انكساراتنا الفارهة ، وهزائمنا العتيدة ، ونُهدي بعضاً من ثمالتنا نخباً طازجاً لانتصاراتنا الصغيرة . ونُمعِنُ في هذا الوجود المتناثرُ فوق هشيم الأمنيات . ونُمعِنُ في الفراغ ، ولا شيءَ غير الفراغ يعربدُ في فضاء ذواتنا الهاربة نحو المجاهيل العتيقة . هناكَ حيث البدايات كانت محض أوهامٍ عالقةٍ في الذاكرة ، وهناكَ حيث الأسئلة كانت ترتقي مدارج الدهشات ، وهناكَ حيث المستحيل ، كانَ يسكنُ أعطافنا الواهنة ..
تركنا خلفنا في قاع الذكريات شيئاً من هزائمنا وأحزاننا القديمة ، وَمضينا إلى غدٍ مترعٍ بالنشوات والرغبات والتنوّعات والشهوات والمسرّات والثمالات والألوان ، نستدعي الحياةَ من سفوحها المضيئة . نعشقُ في الذات جنونها الشهي ، ونُهيمُ عشقاً بِجنون أشواقنا الفاضحة . نحتسي على دكّة الانتصارات ، انكساراتنا الماضية ، وأوهامنا الآفلة ، وما تبقّى من تعثّراتنا الحاليّة ..
نبحثُ في ملامحنا عن آمالنا الضائعة ، عن إنسانيّتنا التّائِهة ، عن أوقاتنا المهدورة ، عن فراغاتنا الهائلة ، ولا نجِدنا . وقد نجِدنا في حلمٍ بعيد ، أو في مستحيل شهي ، أو في بريق فكرةٍ تشّعُ من فوق عتمةٍ مجهولة . يا لهذه الأفكار كم هي فاضحةٌ للطين المترسّبِ في أعماقنا ، وكم هيَ متواطئةٌ مع أسئلتنا الحائِرة . إنّها الأفكار تتخلّقُ في هجير العدم ، تأتي من بعيد وقريب ، من بدايات المنافي المجهولة ، ومن نهايات الترحّلات الدائِمة . تأتي حاملةً أوزارها الآثمة ، وجنونها المثير ، وأضواؤها الكاشفة ، وأصواتها الصاخبة ، وتحديقاتها الثاقبة ..
نعودُ من الضياع ، نتقلّدُ زهوَ المسافات الجديدة . وفي هذا الطريق نتلمّسُ أعماقنا الغارقة في سديم الغوايات الآسرة . نَستجلي في هذا الوجود مهارة التوقّفات الهادئة . والوقتُ هامدٌ ولكنّه لا يتوقّف ، نَمضي به ببطءٍ شديد ، نستطعمُ في ثناياه مذاق التأمّلات الوامضة . والطريقُ يعودُ بنا مجدّداً إلى نقطةِ المتاهات الأولى : وجع الإنسان ، ذاكرة الجمال ، صخب الآمال ، احتشاد الأسئلة ، تعدّد الأجوبة ، ضجيج الدروب ، أقنعة القُبح ، حرائق التفكير ، تلوّنات الماء ، عبث الوجود ، بكاء الطبيعة ، مطر القلب ، أبجديات اللون ، فضاء الأضواء ، موت الكلمات ، حطام التغيير ..
إلى أين ننتهي .؟ فالنهايات محض سراب ، ندخُلها ظافرينَ بانتصاراتٍ واهمة ، وحماساتٍ طفوليّة متّقدة ، ولا نلبثُ إلا أنْ نجدَ أنفسنا أمام وَهمٍ جديد . فالحياةُ تَسعى إلى مبتغاها كلّ مرةٍ في اشتعالٍ متجدّد . نريدُ أن نكتشفَ في قانونها نكهة الموت ، وانتهاء الطريق . ولكنّنا نعودُ متعبينَ ، نلوذُ بناصية الانتظار ، ونغرقُ في صمت الحيرة ، تمزّقنا المعاني ، ونستفهمُ عن معنى أنْ نحتاجَ إلى أنْ نموت ، لكي نعرف إنّنا نحيا من جديد ، نحيا في حياةٍ تخرجُ من موتٍ قديم ، فمن حاجتنا للحياةِ نمضي إلى موتٍ آخر ، وفي هذا الآخر قد ينبتُ زهر الحياة ..
