فى مواجهة الأزمة الأوروبية: المجد لشجاعة اليونان

سمير أمين
2015 / 7 / 19

الشعب اليونانى يضرب المثل لأوروبا وللعالم، رفض الشعب اليونانى ديكتاتورية المال الدولية والاوروبية بشجاعة واضحة وأحرز نصرا مبدئيا بتأكيده ان الديموقراطية لا يمكن لها ان توجد اذا لم تعرف كيف تضع نفسها فى خدمة التقدم الاجتماعى وفضح الديموقراطية الهزلية التى تقبل بالخضوع لمهانة الأحوال الاجتماعية الذى تفرضه ديكتاتورية المال.


التقدم الاجتماعى غير شرعى فى أوروبا: لقد صمم البناء الأوروبى تلقائيا للقضاء التام على «خطر الديمقراطية» فمنذ نهاية الحرب العالمية الثانية بدأت الولايات المتحدة الامريكية مع جان مونيه وروبير شومان (وهما تابعان لنظام فيشى) فى إقامة وضعية تسمح بإعادة تأهيل القوى السياسية المشوبة بتعاونها مع أوروبا النازية.



وسمح ببناء المجتمعات الأوروبية ثم تبنى دستورا بالقوة، على الرغم من رفضه لاحقا فى الاستفتاء الفرنسى (مما يشكل تعديا لا مثيل له على الديمقراطية)، سمحا بفتح الطريق امام ديكتاتورية. وتولَّى كهنة الاعلام الخادم لثلّة السلطة المالية مطرقة الشعوب الأوروبية لتغذيتها بالأوهام التى مازالت قوتها الى الان تستأصل قدرتهم على مواجهة التحديات. ومازالوا يعتقدون ان عليهم «إنقاذ أوروبا واليورو من الانهيار». (وان قلّ عددهم مؤخراً فى اليونان وإسبانيا).



إن أوروبا كما هى عليه - ولا يمكنها ان تكون مختلفة طالما ظلت حبيسة مؤسساتها - قد أعلنت لا شرعية أى محاولة لمناقشة الوضع المزرى القائم. فأصبح الشعب اليونانى باختياره هذا خارجا عن القانون .



لا حياة لليورو : إن النظام الفرعى لعملة اليورو يتعدى على القواعد الأساسية للتحكم السليم فى العملة. فهو يفرض قواعد يدّعونها «تنافسية» على نظم اقتصادية غير متكافئة فلا تستطيع تحمل النتائج. لقد سمح اليورو بالقضاء على النمو السابق الناتج عن بزوغ الأنظمة الإنتاجية التى تكونت من المؤسسات الصغيرة والمتوسطة ليفتح السوق حصريا لاجتياح الاحتكارات المالية. تضرب اسبانيا مثلا مأساويا لهذا الوضع وأصبح آخرون، كفنلندا وحتى فرنسا اليوم، ضحايا بدورهم. إن الأزمة ليست أزمة الدين اليونانى وإنما هى حقا أزمة أوروبا واليورو



العار على الحكومات الأوروبية: عار على الذين قبلوا بان تكونالترويكا ممثلا للشعوب الأوروبية. العار على الحكومات التى وضعت على رأس «أوروبتهم» موظفا لوكسمبور جوازيا فى خدمة ملاذ ضريبي، وكلّفت بقيادة «بنكهم المركزي» شخصا تألق لدى مؤسسة جولدمانساخس، البنك المسئول عن كافة عمليات النصب المالية للقرن، وأسندت إدارة صندوق النقد الدولى لتلميذة نجيبة لا تفهم أى شئ سوى ما حفظوها من درس. وليس المقصود التوجهات السياسية لهؤلاء الرجال والنساء. وإنما هم فقط اشخاص حقراء.



أوروبا تواجه اليونان بوجهها ألحانى للفاشية: لقد تحرر اليونان العظيم ذاتيا من الفاشيين الإيطاليين ومن النازيين الألمان. وتدخلت «أوروبا» حينئذ فى اليونان ببزات العسكر البريطانيين (وتلاهم الأمريكان) لذبح أبناء المقاومة وإعادة تأهيل سلطة المتعاونين الفاشيين. وعندما تم استرداد الديمقراطية بالنصر الانتخابى الذى حققه حزب الحركة الاشتراكية فى عام 1981 سمح ذلك بتحقيق مكاسب اجتماعية لا جدال عليها. ولكنه فتح الباب أيضا للأوهام «الأوروباوية»، اذ وجد الشعب اليونانى نفسه مرة اخرى امام أوروبا الحقيقية تحت هيمنة الطبقة الحاكمة الرأسمالية. فتذكر الماضى والديون الألمانية المستحقة له من قبل ألمانيا وريثة النازيين. العار على السيدة ميركل التى تغفل حكومتها عن التعويضات الواجبة عليها للشعب اليونانى.



