التحريض على القتل والفجور

ميشيل نجيب
2015 / 7 / 29

من المؤسف له فى مصر الحضارة أن تفقد الدولة هيبتها وسيطرتها وتفعيل قوانينها سواء بإرادتها أو رغماً عنها، أمام طوفان التخلف والرعب والخوف المرضى من جسد المرأة الذى أصبح قنبلة موقوتة أكبر تأثيراً من القنابل النووية، حتى يترك الغالبية مكافحة التطرف والإرهاب ويتفرغوا فى البحث عن الفيديوهات الموجودة فى الأفلام أو على الأنترنت للعثور على بعض المشاهد التى تصلح قضية كبرى من الخطورة بمكان أنها يمكن تدمير الدولة بأجمعها، لذلك من حسن أخلاقهم وتقواهم وخوفهم على الدولة والمجتمع من إرهاب الأجساد والرؤوس النووية النسائية التى ستفتك بالرجال، فإنهم تخصصوا فى رفع القضايا أمام القضاء يتهمون فيها هذه الفنانة أو تلك بأن جسدها مصدر الفسق والفجور ونشر الرذيلة، والقضايا كثيرة وفى إزدياد لأن من يقومون بتقديم الإتهامات ضد الفنانات يحظون بالشهرة السريعة من إستضافتهم فى البرامج الفضائية وما يدخل جيوبهم من أموال للسبق الإعلامى ومن يدفع اكثر يذهبون للحديث عن معاركهم البطولية فى مكافحة الإرهاب النسائى الذى أشعل النيران فى البيوت والمساجد والكنائس ودمر المعابد وقتل الأبرياء، لأن هذا هو الكفاح الذى يرضى عنه إلهه وضميره، بينما الإرهاب الحقيقى الذى يقوم به داعش والإخوان الإرهابية هو مقبول عند إلههم.

التحريض على الكراهية والتكفير والقتل وما أكثرها من دعوات صريحة على الفضائيات ومنابر المساجد، لا يستطيع إنسان أن يتفوه بكلمة نحوهم لأنهم رجال بل رجال دين، لكن أن نقرأ الخبر الذى يقول: { قررت نيابة العجوزة شمال الجيزة، الاثنين، إحالة الراقصتين شاكيرا وبرديس إلى محكمة الجنح، في قضية إتهامهما بـالتحريض على الفسق والفجور ونشر الرذيلة، وحددت المحكمة الخميس المقبل، أولى جلسات محاكمتهما}. راقصتين لم تقتلا أحداً ولا يوجد شهود على أنهم أرتكبوا الزنا لكن تهمتهم أنهم نساء قاموا بالرقص بطريقة خليعة، قل ما تريد أن تقول فى وصفه لكنك تعرف وعلى يقين قبل أن تشاهده أنه رقص تقوم به نساء، وماذا تنتظر من نساء ترقص هل تنتظر أن تكون وجوههم عابسة أو أجسادهم مغطاة من أعلى الرأس إلى أخمص القدمين؟ فإذا كان الرقص أو العرى يثيرك ويسبب لك هوساً جنسياً فلماذا تتعمد مشاهدته وبعد أن تتمتع برقصهم ترفع قضية ضدهم على فسقهم وفجورهم؟

أين المثقفين من تلك القضية البلهاء والباطلة وماذا تعنى إتهام إمرأة بأنها تنشر الرذيلة والفسق والفجور ولماذا لا تحاكمون الرجال الذين هم حجر الأساس؟ هل المرأة تجبر الشباب والرجال على مشاهدة رقصاتهم الخليعة أو ملابسهم التى تكشف عن أجسادهم؟ أين عقولكم يا سادة.. لماذا أصلاً تشاهدون تلك الرقصات الخليعة ولماذا لا تقارنونها بمشاهد النحر والذبح وقطع الرؤوس التى تقوم بها داعش والإرهابيين؟ ولماذا لا تجعلون تلك المشاهد الداعشية تهمة وهى تهمة أكبر وأعظم عند الخالق الذين تؤمنون به؟ أم أن أى شئ يخص النساء عار حتى ولو لم يؤذى أو يقتل أحداً ويجب معاقبتها عليه وتعتبرونها من الفضائح الكبرى؟ أما ما ترتكبه التنظيمات الإرهابية من قتل ونحر الرؤوس وسفك الدماء بطولة وشجاعة لهم حرية إرتكابها بل وتستحق التمجيد والتكبير؟!!

