الدول الناشئة والتنمية الرثة

سمير أمين
2015 / 7 / 31

الدول الناشئة والتنمية الرثة
بقلمم : سمير أمين
تعريب : أحمد زوبدي

تقديم

يزعم الخطاب السائد ومعه جل الخطابات بيمينها ويسارها بما في ذلك صحافيو السوق أن المغرب يتوفر على شروط الارتقاء إلى صف الدول الناشئة أو البازغة من خلال مخططات التنمية (إميرجانس،المخطط الأخضر،مخطط أزور،...). إذا كان صحيحا أن المغرب يفتح أوراشا تسمح للاقتصاد بضخ حصص مهمة من المال ، فإن الشيء الذي يجب التأكيد عليه هو أن المبالغ إياها يتم تبذيرها في مشاريع تخدم النظام القائم والطبقات المهيمنة. فالاقتصاد المغربي اقتصاد متخلف يعرف تنمية مهدورة ومفقودة بحكم التبعية للغرب الامبريالي وهيمنة الاستبداد ولوبيات الفساد . وهو ما يدفعنا للقول أن المغرب غير مؤهل ليلتحق بالدول المدعوة خطأ بالدول الناشئة لأن النشوء لا يمكن أن يتحقق في ظل الرأسمالية القائمة بالفعل التي أدت وظيفتها التاريخية وأصبحت متجاوزة بحكم هيمنة احتكارات القلة الامبريالية التي لا تنتج إلا الإقصاء والتهميش ،الأمر الذي يفرض بدائل وإجابات صحيحة تستجيب للأسئلة الكبرى التي يطرحها روح العصر . كل ما هناك أن الرأسمالية في الدول المعنية بالبزوغ أو النشوء قد أدت بالفعل إلى تحقيق مستويات من النمو مهمة أسست لبنيات صناعية مهمة كذلك لكن إلى جانب ذلك أنتجت الفقر المتزايد والتفقير والتهميش للطبقات الدنيا، وهو يسمى في أدبيات نقد الاقتصاد السياسي المعاصر بالتنمية الرثة التي لا تختلف في العمق عن التخلف . المفكر العربي البارز المناضل سمير أمين يعرض بشكل مدقق ومكثف وينتقد جذريا في هذه الدراسة العلمية أطروحات الإقتصاد الخالص (النيوليبرالي) التي تسوق لهذا النوع من الأدبيات التي تترجم غباء وأجوبة سخيفة عن المشاكل التي تطرحها الرأسمالية القائمة بالفعل ( المترجم).







ما معنى " النشوء" ؟
يستخدم هذا المصطلح من قبل البعض والبعض الآخر في سياقات مختلفة في أقصى الحدود، وغالبا دون احتراز لتوضيح المعنى. لا يمكن قياس النشوء (أو البزوغ أو الارتقاء
émergence
) بمعدل نمو الناتج المحلي الإجمالي (أو الصادرات) المتزايد على مدى فترة طويلة (أكثر من عشر سنوات)، ولا بمستوى ارتفاع الناتج المحلي الإجمالي للفرد الواحد، كما يفعل البنك الدولي وكافة مؤسسات "التعاون" للقوى الغربية و خبراء الاقتصاد التقليدي. النشوء يعني أكثر من ذلك بكثير ويشمل نموا مستداما للإنتاج الصناعي في البلد المعني وارتفاعا في قدرة هذه الصناعات على المنافسة على الصعيد العالمي. كما يجب تحديد فئة الصناعات المعنية بالارتقاء وماذا تعنيه التنافسية.
