يومي الدنمركي2 مقتدى الصدر في الدنمرك

سلام إبراهيم
2015 / 7 / 29

يومي الدنمركي2
مقتدى الصدر في الدنمرك
سلام إبراهيم
في المحل القريب من سكني يعمل شاب صغير السن طويل القامة، وسيم الملامح نشأ ودّ بيننا وأنا أكاد أتسوق يومياً منهم. المحل يعود لبيت الحلو وهي عائلة عراقية من المدينة بالبصرة نشطت تجاريا في كوبنهاجن وفتحت عدة محلات في عدة مناطق تبيع بأسعار معقولة البضاعة العربية والخضروات. لم يكن الشاب ملتحياً وكنا نتبادل أطراف الحديث، فوجدته مهتماً بالسياسة ومتحمساً في متابعة أخبار العراق. في كل مرة كنت أركز على فكرة الإنسان وحريته، وأقول له وللعاملين الآخرين بأن ديني الإنسانية وأحلم بنظام اجتماعي يشابه النظام الذي نعيش في ظله هنا في الدنمرك، متحاشياً الخوض في التفاصيل. فقد كنتُ في سنهم شديد التعصب للفكر الماركسي وأشتبكْ مع كل من يناقض زاوية تحليله للإحداث متحمساً أشتعل وكأني أود محق الرأي الآخر حالماً بأن هذا الفكر يحمل البلسم الشافي للبشرية لتحقيق العدالة الاجتماعية بوطن لا فقير فيه ولا غني. ما زلت مؤمناً بذلك لكن دون تعصب وأنا أعيش الآن في ظل نظام اجتماعي بنته منذ أكثر من ثمانين عاماً الأحزاب الاشتراكية الديمقراطية المنبثقة من أممية ماركس الثانية والتي وصلت إلى السلطة ديمقراطيا عن طريق صناديق الاقتراح. يوما بعد أخر بدأ –أحمد- وهو أسم هذا الشاب العراقي يتحول، أطلق لحيته، وراح يتحرش بيّ كلما مررت بهم مروري اليومي، فنتحاور على عجل اختصر الكلام وأغادر تاركاً لوعةً في وجهه خلفتها رغبته في مواصلة الحوار معي. في كل مرة أتهم سلطة الطوائف التي أتى بها الاحتلال في مواصلة تخريب العراق الذي بدأ به الدكتاتور –صدام- وحزبه وأداتها الأحزاب الدينية التي أفلست خزينة أغنى بلد في العالم في ظرف عشر سنوات. ولما كان صدرياً فقد كان يوافقني لكنه يلقي تبعه السرقة والإفلاس على القوى الأخرى كالمالكي وعمار الحكيم. وكنت على عجل أبتسم وأقول له كلهم مشاركين في نهب ثروات العراق التي من المفترض أن تقسم على أبنائه.
الشخص الذي يدير المحل نما بيننا وداً شديدا. حتى انه أخذ يعاتبني كلما غبت أياماً وأسمه –صباح- لطيف وسيم ثلاثيني شارك في انتفاضة آذار 1991 ونزل في معسكرات "رفحا" القاسية في السعودية، وكان قدره الدنمرك. استشفيت من خلال الحوار معه هواه الصدري أيضاً. كنت صريحا معه وصار لنا أكثر من خمس سنوات نتحاور هو متابع دقيق لما يجري في العراق، وكما هو معلوم يلقي هذا التيار الذي يبدو ظاهرا مدافعا عن الفقراء ويدعو إلى المساواة في وضوح خطابهم العلني الذي سحب البساط من اليسار العراقي والحزب الشيوعي العراقي زمن أفوله، لكن ممثليهم في السلطة والوزارات نماذج للفساد والنهب، والكذب والتبرير يتألق بينهم المدعو "بهاء الأعرجي" الذي رأيته في مشهد يزور فيه جبهة قتال "الفلوجة" يسحب حبل المدفع وهو يرتدي ملابسه الأنيقة. نفس الحبل الذي كنا نسحبه في الدقيقة مرات لا تعد في هجوم مجنون حينما كنت جنديا في جبهات القتال. لا ننام الليل وقت احتدام المعارك. الأعرجي بهاء سحب حبل القدح في المدفع مثلما فعل الدكتاتور –صدام- في إحدى زياراته للجبهة. ستتكشف الأيام عن مبلغ سفالة هؤلاء وحجم سرقاتهم لأن مثل هذي الأموال لابد أن تودع في بنوك العالم.