لا شيءَ في البدايات البعيدة سوى ركام الأفكار الشّاحبة ، وحُطام التفسيرات السائدة ، والألوان المنطفئة ، والأردية القاتمة . ولا شيءَ غير التكرار يعاقرُ تكرار الفراغ ، والعقول تقتاتُ زادها من مائدةٍ هزيلةٍ شحيحة . كنّا هناكَ نستجمعُ ما يتساقطُ منّا في منحدرات التكرار والتيه والعُتمة والخنوع . أخذنا نستحضرُ ضوءاً من مدارات الأفلاك المنيرة ، وتعمّقَ الضوءُ في أذهاننا شيئاً فشيئاً ، يقدحُ بالتّفتّحات المضيئة ، وامتشقنا جرأةً استوطنت فينا ، دفعتنا لِمناصرة التفكير . ودلفنا مغاور الفكرِ هنا وهناك بِهدوءٍ شديد ، واكتشفنا بعد هزائمنا الكثيرة بأنّ الجرأة على الاكتشاف سبيلنا للمعرفة ، وأنّ شجاعة التفكير والنقد سبيلنا للمعرفة ، وأنّ المعرفة شجاعة العقل وجنونه ومجازفاته وحرّياته وتحديقاته وتمرّداته الخلاّقة ..
في مرايا الغياب ، كم نشتهي حضورنا الجديد ، وكم تأسرنا نشوة الذاكرة وهيَ تتراقصُ جذلاً على إيقاع الغد . كان الغدُ دائماً في حساب الذاكرة ميقاتنا الحاضر ، نذهبُ إليه من فورنا ، من لحظتنا الحاليّة ، ونأتي منه جديداً . إنّهُ يعرفنا في أشواقنا التّواقة ، ويقرأُ في خطواتنا شغف التواصل ، ويحتسي معنا نخب الانتصارات والانكسارات والهذيانات والمسرّات والتّتويجات الآجلة . ولم يعد الأمس في حساب الاشتهاء مذاقاً رائقاً ، لأنّهُ يخلو من شهوة الخلق ومن حميميّة الدفء ، ولأنّهُ يصبحُ ثقيلاً في تخفّفات الذاكرة الرشيقة ..
مُغرمونَ نحنُ ، مُغرَمونَ بِالتجلّيات في بروق المعاني الجديدة ، فالجديدُ غرام العقل وعشقه في تخلّقاتهِ الساطعة ، وفي تجدّداتهِ المستمرّة . إنّه الغرام يبعثُنا أحياءً على قيد التوهّجات والغوايات والاكتشافات . يهيمُ بنا مراحات التأمّلات الفسيحة ، ويشعلُ في أعماقنا جذوة الدهشات ، ويستنطقُ في أفكارنا جديد المعاني . إنّهُ الغرام ، يُلهمنا إيقاع الحياة ، فالحياة من غير إيقاع ، مقبرة الجمود المُميت . وهوَ الغرامُ ذاته يُطعمنا من شغف التمرّد جنون التفكير ، وَيسقينا من نهر العشق ماء الغواية ..
كانَ القليلُ من شغف الذات بِالذات كافياً ، كافياً لكي يَضعنا في مسار الذات ، وفي أعماق توجّساتها وهواجسها ، وفي منحنيات تقلّباتها وتناقضاتها ، وفي صلبِ أفكارها وأسئلتها وصراخاتها . ربما الشغف لا يكونُ شغفاً إلاّ حينما يُعيدُ للذات كونها الخاص ، ومدارها المتفرّد ، وتعريفاتها المميزة ، ونظراتها الثاقبة ، ونشوتها البارقة . إنّه شغفها في أن تكونَ مترامية المعاني ، وغزيرة التدفّقات . تتوثّبُ شوقاً في فكرةٍ متوهّجة ، وترقصُ انتشاءً في اكتشافٍ جديد ، وتكتشفُ أعماقها في طريقٍ متجدّد ، وتستأنسُ بِنبرتها الرّنانة في إيقاعات الإبداع ، وتغرقُ في لذائِذها المُلهمة ، وترتقي في دهشاتها مدارج الغوايات الأثيرة ، وتزهو تواضعاً بانتصاراتها في معركة الحريّة ..
في خضمّ التغييرات والتغيّرات والتحوّلات ، نتحسّسُ طرائق التفكير ، وندلفُ متاهة المعاني بأسئلة المتاهات ، وفي دروبها المتفرّعة تلك ، نحشدُ حواسنا وهيَ تحتدمُ ضجيجاً في مخاض التخلّقات ، لِنقتنصَ ومضة الضوء في خطوةٍ بارقة . فبعض الومضات لها رنينٌ فادح الضوءِ يختالُ شهياً في أوردة الفِكر . وبعض الأفكار تحاكي العقولَ بِمفاتن الأنوار ، وتبقى هناكَ مُفعمةً بِألق الدهشات ، وبِبذخ التلويحات المُشعّة ، تستنطقُ وهج التفكير بِدفقات الاحتمالات المُشرعة على نوافذ التجديد . فالأفكار تشتهي الأفكار حينما تَتموّجُ بالحركةِ المُثمرة في حياةٍ وثّابة ، تستلهمُ من توهّجات التغيير براعة التخطيّات الجريئة ، ومهارة التشويق ، ورشاقة الإثارة ، وفتنة الخلق ، وفصاحة النُطق ، وتخمَّر الفكرة ، وأناقة الأسلوب ، وتنوّع التلوين ..