يجب أن تستبعد من الاعتبار الصناعات الاستخراجية (التعدين و الوقود) التي يمكن وحدها في البلدان التي منحتها الطبيعة هذه الموارد أن تنتج النمو المتسارع دون أن تسفرعن تطوير كل الأنشطة الإنتاجية في الدولة المعنية . المثال النموذج لهذه الحالات "غير البازغة " هو دول الخليج، أو فنزويلا أوالغابون وغيرها. كما ينبغي كذلك أن نفهم التنافسية للأنشطة الإنتاجية للاقتصاد المعني داخل نظام الإنتاج ككل وليس لبعض وحدات الإنتاج معزولة. عن طريق الاستعانة بمصادر خارجية أو التعاقد من الباطن، تقوم الشركات متعددة الجنسيات العاملة في بلدان الجنوب بإنشاء وحدات الإنتاج المحلية (التابعة لوكالات الشركات العابرة للقارات أو للوكالات المستقلة) قادرة على التصدير في السوق العالمية، وهو ما يسمح لها بالحصول على التأهيل للتنافسية في لغة الاقتصاد التقليدي. هذا المفهوم الأعرج للتنافسية الذي يتأسس على المنهج التجريبي من الدرجة الأولى ليس هو المفهوم الذي يهمنا . إن التنافسية هي تنافسية النظام الإنتاجي. ومن الضروري أيضا أن يكون هذا الأخير قائما بذاته أي أن الاقتصاد يتكون من المؤسسات الإنتاجية ومن فروع الإنتاج المترابطة بشكل كاف حتى نتحدث عن نظام . ترتبط تنافسية هذا الأخير إذن بعوامل اقتصادية واجتماعية مختلفة، بما في ذلك المستويات العامة للتعليم والتكوين للعمال من جميع الرتب و فعالية جميع المؤسسات المكلفة بإدارة السياسة الاقتصادية الوطنية (الضرائب، قانون الأعمال، حقوق العمل ، الائتمان، الدعم العمومي، الخ). من جهته ، فإن نظام الإنتاج المعني لا يمكن اختزاله فقط في الصناعات التحويلية المنتجة للسلع المصنعة للإنتاج وللاستهلاك (لكن غياب هذه الأخيرة يلغي وجود نظام الإنتاج الجدير بهذا الاسم)، لكن يدمج إنتاج الأغذية و الخدمات الزراعية الضرورية للعمل العادي للنظام (النقل والائتمان على وجه الخصوص). نظام الإنتاج القائم بالفعل قد يكون، بالمقابل، أكثر أو أقل "تقدما". أعني بذلك أن يكون مجموع أنشطته الصناعية مؤهلة : سواء تعلق الأمر بالمنتوجات "التافهة" أو التكنولوجيات المتطورة ؟ المهم ،من هذا المنظور، يجب تحديد موقع هذا البلد البازغ : إلى أي مدى يوجد هذا البلد في مسار الترقي في سلم القيم المنتجة ؟
يحيل مفهوم البزوغ إلى المقاربة السياسية والكلية للمسألة . فالدولة الناشئة هي التي تضع فيها السلطة هدف بناء وتطوير اقتصاد ممركز على الذات ( وإن كان منفتحا على الخارج) و الحفاظ على سيادتها الاقتصادية الوطنية. هذا الهدف المركب يعني إذن أن هذه السيادة يجب أن تهم جميع جوانب الحياة الاقتصادية. على وجه الخصوص، يعني ذلك سياسية تمكن من توطيد السيادة الغذائية، وكذلك السيادة في السيطرة على مواردها الطبيعية والحصول عليها من خارج أراضيها. هذه الأهداف المتعددة والمتكاملة تتناقض مع أهداف سلطة كومبرادورية تكتفي بتكييف نموذج النمو القائم في البلد المعني مع متطلبات النظام العالمي المهيمن ("الليبرالي – المعولم") والإمكانيات التي يقدمها.
إن التعريف المقترح حتى الآن لا يقول شيئا عن الأفق الذي تندرج فيه الاستراتيجية السياسية للدولة و المجتمع المعنيين : الرأسمالية أو الاشتراكية ؟ ومع ذلك، فهذه المسألة لا يمكن حذفها من النقاش، لأن اختيار هذا الأفق من قبل الطبقات الحاكمة له آثار إيجابية أو سلبية بالغة الأهمية فيما يتعلق بنجاح البزوغ نفسه. في هذا الإطار ، لن أقول أنه ليس هناك سوى خيارا واحدا ذلك الذي يندرج في أفق رأسمالي يوفر وسائل ذات صبغة رأسمالية ( المراقبة واستغلال قوة العمل وسوق حرة معينة) لأن من شأنه أن يكون "واقعيا" وبالتالي سيتوج بالنجاح. ولكن لن أقول قط أن خيارا اشتراكيا راديكاليا وحده هو الذي يتحدى هذه الأشكال الرأسمالية (الملكية، تنظيم العمل ، مراقبة السوق) ويكون قادرا على الانخراط في الزمن وتمكين المجتمع المعني من التقدم في النظام العالمي.