صباح لم يتعمق معي في حوار ويدرك أبعاد قناعتي، وأنا كذلك، نتحاور لكني لم أحيد عن إنسانية موقفي ورفضي لكل ما يجري معتبراً أن وجود "داعش" وحربها نتاج سياسات القوى السياسية المتصارعة التي أتى بها الاحتلال الأمريكي ليفتت العراق قطعا هزيلة ضعيفة فيصير النفط شبه مجاني كما هو الحال الآن. بينما يعزو "صباح" ذلك لأمريكا وحدها.
قبل أسبوعين صحبني صديقي الدكتور فاضل السوداني لنقضي ليلة في بيتي حيث كنت وحيدا وناهده في برلين. مررنا في المحل لنبتاع بعض الأشياء فوجدت صباح واحمد فقلت لهم:
- أعرفكم بالدكتور فاضل السوداني أستاذ المسرح ممثل ومؤلف ومخرج ودارس أصدر كتب عديدة ويزور العراق باستمرار وهو من عمق العمارة من الهور!.
والتفت لصديقي فاضل قائلا:
- الجماعة صدريين!.
كنتُ خبيثاً ففاضل شديد الصراحة، يشخص الأشياء كما هي فذهب مباشرةً نحو "مقتدى" وأبدى رأيه فيه وفي الحوزة والدين وما صار إليه العراق في ظلهم السرقة والبؤس والموت والفقر والخراب وتفتيت الوطن والإنسان بحجج واضحة لا لبس فيها. صباح توتر وكاد يجن ولم يستطع الكلام كان مستعدا للعراك، بينما كان الشاب "أحمد" الواقف خلف منضدة الدفع ينتظر فراغ فاضل كي يرد بحماسة الشاب المعبأة أيدلوجياً لكن فاضل لم يعطه الفرصة فقد أكمل عامه الثامن والستين وشاف وعاف كما يقال. ترجاه أحمد كي ينتظر كي يرد عليه، لكنا كنا مستعجلين كي نجلس في شقتي نشرب ونتحاور ونتذكر ونتكلم عن مشاريعنا الكتابية. لم انبس ببنت شفه كما يقال. التفت فاضل نحوي حال خروجنا إلى ليل الشارع الرائق:
- سلام معقول يفكرون بهذي الطريقة وهم يعيشون في ظل هذا النظام الاجتماعي!.
- مثل ما شفت فاضل مثل ما شفت فكيف بهم في العراق!.
في الأيام التالية مررت كالعادة كي أبتاع شيئاً، فشكا لي "صباح" قائلا:
- صاحبك يا أخي يحكي على "مقتدى" تصور!.
كنت أقابله ببسمة سارحة متأملاً كلامه والكيفية التي يفكر فيها السياسي العراقي بالأشخاص والأفكار والصراحة، فهو مثلا فسر وجهة نظري رغم شدة وضوحها المتعلقة بنبذي لكل تفكير طائفي بأنها لا تمس معتقده المطلق بمقتدى الصدر ألهه الأرضي.
- معقولة دكتور ومثقف يحكي عن الصدر وعائلته المناضلة هكذا!.
قلت له ضاحكاً:
- صباح أخي دكتور فاضل تكلم عن سرقة ثروات الوطن والفساد وجماعة الصدر لهم نصف الوزراء في كل حكومة!.
- لكن الصدر ليس له ذنب!.
فماذا أقول، وفكرت بمحنة الوطني العراقي المتحمس وهو يواجه ملايين ممن لا يناقش ولا يفكر ومستعداً للموت من أجل طائفة وهو يموت جوعاً ويعيش الفاقة بكل معانيها
يا إلهي أي وطن أحالوه إلى حطام!.
