لمن الحق، وأين هو الحق في عالمٍ مات فيه الحق؟!

فلورنس غزلان
2015 / 7 / 28

لا أحد ينزل، لا أحد يتنازل...لا هبوط ....إلا لطائرات تحمل البراميل والصواريخ ...لا أحد يفكر في التنحي أو التنفس والتوقف ...ثم الحوار.....الجميع محق!...الجميع صاحب حق!....الجميع يريد حصة " الأسد" !...إلا الشعب السوري يريد سلته بعنب معجون بدم الحرية...يريد وطناً يتسع لكل أبناءه....يريد سلاماً دائماً فوق أرضه المرسومة منذ " سايكس بيكو" ...قَبِلها ومازال قابلاً بها....فلماذا تريدون مسخها، فقد سبقتكم إسرائيل بعملية اقتطاع ...ربما تتحول لأبدية؟ !!.
ــ كل دول المنطقة دخلت الحرب...كل المغامرين والمقامرين بالإسلام الجديد ...بكل ألوانه ورعاته ...منذ تأصل في أفغانستان على يد ابن لادن وطالبانه، أو الظواهري وأعوانه ودُعِمَ وترعرع على يد أمريكا...إلى أن وصلت أذرعتهم إلى البغدادي والجولاني ...وعلوشي وقحطاني ومثنى ومفرد لايجمعهم إلا هدف تقاسم الكعكة السورية باسم الإسلام" السني الصحيح" ...إسلامهم كما يروه ...وكل ماعداه كافر لايحق له العيش ..تجمعوا على أطرافك الرخوة ياوطني المنكوب....فقد وجدوا في حقول الأسد مرتعاً خصباً لتطوير وتحويل الأنظار والجهود...وقد استطاعت اليد الأمريكية" الصديقة الحانية"! أن تلعب بالجميع كعرائس الماريونيت..ـــ وهل من مسرح أحلى وأجمل وأبعد من المسرح السوري؟ـــ منه بدأت شرارة الانطلاقة الأولى نحو شرق أوسط مختلف ...يُدَّمر نفسه بنفسه ....ويرتدي مايُفَصَّل له ...حتى لو جاء على غير مقاسه....المهم أن يأتي على المقاس الأمريكي...ويستحسنه العربي الغبي...القابع في أبراج الإدارة والقرار، والمتحكم بمصائر الصامتين المصابين بجذام وجودهم.
أُجهضت كل الثورات التي قامت في المنطقة ...وأحيلت على معاش الموت..والتذرر...ولم يبق منها في ميدان الثورات قائما على قدمين تهتزان وترتجفان رعباً سوى تونس....المهددة دائماً ...ونرجو لها أن تصمد ...كي لايموت فينا الأمل ولا يُقتلع الحلم....الجميع دخل معمعة الاستنزاف أو التدمير الشامل والاقتصاد المنهك متبدد الثروات....من اليمن إلى مصر فليبيا ...وسوريا ...ناهيك عن الدول العربية التي أدخلت أصابعها لتلعب وتسوي الخرائط حسب مصالحها أو مصالح من تنوب عنهم في رسم المنطقة، موعودة بالحظ الوافر والنفوذ القادر على بسط سيادة المذهب الصافي، أو دحر عدو مذهبي يتربص ويقتنص الفرص...يلعب بذكاء ودهاء فارسي لم ينس تاريخه الإمبراطوري ، ولم يقتل المذهب طموحه القومي التوسعي.
