المَرَة.. لو تكسِر قضيب الذهب ! *

ليندا كبرييل
2015 / 7 / 26

توفّر على صديقتنا فادية قدَرٌ، جعل الزمن يقرؤها بعكس ما خُلِقتْ له.
المتألّقة التي كانت تشكّل التحدي الأكبر لنا نحن (البطلات) الصغيرات في السباحة.. الرياضيّة الفذّة التي كان يمكن أن تكون (جوينر) العرب في ألعاب القوى، باعها أبوها لطبْل خليجي، يكبرها بسبع وعشرين سنة ونحن نستعدّ للتقدم إلى امتحان الإعدادية العام.
كنا في الرابعة عشرة، عندما ذهبنا لوداعها قبل أن تُزَجّ في القفص . اهتز وجداننا بعنف، ولم نستطعْ استيعاب خطوتها في هذا العمر المبكر جداً.
ودارت الأيام .. وعجبنا لأمرها كيف استكانتْ بعد أن كانتْ تزرع الملاعب والمسابح بمنجزاتها . ولما وقفنا على السبب بطل العجب، وأدركنا أي أمر فادح أنزلتْ بها صديقتها الداعية الإسلامية الحاجة أم بلال، التي حدثتكم عنها عندما التقيناها في عرس إسلامي دعتنا إليه فادية.*1

تجمّدنا نحن المدعوات يومئذ، وأم بلال تسهب في تعداد مزايا النقاب، وتبرير رفضها للرياضة، بما تسببه الحركة من إثارة وتهييج للغرائز، وكان مسك ختام مناقشتها الإيمانية قولها القاطع المانع :
النهدان وما فوقهما يماثل الفخذَيْن وما بينهما !*2
ثم تدعونا لنتمعّن في تركيب القسم الأعلى من جسم المرأة، لندرك أن الوجه وما يحيط به من شعر وأذنين وفم وعنق، يذكّرنا بتطابق اللفظ والصورة والوظيفة مع القسم الأسفل منه، وأن الكاشفة عن القسمة الأبرز والأهم المميزة للوجه وهي الأنف .. كمنْ كشفتْ عن عورتها ذاتها !
هذا بالضبط ما جعل فادية تعارض ابنتها في انطلاقها، فقد اعتبرت الرياضة انحلالاً مخيفاً، وفساداً يتضافر مع قوى الشياطين لإلهاء الناس عن واجبهم الديني.

إلى هنا، ليس الأمر غريباً . فما أكثر الزميلات اللواتي نزل الوحي عليهن فجأة .. فاهتدَيْن ! وبعِلمي كنّ عند طلوع صباحهنّ ( مُتهيْفِئات مُتعجْرِمات متألْيسات )، أمسَيْن عند مغيب شمسهنّ من ذوات الحشمة وحملة المسابح وأمهات مؤمنين !!
سبحانه إلهكم .. أين كان عقلكنّ طوال المدة الفائتة ؟
الغريب حقاً، كان قرار زوج فادية، التقي الورع، حامل الشامة على جبينه، والمسبحة بيده، أن يجدد شبابه مع فرفورة أكبر قليلاً من بناته.

يومها استطاعت بقدرة مدهشة إخفاء مشاعرها، وظلت الابتسامة الكاذبة تزيّن وجهها البديع، وهي تدافع عن زوجها دفاع الأبطال !
حقه الشرعي، هل أخالفُ حكماً لله ؟ وبررتْ إقدام زوجها على الخطوة، بعطفه وشفقته على الفتاة الفقيرة اليتيمة ابنة صاحبه، ومقاربةً لسيرة النبي وصحابته الذين كانوا يعطفون على منْ مات زوجها جهاداً في سبيل الله. ثم أضافت بلهجة واثقة: إنه يحبني ويغار علي، إن غاب يوماً عني عاد كالملهوف في صحراء لشربة ماء.
فإذن .. من الصحراء وإلى تقاليد الصحراء يعود.. قالتْ إلهام.
لكنها لم تتمكن من الاسترسال في هذا التمثيل، وفضحتها دموعها من نكشة صغيرة غير مقصودة جاءت من ابتهال.
قالت ابتهال لنا : شيلونا يا جماعة من هذه القصة، هي مقتنعة ومباركة خطوته، قولي لنا يا فادية، ما سرّ جمالك الذي لا يخبو ؟
هنا.. اضطرب ذقنها، وارتجّ صوتها، منْ لا تملك من الدنيا إلا الجمال . الجمال الذي لم يعد حكراً على الخلقة الربانية، وأصبح يباع بسعر الفجل على البسطات وفي متناول كل يد. فانهارتْ وقالت:
ظننت أني قادرة على أن أصرف زوجي عن الزواج الثاني، نظراً لما أتمتع به من جمال آسر، واعتراف الجميع لي بأني ربة بيت ممتازة . صدق المثل العربي : يا مآمنة للرجال ، يا مآمنة للمية في الغربال.