لماذا لا يدافع المثقفين عن ثقافة المجتمع الإنسانية ضد الثقافات الوافدة من المجتمعات الصحراوية التى تفرض نفسها بأسم السلفيين والإخوان المسلمين؟ هل الثقافة المصرية ومثقفيها أصابهم التخلف والمرض والهوس الوهابى وتناسوا إننا بشر نعيش فى مجتمع أساسه المحبة والأخوة والسلام والتعاون لبناء حاضرنا ومستقبلنا معاً؟

لقد أوقع القضاء المصرى نفسه فى فخ التنظيمات والجماعات الإرهابية والاحزاب الدينية، وأرخى أذنيه للشعارات الدينية التى تعتبر المرأة عورة يجب معاقبتها على عورتها هذه بينما رجال الدين يقومون بالتحريض فى كل مكان بفتاوى التكفير والقتل بينما رجال القضاء ومن يرفعون القضايا ويقدمون الإتهامات يعجزون أو بمعنى أدق يفضلون القتل ومن ينادى به أن يكون حراً لكن النساء أى حركة يقومون بها يجب معاقبتهم عليها باسم الفسق والفجور ونشر الرذيلة، لقد سيطر التخلف على أفكار القضاة وسجنوا أنفسهم فى قضايا الحسبة وما يظهر من أجساد النساء، لكن القتلة والإرهابيون يتركونهم لأنهم قد أخترقوا عالم القضاء وجلسوا فى وسطهم كما فعل مرسى الإخوان وأطلق سراح القتلة والإرهابيين من السجون، وها هو الزمن يعيد نفسه لكن هذه المرة ليفضح النخب جميعها من مثقفين وقضاة ورجال دين ومسئولين عن الأمن وحماية الوطن من الإرهاب الحقيقى.

إصلاح المجتمع لا يأتى عن طريق التكفير وما يتبعه من سفك دماء وأصحاب دعواته طلقاء يتمتعون بالحرية، وإصلاح المجتمع لا يأتى من الزج بفتيات فى السجون بإتهامات الفجور والفسق لا محل لها من الإعراب إلا عند البدو المتخلفون الذين يريدون نهش لحوم وأجساد النساء أحياء وأموات، العار كله عندما يترك الشعب والمؤسسات الدينية ورجال القضاء الإرهابيون الذين يحرضون على الفتن والقتل طلقاء يسعون فى المجتمع فساداً دون عقاب أو إتهام، بينما تتهم النساء بتهم جديدة إخترعها هؤلاء الإرهابيون ولم يكن لتلك التهم وجود فى مجتمعنا المصرى وكل هذا بحجة حماية الدين وحماية المجتمع، أليس من الأفضل حماية الشعب والمجتمع من القتلة والإرهابيون الذين يسفكون الدماء ويصدرون فتاوى التكفير كما يحلو لهم؟
إن تلك الإتهامات بفساد الأخلاق وتخصيصها للمرأة وليس للرجل هى أكبر مؤامرة على الوطن والمقصود بها توسيع دائرة النفوذ الإرهابى المدمر والمخرب للمجتمع المصرى، إنها إتهامات تبرز الآن لتقول للجميع أن عقيدة التطرف التى يتم تدريسها ووضع مناهجها الإخوان المسلمين والسلفيين ستكون سيفاً على رقاب الصامتين من رجال الدولة المثقفين الذين يعرفون خطورة مثل تلك القضايا والإتهامات التضليلية، والتى القصد منها إبعاد العيون عن ذئاب التحريض بالكراهية والفتنة والطائفية والقتل، ذئاب التكفير الذين سيدمرون الأخضر واليابس تحت مسمى الدفاع عن الأخلاق ومحاربة الفساد بفتاوى الدين ضد النساء!!!