فغرقت حتى أذنيها ببحيرة سياسة عميقة وضحلة....تستنزف كل مدخراتها وقدراتها ...نفطية كانت أم بشرية أم اقتصادية كما ستخسر نفوذها ــ المهتز أصلاً ــ في المنطقة ...لصالح عدوة قديمة وصديقة صاعدة لأمريكا والغرب .. ايران بالطبع...فيما يتم سحب كل الخيوط من يد هذه الدول العربية سواء مصر أم السعودية أم كل الإمارات النفطية والسلطنات المتلطية هنا وهناك إلى أن تجد نفسها عارية إلا من ورقة توت ...تغطي عريها الأعمى والغارق في وحل التطرف الديني الذي تحاربه خارج حدودها ...مع أنه منتجها وبذارها، الذي تعبت على نشره في محيطها ، وهاهي الألعاب الأولمبية السياسية التي رسمتها سياسة العم " أوباما"....تتمكن أخيراً من إدخال تركيا في حلبة المصارعة الشرق أوسطية...فتدخل بعد أربع سنوات من الصمت على دور داعش وتمهيد الطرق أمام عناصره ، لتحارب داعش أو لترد عليه حين بدأ يخرج عن الطاعة ...ولا يستمع إلا لمصالحه الخلافية...وتنتهز هذه الفرصة لتنتقم من عدو قديم راح يتجدد ويتمدد في خضم الحرب السورية...وأعني به حزب البي كاكا...الأوجلاني ...رغم أنها تشترط على أمريكا بعض شروط طالبت بها سابقاً ...وربما تحصل عليها الآن من خلال المساومة ، فضرب داعش والحرب عليه، والسماح لأمريكا باستخدام قاعدة أنجرليك التركية لانطلاق المقاتلات نحو الأرض السورية حيث خلافة البغدادي، مقابل منطقة حظر جوي وشريط حدودي آمن يلم كل السوريين بعيداً عن تركيا ..ويمهد لإقامة كانتون يحول دون إنشاء دولة كردية ...وإن تم قصفه من هذا الطرف أو ذاك ...فالموت يأتي على السوريين وحدهم...! كما تتحول المسؤولية تجاه اللاجئين السوريين من تركية فقط ...إلى أممية .
لكن السؤال الموجه لحكومة أردوغان: هل يؤتمن جانب أمريكا ويوثق بمصداقيتها؟ وهل تبطن لحكومتك فعلاً ماتعلنه؟ أم أنها تريد إنهاك الاقتصاد التركي النامي المثير للإعجاب والقلق، وترغب بإتاحة الفرصة للفارس الفارسي القادم على عجلات النادي النووي العالمي؟...وبنفس الوقت تفتح عليك أبواب معارضات جهنم في عقر دارك وخاصة من الجنرالات المتقاعدين والمعفيين أو المهمشين في حكومتك؟ ــ ولا تنس أن أمريكا تفضل العسكر على الدوام في تعاونها وحلفائهاــ خاصة حين يطول أمد الغرق في حرب يقول عنها شيوخ العلم وخبراء الحروب ، أنها ستطول أعواماً عديدة....لأن داعش التي برزت بفضل مخطط ما ، وإستراتيجية غبية قصيرة النظر، وساعد على بروزها عوامل ذاتية في المنطقة المؤهلة ثقافياً والمعبأة من خلال استدامة أنظمة عسكرية أسرية ديكتاتورية، استطاعت وخلال مدة وجيزة أن تقف بوجه جيوش منظمة من عدة دول، وقصف متواصل للطيران الحديث والدقيق ، بل وتتوسع في أكثر من منطقة...ولم تندحر بعد ...ربما أضعفت، لكنها لم تهزم، ومازال وهج إسلامها الحديث يستقطب ويأتي بالمزيد ليحرق الأخضر واليابس، فهل دخول تركيا الحرب في سوريا...هو لصالح مستقبل سوريا وتركيا أيضاً؟ ...كيف نفسر إذن ...ماحَلَّ عليكم من إمكانيات تمنع تسلل آلاف السلفيين الداعشيين خلال الأيام القليلة الماضية، ولم تقوموا بها خلال أربعة أعوام خلت ...أذاقت فيها الشعب السوري الويلات ، وكانت سبباً في قدوم المزيد من اللاجئين السوريين لأرضكم؟ وكيف يمكن المساهمة في انهيار نظام الأسد ...طالما أن القصف التركي والأمريكي لن يطال قواته ، مع أنه سيمنعها من الطيران في المنطقة المحظورة فقط...فهل سيمنع من قصف حلب ودرعا؟ ومامصير باقي المدن السورية واللاجئين السوريين في لبنان والأردن؟...هل سنطلع قريبا على خفايا أو بنود جديدة ومفاجئة دارت بينكم وبين أمريكا؟ ...علماً أن السوري لم يعد يتفاجأ بشيء...فقد أُشبع مفاجآت ...أبسطها الرحيل والغرق والموت تعذيباً وتجويعاً...وأكثرها ضررا هذا التشرذم وأخبار التقسيم واستمرار الحرب الطاحنة...التي تخطف أجمل الشباب وتفتك بالوطن والحلم.
ــ باريس 28/7/2015