لم أفهم اعتراض فادية على الزواج الثاني.
ألم تقولي لنا إنه حكم إلهي لا تجوز مخالفته، وحق للرجل إذا عدل ؟
طيب .. ما المشكلة وقد اكتفى الزلمة ووضع حدّاً ( لعقد الكِراء الزوجي )، استخدم خلاله حسب الاتفاق جهود مَرَة وعمْرها لمصلحته في فترة (استئجارها) ؟!
أطْعمَك يا شيخة ، سقاكِ ، لبّسك بدلة رقص وخلعتِ ، دفع لأبيك قرشين حلوين ، وبعدين ؟؟ علامَ هذا العويل والنياح يا امرأة ؟!
يا مَرَااااة ؟!

أما بقية القصة .. فقد هبّشتْ فادية وجهها البديع بأظافرها الطويلة الملوّنة ، ونتّفتْ شعرها المصبوغ بالأشقر من منابته ، واستعارت طنجرة أم سعيد الألومينيوم لتضرب بها رأسها ، ولطمت خدّيها بقبقاب أم حسين العتيق ، وأخفتْ (النبّيرة) على جبينها بلزقة ، ولمّت الجيران على صوتها ، وسمّعتْ الأطرش وصارخ ابن يومين دعاءها على النسونْجي ( أبو عين خضرا وفجعانة) .. ثم جاءها عقل الرحمن ، فانشحطتْ أرضاً خلف زوجها كما في الأفلام الهندية ، تتمسك بطرف جاكيته تستجديه العطف باسْم حبها وغيرتها عليه ، وتتهمه بالأنانية أن يقْدِم على حب امرأة ثانية .. مع الفارق أن الأفلام الهندية ينتهي الانشحاط المرفق بالغناء والرقص ، بأن يعود الرجل إلى امرأته في آخر الفيلم، ويعيشان بتبات ونبات.

أما هنا ، فإنّ ابن الذين .. ركل المسكينة في صدرها وقال لها: وينك .. روحي اشربي المحيط والخليج ، وعرّجي في طريقك على الأبيض المتوسط وفوقه الأسود وتحته الأحمر وعلى جنبه الميت ، وكلمة ثانية ستنخفض ماهيتك الشهرية وخلّي أهلك ينفعوكِ.
عجبكِ ؟ كان بها.. ما عجبك، رجلي على رقبتك ستتنازلين عن حقوقك، والباب بفوّت جمل فرْجينا عرض أكتافك !
لا سيدي .. وحياة رأسك عجبني .. حقك الشرعي ولا يُتنازَع عليه ، هل تراني أنوي أن أُعلَّق من أثدائي في الجهنم ؟ أو مجنونة لأغضب عليك فتلعنني الملائكة وتفوتني رائحة الجنّة ؟ أغبية أنا لأترك اللقمة الطيبة لضرة ؟ حرام عليّ الاعتراض حتى في أحلامي.

