النهوض السويسري والانهيار المصري

ميشيل دانيال
2015 / 7 / 27



ما بين النموذج السويسري والانهيار المصري

* عندما دخلت سويسرا في عام 2010 لم أهضم بسهولة الفارق الرهيب بين ما يحدث في دولة تحترم حرية مواطنيها حتى الثمالة ، وبين نموذج مصري حكومي ديكتاتوري يقوم بدور الرقابة القانونية القاتلة على كل فعل وفكر يقوم به ويهمس به أي فرد من أفراد المجتمع المصري .

** فشتان بين دولة تقوم على نظام الاختيار الحر ... فأعضاء البرلمان السويسري يتم اختيارهم بالاقتراع الحر المباشر ، وفي انتخابات تخضع لأقسى وأعلى اختبارات الدقة والنزاهة ، ولم يتطرق الشك أو الطعن مرة واحدة في تزوير أي نتيجة من نتائجها ... لذا فالحكومة التي يتم تشكيلها تكون ممثلة لرأي أغلب الشعب ، ولذلك أيضا ً يرضى عنها كل الشعب - حتى ولو كانت النتيجة غير مرضية للمخالفين .

*** وعندما يتم إقرار قانون من القوانين فإنه قبل إقراره لا بد من أن يمر بعدة خطوات :
1- تقدم عضو ممثل مختار بمشروع القانون .
2- جمع مليون توقيع بالموافقة على القانون ( كمشروع ) .
3- ثم يتم طرح القانون للتصويت العام ... فإذا وافق عليه أكثر من 50 % صار حتما ً - ولا بد - من أن يتم إقرار هذا القانون .. ولهذا فإن المشرع في سويسرا هو الشعب ، وليس الحكومة ، ولذا أيضا ً يمكن القول إن الحكومة والنواب هما أداة لتوصيل إرادة الشعب وتفعيلها .

**** أما على الجانب المصري .. فيمكن القول بجسارة إن النموذج المصري خلال ستين سنة ماضية على الأقل لم يمر بأي انتخابات نزيهة كاملة النزاهة ، وأن القوانين التي مرت ، وتم إقرارها مرت رغما ً عن الغالبية التي لا تعلم عنها شيئا ً إلا وقت صدورها - اللهم إلا شلة من المنتفعين والمصفقين وحملة المباخر وسدنة السلطة .

***** في النموذج السويسري يتجلى جانب اقتصادي رائع قائم بذاته مثير للعجب .. فها دولة لا تملك من مصادر الطاقة شيئا ً أو من المعادن ما يذكر أو غيرها من الثروات الطبيعية ، إلا ما حباها الله به من الخضرة الدائمة المزهرة ، ومصادر المياه غير المنقطعة ، ومع ذلك فهي من أعظم دول العالم اقتصادا ً ، رغم أنها لا تملك - على سبيل المثال - ما تملكه مصر من بترول وغاز طبيعي وفوسفات ومنجنيز وغيرها ، حتى الموقع فسويسرا محاطة من كل حدودها بالدول على خلاف مصر التي تتمتع بإطلالة على البحرين الأبيض والأحمر وتتصل بآسيا عن طريق شبه جزيرة سيناء ، في حين أن سويسرا ليس لها إطلالة على أي بحار ... مما يمنح مصر مصدرا ً للدخل عن طريق قناة السويس والبحرين ، ولكن سويسرا لا تتمتع بتلك الميزة ، ورغم ذلك :

صارت سويسرا من أعظم دول العالم في منتجات الألبان والشيكولاتة مستخدمة الكاكاو الذي تستخرجه من أفريقيا .

ثم حدث ولا حرج عن مصر التي عرفت الطب من قديم الزمان ، وتستورد كثيرا ً من أدويتها .. أما سويسرا الناهضة فلديها من الشركات العالمية مثل نوفارتس ، والتي تفوق ميزانيتها وحدها ميزانية دولة صغيرة .

وفي جانب آخر ... فمصر عرفت تنظيم الجيوش منذ قديم الزمان يندى جبين المرء حينما يذكر حجم صناعة الأسلحة فيها ... أما سويسرا تلك الدولة التي لا تصل مساحتها لنصف عشر مساحة مصر فصناعة الأسلحة الخفيفة فيها تدر عليها سنويا ً ملايين الدولارات .

ورغم الحرية الضاربة بجذورها في ربوع سويسرا فإن للقانون احترامه وقدسيته الذي يحفظ الوجه المشرق لسويسرا ... في حين أن المحسوبية والرشوة في مصر تكسر القانون مهما كانت حدته فلا يكاد يطبق إلا على من يقدر أن يدفع .
وكمثال بسيط : فأنت إذا قمت َ بمخالفة من أي نوع فإنك تجد تلك المخالفة تطاردك حتى تدفعها ... فإذا تقدمت َ لوظيفة دون سدادها فإنها تظهر لك ، وإذا حاولت َ شراء منزل أو إيجاره أو الحصول على قرض تجدها أمامك في صورة مركزية صارمة ، ولكنها غير مقيدة بل منظمة وجاعلة للقانون هيبته واحترامه في نفوس كل السويسريين حتى صار العمل بنص القانون طبيعة وسلوكا ً غير مفتعل .

إن مصر أغنى من سويسرا بمصادرها الطبيعية وأجمل منها ، ولكن التنظيم والقانون والحرية من أسباب تقدم سويسرا وغيابهم عن مصر سر تخلفها .

إن سر جمال سويسرا الدائم يكمن في قوة القانون الذي يتعامل بصرامة مع المخالفين ويتم تطبيقه على الجميع ، إلى جانب التربية والتنشئة لكل فرد من أفراد المجتمع منذ الصغر على هذا الأمر جعل من كل سويسري شرطيا ً مسئولا ً عن مدنيته ومحافظته وبلده كلها فيسرع بالتبليغ عن أي مخالفة للقانون أو انتهاك للحرية ... أما في مصر فإنه نتيجة لغياب كل تلك الأمور فقد صارت الفوضى سلوكا ً أساسيا ً ، والنظافة شيئا ُ نادرا ً .

إن مصلحة مصر في إعادة اكتشاف مواردها ، واستخدام طاقاتها البشرية الضخمة كعنصر فعال منتج والخروج من النطاق الضيق الذي حدد مساحة مصر المعمرة ب 6 % من مساحتها ، والأفكار أكثر من أن تحصى ، والباحثون يطرحون كل يوم عشرات الرؤى ، ولكن !!! من يتبنى فكرة نهوض مصر ويقتل هذا الشبح الأسود الذي يريد لمصر أن تبقى في التخلف باقي الدهر ؟؟؟؟؟؟