العلاقة بين سياسات البزوغ من جهة، و التحولات الاجتماعية التي تصاحبه من ناحية أخرى لا تتوقف حصريا على التماسك الداخلي للأولى ، ولكن أيضا على درجة تكاملها (أوعلى وجود نزاعات) مع الثانية . فالصراعات الاجتماعية - الصراعات الطبقية والنزاعات السياسية - لا " تتكيف" مع ما ينتجه منطق انتشار مشروع الدولة البازغة ؛ فهي تشكل، أي الصراعات السياسية ، مفتاحا له. إن التجارب القائمة توضح تنوع وتقلبات هذه العلاقات. فغالبا ما يكون البزوغ مصحوبا بتفاقم اللامساواة. لكن لابد من تحديد الطبيعة الدقيقة للفوارق إياها : هذه الفوارق لمستفيدي أقلية صغيرة أو أقلية كبيرة (الطبقات الوسطى) والمترتبة بوضع ينتج تفقير غالبية العاملين أو، على العكس من ذلك، يرافقه تحسن في الظروف المعيشية لهؤلاء ، على الرغم من أن معدل نمو رواتب العمل من شأنه أن يكون أقل من معدل نمو مداخل المستفيدين من النظام. وبعبارة أخرى، فالسياسات القائمة يمكن أن تؤدي إلى البزوغ والتفقبر أو لا تؤدي. إن النشوء ليس هو الوضع النهائي والقار والذي يؤهل البلد المعني؛ فهو مجموعة من الخطوات المتعاقبة، الأولى تؤهل بنجاح التالية أو العكس تؤدي إلى الطريق المسدود .
بنفس الطريقة، إن العلاقة بين الاقتصاد الناشئ والاقتصاد العالمي هو نفسه في تغير مستمر ويندرج ضمن آفاق عامة مختلفة سواء أنها تساعد على تعزيز السيادة أوعلى النقيض من ذلك تضعفها أو أنها تساعد على تعزيز التكافل الاجتماعي داخل الوطن أو عكس ذلك تضعفه. الارتقاء ليس إذن مرادفا لنمو الصادرات وتقدم بشكل سريع للبلد من خلال الصادرات إياها. لأن نمو الصادرات يتمفصل حول نمو السوق الداخلي الذي يتوجب تحديده ( الطبقات الشعبية، الطبقة الوسطى) ويمكن للأولى أن تصبح سندا أو عائقا للثانية. إن نمو الصادرات يمكن إذن أن يضعف أو يعزز الاستقلالية النسبية للاقتصاد الناشئ في علاقاته مع النظام العالمي. لذلك لا يمكننا الحديث عن البزوغ بوجه عام أو أيضا حتى عن نماذج (الصيني، الهندي، البرازيلي، الكوري) بشكل عام . ينبغي دراسة بشكل ملموس، لكل حالة، المراحل المتعاقبة لتطور البزوغ ، وتحديد نقاط القوة والضعف وتحليل دينامية التناقضات المصاحبة له.
يعتبر البزوغ مشروعا سياسيا وليس فقط اقتصاديا . و قدرة نجاحه تكمن إذن في قدرته على الحد من الوسائل التي بواسطتها تستطيع المراكز الرأسمالية المهيمنة من الحفاظ على هيمنتها، على الرغم من النجاح الاقتصادي للبلدان الناشئة كما يزعم إيديولوجيو الاقتصاد التقليدي. من جهتي، لقد حددت هذه العوامل من حيث المراقبة التي تقوم بها القوى المهيمنة للتطور التكنولوجي والحصول على الموارد الطبيعية و النظام المالي والنقدي العالمي ووسائل الإعلام و الحصول على أسلحة الدمار الشامل. وقد دعمت أطروحة وجود الإمبريالية الجماعية للثالوث (الولايات المتحدة، أوروبا، اليابان) الذي يهدف إلى الاحتفاظ بكل الوسائل على مكانة متميزة له في السيطرة على الكوكب ومنع الدول الناشئة من رفض هذا الوضع . خلصت إلى أن طموحات الدول الناشئة تتعارض مع الأهداف الاستراتيجية للثالوث الإمبريالي وأن حدة العنف في هذا الصراع أتت من رفض دول ناشئة لامتيازات المركز المذكورة أعلاه. لا يمكن إذن فصل الاقتصاد الناشئ عن السياسة العالمية في الدول المعنية. هل تقبل هذه الدول الاصطفاف إلى جانب التحالف السياسي والعسكري للثالوث؟ هل تقبل بذلك الاستراتيجيات التي تنفذها منظمة حلف شمال الأطلسي؟ أو عكس ذلك ، هل الدول إياها مستعدة للتصدي لها ؟
النشوء و التنمية الرثة
لا يوجد نشوء دون سياسة للدولة تستند إلى كتلة اجتماعية مريحة تمنحها الشرعية وقادر على التأسيس بشكل متجانس لمشروع بناء نظام انتاجي وطني ممركز على الذات وتعزيز نجاعته من خلال سياسات منهجية تضمن للغالبية العظمى من الطبقات الشعبية المشاركة في عائدات النمو. عكس ما يوفرالتطور الايجابي الذي يسمح به مشروع ارتقاء أصيل من هذا النوع ، فإن الخضوع الأحادي لمتطلبات الرأسمالية المعولمة للاحتكارات المعممة تنتج فقط ما أسميه "التنمية الرثة"
(lumpen- développement).
