دور إيران فى المشرق العربى

سمير أمين
2015 / 7 / 21


إيران أمة عريقة وعظيمة تعتز بتاريخها، وقد سبق أن تعاملت بقوة ومبكرا مع التهديد الأوروبي، الإنجليزي والروسي. وفي 1907 بدأ الإيرانيون ثورتهم ضد الحكام من سلالة القاجاري الفاسدة، والذين ثبت عجزهم عن مقاومة الأجانب، وفوق هذا، كان مثقفون كثيرون ممن شاركوا في الثورة قد تلقوا تدريبهم في القوقاز الروسية مع حزب العمال الاشتراكي الديمقراطي الروسي (الذي قام بالثورة البلشفية فيما بعد)، وهو ما جعل الكثير من القادة الإيرانيين أكثر تمسكًا من أماكن أخري بالربط بين السيطرة الإمبريالية والنمط التاريخي للعلاقات الطبقية الاستغلالية (النظام الإقطاعي).



وقد تعاملت السلطة الجديدة للأسرة البهلوية الحاكمة- التي تأسست عام 1921- مع هذا الوضع بطريقة خاصة: إذ اتخذت مواقف رجعية من دعاوي التغيير الاجتماعي، إلا أنها في الوقت نفسه رفضت أن تكون ذيلاً للقوي المسيطرة في السوق العالمية، ولكن التأثيرات بعيدة المدي للوجود السوفيتي في شمال إيران أثناء الحرب العالمية الثانية، والدعم الذي ناله بناء الدولتين والمجتمعين المستقلين في أذربيجان وكردستان، ونشأة حزب اشتراكي ومعادٍ للإمبريالية قوي (توده)، والموقف القومي لرئيس الوزراء مصدق الذي أمم النفط عام 1951.. كل هذا لم يكن من الممكن أن تتجاهله المخابرات المركزية الأمريكية عندما رعت الانقلاب الذي سمح لمحمد رضا شاه بتحويل الاتجاه وإعادة الالتحاق بالمعسكر الغربي.



وفي محاولة من محمد رضا شاه للدفاع عن النظام ضد تحدي القوي الديمقراطية والقومية والتقدمية في إيران، انخرط منذ 1962 فيما سميت «الثورة البيضاء» مع اتخاذ موقف دولي «محايد»، وفي الواقع لم يقلص الإصلاح الزراعي جزءا من هذا، فهو لم يقلص سلطة وثروات الإقطاعيين، وإنما سهل فقط صعود طبقة الفلاحين الأغنياء الجديدة. أضف إلي هذا: تحديث الممارسات الاجتماعية (خاصة تجاه المرأة) والجهد الذي بُذل في مجال التعليم، وبالنسبة للمواقف الحيادية (الصلح مع الاتحاد السوفيتي عام 1965، والصين عام 1970، وتأميم آخر للنفط عام 1973) فقد قبلتها الدول الغربية وفق الشروط السائدة، ولم يكن لديها بديل عن القبول. وكان اعتماد النظام علي الأجهزة الأمنية (جرائم البوليس السياسي «السافاك» الذي اكتسب سمعة سيئة جدًا) هو السبيل الوحيد للإبقاء علي النظام الاجتماعي الرجعي، وقد كان مشروع محمد رضا شاه بالتأكيد في إطار المسلك الرأسمالي (وإن كان رأسمالية الدولة). وجاءت حدود وتناقضات هذا المشروع نتيجة لهذا الخيار والمبدأ. كان الجو الذي خلقه انتشار عدم الانحياز في أعقاب مؤتمر باندونج قد فتح هامشًا للتحرك لجميع دول الجنوب، وفرض علي الاستعمار التراجع وقبول تنازلات لم يكن من الممكن تصورها في غياب جبهة عدم الانحياز.



وأدي تحطيم حزب توده باستخدام العنف البوليسي إلي إفساح الطريق أمام قوة جديدة تتحدي النظام. وقد تمحورت هذه القوة حول رجال الدين الشيعة وزعيمهم آية الله الخميني، لكن النظام الإسلامي الذي قام منذ 1979 قد أضعفته تناقضاته الداخلية. فقد كان منذ نشأته نظامًا رجعيًا من حيث رغباته في إعادة تشكيل المجتمع، ليس فقط فيما يتعلق بمقارباته الثقافية (كحجاب المرأة) وإنما أيضًا من حيث موقفه من الحياة الاقتصادية والاجتماعية. وحصل النظام الإسلامي علي تأييده الأكبر من فئتين اجتماعيتين: تجار البازار أو البرجوازية التجارية/ الكمبرادورية، وأغنياء الفلاحين الجدد.



