تشكيل الوعي

ميلاد سليمان
2015 / 7 / 27

تشكيل الوعي


العمل الأول في حياة أيّ فنان، وفي أيّ مجال، هو تذكرة دخوله لعالم جديد، هو لحظة إلتقاءه بالجمهور العريض مِن حوله، لحظة المواجهة بمن ينتظر فنه وإنتاجه. إلتقاء الذاتي الفردي الداخلي بالخارجي الجمعي. لذلك فقد يُعتبر؛ بشكل ما، العمل الأول، مقياس نجاح أو فشل، صعود أو هبوط، تقدم أو تأخر، هذا الفنان.

وفي السينما يلعب الفيلم الأول، عمومًا، دورًا في هذا، ولكن يظل الفيلم التسجيلي، خصوصًا، هو الأكثر انتشارًا وصاحب الغلبة عند المتلقي، فهو الأقرب لوجدان المشاهد والأكثر صمودًا أمام الزمن، حيث أبطاله على الشاشة هم أبطاله في الواقع، ما يقومون به اثناء وجود الكاميرا، هو نفس ما يقومون به، غالبًا، في حياتهم اليومية العادية، دون تدخل بالديكور أو الممثلين، ودون نص حواري مكتوب، مما يعطي التسجيلي بُعد أعمق في الوعي الإنساني.

وفي السينما العالمية، في فرنسا، كان أول فيلم يظهر للنور، فيلم تسجيلي، فقد سجّل الأخوان أوجست ولويس لوميير Auguste & Louis Lumiere اختراعهما لأول جهاز يتمكِن من عرض الصور المتحركة على الشاشة في 13 فبراير 1895 في فرنسا، على أنه لم يتهيأ لهما إجراء أول عرض عام إلا في 28 ديسمبر من نفس العام، فقد شاهد الجمهور أول عرض سينماتوغرافي في قبو الجراند كافيه Grand Café، الواقع في شارع الكابوسين Capucines بمدينة باريس. وكان هو فيلم "وصول القطار إلى المحطة"، فيلم وثائقي قصير صوره وعرضه الأخوان لوميير، ورغم أن الفيلم لا يحتوي على مضمون معين ويكتفي بعرض عملية وصول القطار إلى محطة مدينة لاسوت إلا أنه حصل على شعبية كبيرة وأحدث ضجة لدى الجمهور الذي لم يكن جاهزًا بعد من الناحية النفسية لتقبل صورة حية لحركة القطار وهو يأتي من بعيد ويقترب تدريجيًا إلى الكاميرا/ الشاشة ثم يحتل الكادر كاملا لكي يعطي انطباعا بالضخامة، حتى إن بعضهم قفز من على الكراسي معتقدًا إنه قطار حقيقي!!. وكان فيلمهما الثاني "خروج العمال من المصنع" لا يقل عن الأول في جديته وأهمية موضوعه.

ورغم أن الفيلم يعتبر من ناحية تصنيفه فيلما وثائقيًا/تسجيليًا فإن الكثيرين كذلك يعتبرونه أول فيلم فني، ذلك أن الذين يظهرون في الكادر هم في معظمهم من أصدقاء وأقارب الأخوين لوميير اللذين قاما بدعوتهم للسفر على متن ذلك القطار من أجل تصوير الفيلم.

وفي مصر، كان قدوم هذا الاختراع الجديد مبكرًا. وكانت مصر من أوائل الدول في العالم التي عرفت هذا الإختراع. في أقل من عام على مرور أول عرض سينمائي على مستوى العالم ( باريس 28 ديسمبر 1895)، كان أول عرض هنا في مصر في الإسكندرية (5 نوفمبر 1896).

وقد قاما "عزيز ودوريس" بإنتاج أول شريط سينمائي مصري صامت بإسم "زيارة الجناب العالي للمعهد الديني في مسجد سيدي أبو العباس" 1907، وهو الميلاد الحقيقي للسينما المصرية ومنه يتم التأريخ لفن الفيلم في مصر، بحسب أغلب النقاد، كما سبق ورأينا الاحتفال بمئوية السينما المصرية 2007. وفيه يظهر الحاكم لحظة دخوله المعهد الديني والحفاوة والفرحة تظهر على الجماهير المحتشدة من حوله. وقام الفيلم في هذه الفترة بخلق نوع من التواصل والرباط الشعبي بين المشاهد/ المُتفرج والباب العالي من خلال زيارته لمسجد أبي العباس، حول علاقة الحاكم بالمحكوم، ومحاولة إذكاء المشاعر الروحية ودمجها بالمشاعر الوطنية.

والمفارقة بين العمل الأول الفرنسي، والعمل الأول المصري تبدو واضحة صارخة في تباينها، فبينما ظهر الفيلم الوثائقي الأول في فرنسا باعتباره تعبيرًا عن الواقع الحي العفوي، أي عن حياة الناس العادية كما يمكن تلمسها في محيطنا المباشر ("الخروج من مصنع لوميار"، "دخول القطار إلى المحطة"،...)، وارتبط، من ثمة، بمفهوم الاكتشاف ومعرفة العالم الإنساني اليومي. لكن جاء الفيلم المصري ليتخذ وجهة مختلفة تتمثل في الانشغال بتغطية نشاط الدولة الرسمي ممثلا في التحركات والتنقلات التي تقوم بها الطبقة السياسية أو الحكام العرب على وجه الخصوص، بجوار البُعد الديني الواضح في الموضوع، وكأن الفيلم يخلق ذلك التزاوج بين الدين والسياسة في شعور المتفرج.