أ ستعيرهنا بطلاقة مصطلحا وظفه الراحل أندريه غوندر فرانك لتحليل حالة مماثلة لكن في ظروف أخرى تختلف في الزمان والمكان. التنمية الرثة اليوم هي نتاج التفكك الاجتماعي المتسارع المرتبط بنموذج "التنمية" (الذي بالتالي لا يستحق هذا الاسم) الذي تفرضه احتكارات المراكز الامبريالية على الأطراف التي تهيمن عليها. ويتجلى ذلك من خلال النمو المتزايد لأنشطة البقاء (ما يسمى بالمجال غير المهيكل) أي في الإفقار المحايت للمنطق الأحادي الجانب للتراكم الرأسمالي.
علما بأنني لم أصف البزوغ (أو النشوء) لا ب"الرأسمالي" أو ب "الاشتراكي". لأن البزوغ إياه هو مسلسل يجمع بين التكامل والنزاع أيضا أشكال متعددة لمنطق التدبير الرأسمالي للاقتصاد وأخرى "غير رأسمالية" (أي لها توجه اشتراكي) في إدارة المجتمع والسياسة. من بين هذه التجارب من النشوء ، هناك بعض منها تبدوا مؤهلة بامتياز لهذه الصفة ، لأنها لا ترتبط مع مسلسلات التنمية الرثة ؛ ليس هناك إفقارا يضرب الطبقات الشعبية، بل العكس هناك تقدما في ظروفهم المعيشية. اثنتان من هذه التجارب من الواضح أنها رأسمالية بالكامل – كما هو الحال في كوريا وتايوان (لن أناقش هنا الشروط التاريخية الخاصة التي مكنت النقل الناجح للمشروع في هذين البلدين). تجربتان أخريتان خلفتهما تطلعات الثورات التي تمت باسم الاشتراكية - الصين وفيتنام. يمكن لكوبا أن تدخل ضمن هذه المجموعة إذا ما تمكنت من السيطرة على التناقضات التي تمر منها في الوقت الراهن. بالمقابل هناك حالات أخرى للبزوغ مرتبطة بمسلسل التنمية الرثة بشكل واضح كما هو الحال في الهند الذي يعطي خير مثال. من الأكيد أن هناك قطاعات تتوافق مع ما يتطلبه وما ينتجه نموذج البزوغ . هناك سياسة الدولة التي تشجع على تعزيز نظام إنتاجي صناعي لهذا الغرض، هناك توسع الطبقات الوسطى المرتبطة به، هناك تطور القدرات التكنولوجية والتعليم، هناك سياسة دولية قادرة على الاستقلالية على مستوى المنظومة- العالم. ولكن هناك أيضا المعاناة من الفقر المتسارع بالنسبة للأغلبية الساحقة ( ثلثي المجتمع) . لذلك نحن أمام نظام هجين يجع بين النشوء والتنمية الرثة . يمكن الحديث حتى عن علاقة التكامل بين هذين الجانبين للواقع. أعتقد، دون أن أقترح هنا تعميما مفرطا ، أن جميع الحالات الأخرى للبلدان التي تعتبر ناشئة تنتمي إلى هذه المجموعة الهجينة ، سواء تعلق الأمر بالبرازيل وجنوب أفريقيا وغيرها. ولكن هناك أيضا - وهذا ينطبق على العديد من البلدان الأخرى - حالات بها عناصر البزوغ لكن لا تظهر قط بينما مسلسلات التنمية الرثة تحتل تقريبا الصدارة للواقع المعاش.



نشرت هذه الدراسة بالفرنسية بمنتدى العالم الثالث (داكار) الذي يترأسه سمير أمين – أكتوبر 2013