ورث النظام رأسمالية الدولة التي يديرها «التكنوقراط» الذين سبق أن تحالفوا مع دكتاتورية الشاه، وما فعله النظام الجديد ببساطة هو إحلال إدارة دينية محل تلك الإدارة «المدنية». وقد استطاع رجال الدين الذين شغلوا مناصب إدارية إثراء أنفسهم دون اعتبار للتماسك الإجمالي الذي كان عليه مشروع الشاه للتحديث، والذي ظل تحديثًا ظاهريًا وتقوده شخصيات دينية، مما جلب للمشروع الأصلي المزيد من الحدود والتناقضات. بيد أنه بينما كان نظام الشاه مواليًا للغرب، أصبح بإمكان النظام الجديد التدثر بعباءة معادية للإمبريالية، وإن كانت مواقفه مختلطة بالعداء للغرب عامة.



إن التشوش شديد جدًا. وهو ما يفسر كيف أمكن لمحللين عرب وغربيين كثيرين وصف النظام بأنه «تحديثي» (إسلام حديث كما يقال)، وهم يبنون هذا علي تطورات واقعية، ولكنهم يخطئون في فهم مغزاها، فمن الطبيعي مثلاً أن سن زواج الأنثي قد ارتفع، كما أخذ في الصعود عدد النساء اللاتي يعملن ويشغلن نفس مسئوليات وأدوار الرجال، ولكن هذا التقدم موجود أيضًا في جميع مناطق جنوب العالم (باستثناء دول الخليج!) كما في شماله، أما الحداثة، ناهيك عن التحرير، فهي تتطلب ما هو أكثر من هذا بكثير.



لقد دعمت الولايات المتحدة الشاه حتي النهاية، الأمر الذي أثار المواقف الإيرانية القومية المتوقعة، وهو ما دعا واشنطن إلي تعبئة حليفها السابق صدام حسين للدخول عام1980 في حرب إجرامية وغير عقلانية لمدة عشر سنوات، وأدي هذا إلي تشكيل معسكر عربي تحت رعاية واشنطن (دول الخليج المؤيدة للعراق) بادر بإثارة العداء بين إيران (الشيعية) والخليج (السني في معظمه)، وقد وصف البعض هذا الصراع بصراع الأصوليات، مع ذلك لا توجد حقائق تؤكد أن هذه الثنائية الطائفية التي شغلت الإقليم علي مدي التاريخ كان لها بالضرورة طابع الصراع الثابت والدائم، إذ إن التزييف والأكاذيب هي الوسيلة التي تستخدمها القوي الرجعية المحلية والاستعمار لتعبئة هذه الطائفة أو تلك في خدمة مشاريعها.



هكذا أصبحت إيران (الإسلامية، الشيعية، الخمينية) خصمًا للقوي الغربية، حتي لو لم تكن تريد هذا، كما أن إيران الخمينية لا تدير اقتصادها بطريقة أخري غير القواعد العامة للرأسمالية. ومن ثم من السهل تصور التوصل إلي تسوية ما للتعايش بين هذه الرأسمالية المحلية والرأسمالية علي النطاق العالمي، وقد اقترح رجال الدين الشيعة الداعون «للإصلاحات» مثل هذا الطريق. بيد أن دول الخليج قد عملت علي إحباط هذه المحاولات عن طريق تحذير واشنطن وإثارتها ضد خيار طهران النووي الذي لم يكن مبادرة جديدة خاصة بنظام الخميني، فالشاه محمد رضا هو الذي وضع إيران علي هذا الطريق. ولم تعترض واشنطن علي هذا في حينه. أما نظام الخميني فلم يفعل شيئًا أكثر من الاستمرار في ذات الطريق، من ثم لا يوجد سبب حقيقي للوم، حتي إذا افترضنا أن وراء البرنامج النووي السلمي برنامجًا لإنتاج السلاح النووي. لا يوجد سبب واحد يدعو لقبول رأي واشنطن، وحلفائها الخاضعين في الناتو، فيما يتعلق بالانتشار النووي، ويبين الصمت إزاء الترسانة النووية الرهيبة في إسرائيل أسلوب القوي الغربية في الحكم علي الأمور: أوزان مختلفة، ومعايير مختلفة. فالمشروع الخاص بإنهاء التسلح النووي (وهو أفضل خيار ممكن) يجب أن يبدأ تنفيذه بالدولة الأكثر خطرًا في عالمنا، أي الولايات المتحدة.