مجتمع بأسره .. نساؤه قبل رجاله لا يستنِمْن إلا إلى بريق قيود الذهب في أياديهن.
فهل من الغرابة أن تطالب المرأة شاريها ( بوثاق ) من معدن نفيس مقابل وثاق الزواج ، فتؤمّن لها الأسواق إغراءات شتى من أغلال مجوهرة تُجَرّ بها المرأة إلى حظيرتها راضية ؟
صدّقوا يا جماعة.. ما كنت أعرف أن البحار خُلِقتْ لتشربها المرأة العربية أو ليبلّطها المظلوم.
أخونا يريد أن يحب امرأة أخرى على زوجته، ويرفض بنفس الوقت أن تكون جنازة تشبع زوجته لطماً وبكاء فيها . فهو لا يخونها، وإنما يمتثل لحكم إلهي، ولا ينتابه الهوس عند رؤية الحسان، وإنما يلبّي نداء نزعة إنسانية لإنقاذ فتاة يتيمة من براثن الرذيلة !
إنه بنذالة يدير سلمياً تناقضه الفجّ، فيلجأ إلى رشوة مبادئه وقيمه وهو يتهالك على الملذات الدنيوية.
ولنا في قصص النساء .. حكايا !

ولم يهدّئ فادية إلا أم بلال، التي أقنعتها أنه حكم الله وعلى النساء الامتثال له، ما دام قادراً على العدل بين الزوجتين والإيفاء بمتطلباتهما.
كتّر خيرك ومن أمثالك يا أم بلال !
فادية اليوم .. داعية إسلامية منقّبة، تحاضر متنقّلة من بيت إلى آخر، وتشجع النساء على قبول الزواج الثاني حتى من كبار السن، مع تراكم (البضاعة) وكسادها بسبب اضطرابات الربيع العربي، الذي قضى على شريحة واسعة من شبابنا . لا بدّ من زيادة النسل تعويضاً لمنْ فقدْناهم في حرب الكرامة.
ويسرّني أن أنقل إليكم ( عقبال عندكم وعند أولادكم ) خبر الزواج الثالث لبطَلها، طبْلها الخليجي لا غيره، الذي عينه لبرّا ونفْسه خضرا وهمّه المرا، وعلى قلبها متل السكر، ورجع عقل الرحمن لرأسها وما عادت تضرب وجهها بالقبقاب، والدليل أننا رأيناها في الصور ترقص وتوزع الحلوى، ومثالها عائلة الحاج متولي التلفزيونية، ولم يبق للعريس للحصول على الحزام الأسود في المصارعة الحرّة إلا خطوة واحدة في جيبه، وعلى الطريق مباريات ودّية.
كذلك .. بنصيحة من العريس إياه، أهدتْ فادية مؤخراً إحدى حفيداتهما، إلى مجاهد مؤمن يفوقها عمراً بأربع وعشرين سنة فقط لا غير.
الجهاد بالمال والجسد . وكله عند الله محسوب.

ترى.. هل تشرد على بيت الزوجية لو كنت في (ذمّة) سيدة أجنبية أيها المِعْرَس ؟
لو تجرّأتَ وفعلتَ .. لو قلتَ لها : صَهْ.. ستمسك ذقنك بقبضة يسراها، وفي وجهك مشرّعة سبابة يمناها، وتحاور عينك عينٌ جاحظة ، فإما أن تعود إلى رشدك بالتي هي أحسن، أو أن تتدبر أمرها مع ذقنك بالتي هي أحسن !
لن تضيع لحْيتك هنا بين حانا ومانا ، سيتلوّن وجهك وأنت تراها تضيع على يد سيدة وقانون.
هل عرفتم لماذا يخشون حرية المرأة ؟

العربي عندما يتزوج الأجنبية، يعلم في قرارة نفسه أن أبواب السماء مغلقة . فهو يتزوّج ( سيدة حديدية ) صنَعَها تاريخ، أحداثه ثورات كبرى ونضالات شرسة وتضحيات هائلة، شكّل وعي المرأة الغربية بحقوق تسري مسرَى الدم، فقويت نفسياً وفكرياً . وأتاح لها الاستقلال الاقتصادي حرية اختيار شريك حياتها لذاته، لا ليستر عليها أو ليحميها من بلايا الزمن، فتكون نظرة الزوج لها محكومة بهذا الاعتبار شاء أم أبى ، متعاطياً معها من منطلق الند للند، لا علاقة مالك وملكة، أو متملّك ومملوك.
فإن أكرمتْه السماء وتزوج ( مَرا حريرية) على باب الله ، فإنه يعرف سلفاً أنه بمعيّة الملائكة، القوام عليها، الطاعِم والساقي، والراوي لعطشٍ تاريخي ألهبه قيظ صحراء حياتها، وليس بالنسبة لها أكثر من قضيب ذهب، وجيبة سحرية، ووضع اجتماعي متميز، وشهريار ينتظر من مملوكته المدللة وصْلة سمر كل ليلة، مهما ارتقت بعلمها ومعرفتها، وقلما تخرج نظرتهما لبعضهما عن إطار المنفعة والجنس.