البارحة مررت كالعادة عصرا بالمحل، فوجدت الشاب الجميل "أحمد" خلف الدخل. تسوقت فسألني هل لديك صفحة في الفيسبوك، قلت له طبعا لدي وصفحتي أعرض فيها أفكاري، ومقالاتي وكتبي، وصوري وكل شيء، قال مبتسماً ابتسامة عريضة :
- أكيد تهاجم فيما تكتبه مقتدى الصدر!.
أجبته على الفور:
- لا من قال لك ذلك
- ...!.
بدا الحرج على قسماته. تضرج، فاحمرت قسماته فأدركت انه نقي وشديد الحساسية. لم يعرف بم يجيب، وكي أنقذه من إحراج الموقف سألته عن ورقة وقلم وكتبت له أسمي بالإنكليزية كما هو مكتوب في صفحتي بالفيس وطلبت منه أن يبعث لي بصداقة وسيكون بمستطاعه الإطلاع على أفكاري ووجهة نظري بالتفصيل. وأخبرته بأني قد وضعت العديد من الفيديوهات التي أتحدث فيها عن وجهة نظري في الحياة. ما أن أكملت دفع ما تسوقت حتى قال بعثت لك طلب الصداقة. عدت إلى شقتي ودخلت على صفحته وكما توقعت كانت خلفيتها صور لشهداء عائلة الصدر وأخرهم مقتدى وجملة تقول:
" من صدرٍ إلى صدرٍ حتى ظهور المهدي".
جعلت أتأمل الصورة وهذا التدله بالموت وانتظار المنقذ. كنت مثله وقت شبابي الثوري أنتظر المنقذ المستحيل حالماً بثورة مسلحة تكتسح المجتمع والجميع وتقضي على الفساد وتبني مجتمع المدينة الفاضلة. كنا نحلم بجيفارا ممزوجاً بصاحب الزمان "المهدي المنتظر" حتى أن صديقي الراحل علي الشباني كتب قصيدة شهيرة في عام 1967 بعنوان "صاحب الزمان" وهي قصيدة تنتظر ظهور المهدي جيفارا العراق كي يحقق:
(دنيانه عمت والشوف كلمة غيظ
رد إلها النذر الأخضر
تراها بغيبتك تفتر
تظل تفتر
لمن سيفك يزيح الشر)
كنا نتغنى بها وبالعنف الثوري ونحلم. لكنني شعرت بالغضب من "أحمد" الذي بمثابة أبني. شغلني منذ البارحة ومنذ اللحظة التي رأيت فيها شعار صفحته في الفيسبوك. غضبي يأتي من أنه يعيش في منظومة مجتمع حقق الحد الأعلى في تاريخ الحضارة البشرية في العدالة وتوزيع الثروات واحترام حقوق وحرية الإنسان، لا جائع لا متشرد إلا بإرادته.
اليوم نزلت قاصدا المحل عصراً. استقبلني "أحمد" بوجهٍ باسمٍ رغم دكنة لحيته شديدة السواد. كنتُ غاضباً منه، غاضباً من شعاره المنشور في صفحته، محتدماً. كان يقف أمام باب المحل يتحدث مع شخص لبناني بدا من لهجته. قدم من عمق المحل المشرف الذي أعرفه منذ أكثر من عشرين عاماً قلت له بلهجة قاطعة غاضبة يسمعها مني أول مرة:
- أسمع أحمد عمو
هكذا يناديني كلما وقع نظره علي.
- أسمع عمو احمد قبلت صدقاتك في الفيسبوك لكن لدي سؤال واحد أجبني عليه:
- هل هذا المجتمع الذي نعيش فيه يحتاج إلى ظهور المهدي المنتظر كي يحقق الحق ويبسط العدالة الاجتماعية.
قلت بلهجة قاطعة محدقا بعينيه اللتين رفتا بحرج وتضرج. أعدت السؤال عن ضرورة "مهدييه" المنتظر وجدوى ظهوره هنا في المجتمع الدنمركي. فأمعن في صمته وجعل ينظر نحوي مستنجدا، فقلت له:
- أحمد لا هنا لا يحتاجون إلى منقذ منتظر لا يحتاجون!.
- ...!.
لازم الصمت وحملق بيّ مثل تائه أردفت:
- فكر "أحمد" فكر بما قلته.
تركته في صمته وركبت دراجتي الهوائية راجعاً لمأواي