ويبدو التحدي الاستراتيجي أكثر تعقيدًا، لأن احتلال العراق والمأزق في أفغانستان لم يمنحا واشنطن النتائج التي أرادتها، فبالتأكيد تم تدمير العراق، ليس الدولة فحسب (الانقسام بين أربعة نظم في الأمر الواقع: سني، شيعي، كردي 1، كردي 2 !) بل والمجتمع أيضًا، فمثلاً اغتيل جميع العلماء تحت إمرة المحتل. ولكن تدمير العراق منح إيران في الوقت نفسه ورقة ضغط هائلة من خلال استطاعتها تعبئة حلفائها المحتملين (الشيعة) عند الحاجة. ولحل هذه المشكلة قررت واشنطن إضعاف إيران بتدمير حلفائها الإقليميين، بادئة بسوريا!



لكن هذا لا يغير من السؤال الذي طرحناه: هل إيران علي طريق الصعود؟ إجابتي القاطعة والمباشرة: لا يوجد شيء في تطور النظام الاقتصادي الإيراني يسمح باستنتاج أن تتخلي الدولة الإيرانية عن «التنمية الرثة» اللصيقة بالدولة الخمينية، ولا يوجد ما يكفي من عداء القوي الإمبريالية لاستنتاج أن إيران تمثل دولة صاعدة.



كان العراق يمثل أهم أهداف لخطة أمريكا.. بيد أن نجاح هذه الاستراتيجية التي زرعت الموت قد أنتج ظروفاً ملائمة لدخول إيران في المسرح من خلال مساندتها لطائفة الشيعة.



وكان لابد من توقع هذه النتيجة. ألم ترها وشنطن؟ أعتقد أن مسئولي رسم السياسة الأمريكية يتمتعون بقدر من العلم والذكاء يتيح إدراكهم لما تفضي إليه أعمالهم، فلماذا إذن توغلوا في هذا المستنقع؟ إجابتي علي هذا السؤال هي الآتية: كانت أمريكا قد خططت للتخلص من النظام الإيراني فوراً بعد انتصارها في العراق، وأثارت الولايات المتحدة قضية الصناعة النووية الإيرانية بالتحديد وعمداً من أجل إعطاء «شرعية» لخطتها.



بيد أن إيران تهيأت في مواجهة الخطر، وساندتها روسيا والصين، حتي استطاعت أن تتحمل عبء العقوبات الاقتصادية فاضطرت الولايات المتحدة إلى أن تتراجع تكتيكياً وأن تلجأ إلي خطة بديلة مفادها إضعاف إيران قبل ضربها، اخترعت أمريكا إشعال ثورة «ربيع» سوري علي النمط الليبي وتصورت أن النظام السوري سوف ينهار كما حدث في ليبيا. هذا لم يحدث. فلم تظهر عوامل انشقاق في صفوف الجيش السوري، وعند هذه النقطة شجعت الولايات المتحدة ظهور داعش الذي لم يكن كيانه قادراً علي التبلور دون دعم الخليج بالأموال والأسلحة واتخاذ واشنطن موقفا محايدا إزاءه.



ثم انضمت تركيا الإسلامية الجديدة إلي الكتلة التي تُحرك غزو سوريا، حتي أصبح حضور تركيا في الساحة عاملاً حاسماً في انتصارات قوات داعش التي احتلت شمال شرق سوريا. ولكن، بالرغم من كل ذلك، لم تأت الخطة بثمارها المنتظرة، أي دخول داعش في دمشق وانهيار النظام السوري.