يجب إصلاح الدولة اليونانية فى إطار ديمقراطي: نعم تعانى الدولة اليونانية من تشوهات جادة تجسدت فى التهرب الضرائبى وغيره. ولكن من الذى يستطيع ان يقوم بالإصلاحات الضرورية؟ هم بالتأكيد ليسوا «أصدقاء أوروبا». فهؤلاء هم الذين احتالوا على الدين اليونانى لدى دخول اليونان لمنطقة اليورو بالتحالف الفعال مع مؤسسة جولدمانساخس التى أصبح خادمها رئيس البنك المركزى فى فرانكفورت. أثرياء البحار اليونانيين؟ هم نصابون طالما تمتعوا برعاية البنوك الدولية وصندوق النقد الدولي. ان الحكومة اليسارية، سيريزا، هى الوحيدة القادرة على إصلاح الدولة اليونانية بروح ديموقراطية وان تجبر الأغنياء على الدفع. بالهول أوروبا التى لا تحتمل هذا الاختيار فهى تريد للفقراء فقط ان يدفعوا دون غيرهم



الصراع مستمر: أوروبا التابعة لمليارديرات رأس المال لا تنوى التخلى عن هدفها :ذبح الشعب اليونانى لإعطاء المثل ودرء انتشار الديموقراطية. ويجب أن تتحمل الشعوب الأوروبية مسئولياتها. وقد أعطى الشعب الاسبانى إشارة صحوة أخرى بالتفافه حول حزبه اليسارى بوديموس. وعلى الفرنسيين والالمان والبريطانيين وبقية شعوب القارة الأوروبية ان يفهموا ان معركة الشعب اليونانى هى معركتهم أيضا .



يبدو الحل البديل من الآن واضحا جليا لليونان ولكل الذين فى أوروبا وفى العالم اجمع يطمحون بنفس الامال الديمقراطية والاجتماعية. يجب مخالفة «الدستور الاوروبى» الإدعائي، يجب تفتيت اليورو واستبداله بسلسلة من العملات القومية. يجب إرجاع السيد «دراغى» الى أسياده فى نيويورك بانتظار إغلاق البنك المركزى المزيف فى فرانكفورت. يجب ابعاد صندوق النقد الدولى من الطريق بإعطاء مصداقية لتشكيلات مالية خارجة عن نطاقه مثلما أطلقت مجموعة شانغهاى ومجموعة ألبا مبادراتها.



مع من نقود هذه المعارك؟ يتسع الخيار بين القوى السياسية التى بدأت تعى بان التقشف (المفروض على العمال وليس على الطبقة الحاكمة) والركود التقهقرى الذى يصاحبه لا مستقبل لهما. يتسع الخيار يوما بعد يوم ليشمل الآن سياسيين يمينيين مثل فرانسوا فييون فى فرنسا. بريطانيا لم تعد لها ثقة، فى هكذا أوروبا حبيسة الغباء، حتى ولو باتت لندن نيوليبرالية أطلسية كما لم يحدث من قبل. ومؤكد ان الالتفاف الظاهرى لبعض التجمعات اليمينية المتطرفة يبقى فى نظرى مشكوكا فيه لأن الفاشيين مراوغون بامتياز .



فى هذه الحالة يجب على القوى اليسارية أن تستعيد المبادرة مع الحزب اليسارى اليونانى والحزب اليسارى الاسبانى اللذين أطلقا شرارة التحرك. والا فلن تفلت أوروبا من الانفجار وسوف تنجرف الى الفوضي.



إلى القرّاء المصريين: أضيف أن المعركة التى بدأت ضد اليونان يجب ألا تتركنا غير مبالين. لقد فهم اليونانيون ان النظام الرأسمالى الليبرالى هو أساس مأساتهم. وهو نفس النظام الليبرالى الذى يحكم علينا بالبؤس فى بلادنا وبالازدراء على الصعيد الدولى .