المرأة التي لا ترى زوجها (آلة) ، والتي لا ( تغار ) على هذا المُلْك .. ليست امرأة عربية .
( المَرَة ) العربية عبدة مطيعة ومتشوّقة لهذه الآلة الجبارة، تهز خيالها قبل أن تهزها حقيقة. تخشى أن تفقدها، لأنها بدون البعْل ليست إنسانة كاملة الأهلية، فما الذي يبقى لها إن هي فقدتْ سندها الوحيد على يد امرأة أخرى تنازعها السيطرة على الجيب والحبيب ؟

الرجل وقد دفع ثمن ( مُهْرته ) العربية، مَهْراً، وشبكة ذهبية، يحقّ له ركوبها، وحرية التصرف بها و (اكترائه) لها . والمرأة تستجيب تلقائياً لهذه الثقافة لأنها لا تعرف غيرها، وحتى لو عرفتْ واطّلعت على أحوال أختها الغربية فإنها لا تملك حرية اختيار ما تريد، ولا قدرة لها على تغيير واقعها، فقد استعْدلها الاستلاب والخنوع والتذويب، ولها في عقوبات السماء ما يردع ويخيف.
وما نشهده اليوم من تغيّر واضح في حياة نسائنا وسلوكهن، ليس مردّه إلى مرونة عقولنا بعد يبوسة طويلة، وإنما يُنسَب الفضل لأصحاب الفضل من الغربيين، وإن رياح التحديث ستتسرّب من الشقوق مهما كان الحائط سميكاً.

مواقف الحياة، تتعلق بالقناعات الشخصية واختيارات الإنسان.
وما أعلمه أن هذه المواقف، هي نتيجة صراع داخل عقل الإنسان ؛ بين الالتزام باليقينيات الثابتة ، وبين استنطاق رؤية حرّة منفلِتة من قيود العقل الجمعي والمرجعيات المثالية.
ولأن الغرائز تهوى الخروج على المنطق وتتمرد على الانغلاق ، فقد قدّمتْ لنا المسْطرة الأخلاقية الدينية قياساً حالِماً متعالياً على العالم المادي ، أوْصلَ الإنسان في صوره الجمالية والروحانية ، إلى الانفصال عن الواقع ، وسقوطه في أوهامٍ طوباوية ، وازدواجية في التوفيق بين رغباته الدنيوية وبين قيمه المثالية.

ليس كثقافتنا التقليدية ما يجعل الإنسان كائناً لا كرامة له، تافهاً، يلوذ بعنتريته وتسلّطه، أو بخنوعه وتقوْقعه . فكرٌ يحميه رجال يعلمون أنه لو زُعزِعتْ الأرض تحتهم .. لراحوا في خبر كان.
تأهيل البشر يحتاج إلى نفوس كبيرة ، وعمل عظيم ، وجهاد مخلص ، وضمير حي أمين . منْ المتفرّغ لهذه الترهات في مجتمع يتقاتل الناس من أجل الحفاظ على المكاسب السماوية ؟


ملاحظة*
المَرَة : كلمة فصيحة، وتعني المرأة. في الاستخدام الشعبي للكلمة يحمّلونها معاني الاستهانة والاستحقار، وإن كانوا ينكرون ذلك . وأنا في استخدامي لهذه الكلمة أقصد ( المَرَة ) التي صنعوها، لا ( المرأة ) التي يجب أن تكون.

*1
http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=357962
الرقص خمرة المرأة ونشوتها !! (1)


*2
http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=357961
الرقص خمرة المرأة ونشوتها !! ( 2 )