يومي الدنمركي -3- عناق حصان في البرية

سلام إبراهيم
2015 / 7 / 30

يومي الدنمركي -3-
عناق حصان في البرية
في المنفى تحدث أشياء عجيبة يحار المرء في تفسيرها. تقشرك العزلة وتجعلك أشد رهافةَ من جلد فراشة أو تسحقك وتجعلك عنيفاً شبه مجنون تصرخ في وحدتك وتكسر ما حولك من أواني وأشياء وأحيانا يبلغ شدة العنف المتفجر في النفس فرط العزلة إلى ضرب الجدار نطحه إلى أن يصل المرء إلى حافة النحيب، بعدها يهدئ وينام.
في حالتي أنا من الصنف الأول. أهيم في حقول الله الدنمركية المحيطة بسكني. أمشي أحياناً منذ بكرة الصباح حتى الظهيرة، أو من الظهيرة حتى المساء لا أفكر في شيء. أحاول تنظيف نفسي من التجارب كلها كي أتوحد في الطبيعة الخلابة، وأدرك لغة الأزهار. أمسح كل زهرة حقلٍ بحنان ومحبة، أتأمل شكلها ألوانها غضنها الغض الذي يرفعها عن الأرض كي ترى الشمس وتسبح في نورها الضنين هنا.
هل كنت في الطفولة أفعل ذلك؟
نعم كنت أضيع في الحقول المحيطة بحي العصري في الديوانية أشم الأعشاب وأسبح بالسواقي وحيدا وأنا لم أبلغ العاشرة بعد. وهنا في منفاي الدنمركي وجدت نفسي ذلك الطفل الضائع في حقول الله المتشابهة في بقاع الأرض. صّورتُ ذلك الضياع في الطفولة في قصصي ورواياتي. لكنني وأنا في خريف العمر. ولا أدري كيف مضى العمر رغم عنائه، وجدتني أهيم لا صديق حميم قربي هنا في الدنمرك، لا مقاهي، لا ناسي، لا أهلي، فقط رفيقة العمر التي حضت ما حضتُ من العناء والأمراض والوحشة.
أهيم في الحقول معانقاً أشياء الله العشب الشجر العصافير الضوء السماء التراب الماء المارة بصمت بما يشبه الحلم. مفكراً بالأصدقاء القريبين إلى الروح البعاد والذين غادروا إلى السماء باكراً وتركوني في بارح الأشواق. أشفُ.. أشفُ وأنشد قصيدة "بودلير" المحفورة في روحي وذاكرتي. أنشد بصوت عالٍ وسط الحقول متوعدا السماء والوجود والكون بصوتي المرتدي روح القصيدة أصرخ بالكلمات وأحس أن الشجر والأشياء والتراب والماء والسماء تتناغم مع إحساسي والكلمات فنندمج في اللحظة في تجلي صوفي يلقني على حافة العدم وبهجة ليس بعدها بهجة.
(فوق الغدران، فوق الأدوية
والجبال، والغابات، والغيوم، والبحار
وفيما وراء الشمس، فيما وراء السماوات
فيما وراء تخوم الأفلاك المرصعة بالنجوم

تتحركين يا روحي برشاقة
ومثل سباح ماهر ينطلق في الماء
تمخرين، بابتهاج، المدى الشاسع العميق
بلذة رجولية، لا توصف

حلقي مبتعدة عن هذه العفونات المّرّضية
اذهبي وتطهري في الأعالي
واشربي، مثل شابٍ صافٍ وإلهي
النار النقية التي تملأ الأمداء الصافية

ووراء المتاعب، والهموم الشاسعة
التي ترهق بثقلها الوجود الغائم
سعيد هو ذلك الذي يستطيع بجناح قوي
أن ينطلق نحو الحقول المضيئة والصافية؛

ذلك الذي تنطلق أفكاره، مثل الطيور
نحو سماوات الصباح في انطلاقة حرة
الذي يحلق فوق الحياة، ويفهم بلا جهد
لغة الأزهار والأشياء الصامتة.)
أعيد أنشادها في بهجة الطبيعة الدنمركية الخلابة وحقولها الخضراء منتشياً
حتى أنني عدتُ أستطيع الكلام مع الأزهار والحجر والتراب وشعاع الشمس والعشب في نشوة ليس ما بعدها نشوة.
هل ما أكتبه أضغاث أحلام منفي قَشَرَهُ الوجد وجعله ناعماً لا يستطيع سوى العيش بأحلام يقظةٍ وخيالات تنبعث من ماضٍ بعيد قريب من صرة الأرض، أم أن هذا الوجد الذي جعلني صريحا أصور ما أرى بعمق وكما أراه حتى أن الجميع بات يغضب مني لا بل يهاجمني ببذيء الكلام؟!.
البارحة عن لي تقليب ألبومات صوري الفوتوغرافية المكدسة في خزانة لا وقت لدي لمراجعتها، فعثرت على صورة تجسد ما ذهبت إليه من هيام ومعانقة لغة الأزهار والطيور والحيوانات. صورة في حقلٍ أخذت معي صديقٍ للتجوال في مناخي الخاص السري. أتذكر تفاصيل المشهد. كان الجو غائماً والحقول تحفها الغابات، وحينما مررنا بحقل خيول محاط بسياج سحرني مشهدها فوقفت، قال صاحبي وكان يحمل كاميرا:
- ماذا بك يا صديقي؟
قلت له على الفور وعيناي تتابع حصان توجه نحوي حال رؤيتي:
- شوفه أجه يريدني!.
علق ضاحكاً:
- ادري سلام أعرفك مجنون من كنا طلاب في متوسطة النهضة بالديوانية!. ما علاقتك بحصان بحقل لو كنت مربيه معقولة!.
وظل يسخر ويسخر فهو يعيش قبلي في الدنمرك بأكثر من عشرة أعوام. تصلبت مثل مسيح جوار سيم السياج حتى أقترب مني مع صاحب له. مددت ذراعي واحتويت بكفيّ وجهه وقبلته في جبينه قبلة محبٍ لا يعرفها إنسان قط. وحده حصان الحقل أحس بما في تلك القبلة من وجد ومعنى. وشكرا لصديقي الذي ثبت تلك اللحظة وظل يضحك طوال سهراتنا في الأيام التالية وهو يحكي للآخرين كيف جاء حصان في حقل كي أقبلة وأضاف بأنه رأى أن الحصان سقطت من عينيه دمعتان
كان يموت من الضحك ويكرر
- ولكم سلام بكى ويه الحصان.