تثبت هذه التطورات تعطل الخطة الأمريكية. أعتقد أن تصريحات جون كيري الأخيرة (في مارس 2015) ومفادها أن الحل يقتضي فتح باب المفاوضات مع بشار الأسد من جانب والحصول علي اتفاقية مع إيران في القضية النووية في مؤتمر لوزان (في نفس الشهر) من جانب آخر تقدم دليلاً علي ذلك التراجع، أدرك النظام الإيراني عبث تجمد موقفه في قضية الأسلحة النووية، فما فائدة حصولها علي قنبلة ذرية أو قنبلتين؛ علماً بأن إخفاء الإنجاز أصبح مستحيلاً، في مواجهة مئات القنابل التي تمتلكها إسرائيل؟ ألا يعطي ذلك الفرصة الذهبية التي تبحث إسرائيل عنها لضرب إيران بالأسلحة النووية، وذلك بموافقة وتشجيع أمريكا وأوروبا؟



تراهن الولايات المتحدة علي أمل آخر وهو أن يتطور موقف إيران في اتجاه التصالح والتقارب من الغرب في مقابل توفير شروط أفضل لمزيد من اندماجها في العولمة الاقتصادية. نعم هذا الاحتمال قائم وذلك لأن الطبقة الحاكمة في إيران تروي ميول استفادتها من ثمرات الاندماج في العولمة، ولو دون مشاركة شعبها في الفوائد. وفي المقابل ينتظر أن تنسحب إيران من الساحة السورية فتترك سوريا معزولة في مواجهة أعدائها.



ولكن هناك احتمال آخر، مفاده أن تعاند إيران في مشروعها حتي تصبح القوة الإقليمية الرئيسية في المنطقة. فلا تقبل شروط الخطة الأمريكية ولا تنسحب من الساحة السورية. كما أنها في هذا التطلع سوف تتجه نحو الدول الصاعدة في آسيا (الصين والهند) وروسيا والتقارب معها لتوازن التصالح مع الغرب. وتتجاوز هذه الرؤية الإيرانية حدود خطة الولايات المتحدة القائمة علي اعتراف لصالح إيران بدور قوة إقليمية «عادية»، والمقصود دولة تقبل قواعد سيادة العولمة الليبرالية وتحدد سياستها في إطارها ولا غير، بعبارة أخري تراهن أمريكا علي العودة إلي التوازن بين الخليج العربي وإيران بصفتهما حليفين لواشنطن، كما كان الأمر عليه في عصر حكم الشاه. بيد أن إنجاز مثل هذا التوازن يبدو لي قد أصبح مستحيلاً، ذلك بسبب ميول إيران في ركوب قطار الدول البازغة التي تناهض العولمة الإمبريالية ، علماً بأن مشروع كتلة الدول البازغة قد دخل في تناقض متصاعد مع أهداف مشروع الإمبريالية الذي تظل الولايات المتحدة متمسكة بتنفيذه.



لذلك أثارت اتفاقية لوزان غضب دول الخليج وإسرائيل (ومن ورائها أوروبا)، تستمر إذن المواجهة بين المشروع الإمبريالي ومشاريع جميع القوي والنظم التي ترفض الخضوع لمتطلباته.



وتجد حرب اليمن الجارية (التي نشأت في ربيع 2015) مكانها في هذا الإطار. فاخترع مشروع هذه الحرب والتدخل العسكري السعودي في تنفيذه بالتحديد لتسخين النزاع مع إيران التي اتهمت- بلا دليل- بأنها تسعي إلي إقامة نظام شيعي تابع لها في اليمن، علما بأن أغلبية اليمنيين ينتمون إلي الشيعة. ليس النزاع طائفياً بل يدور حول الرقابة علي عدن ومدخل البحر الأحمر. لم ينجح الرئيس علي عبدالله صالح - الذي كان يضمن بقاء عدن تحت رقابة الغرب - في كسب حد أدني من الشرعية لدي قيادات القبائل (السنة والشيعة) كما فشل في محاولته لمسح حنين أهل الجنوب إلي ما كانت دولتهم السابقة قد أنجزته من تقدم اجتماعي، وبالتالي أنتج ضعف نظام صالح تلك الفوضي التي تخشاها السعودية لأنها فتحت الباب لكيانات سلفية معادية ومنها شبكة «القاعدة».