يومي الدنمركي

سلام إبراهيم
2015 / 7 / 19

يومي الدنمركي

وحدي في الشقة
ناهده في برلين منذ يومين
أوصلتها إلى المطار ورحت أتسكع في أنحاء كوبنهاجن الجميلة. طبعا احتسي البيرة وأتفرج على وجوه البشر حشود من أجناس الأرض مبتهجة بالشمس والحياة.
رنَّ تلفوني. كان صديقي المسن د.فاضل السوداني سألني أين أنت؟ حددت المكان. كان قريباً أتاني بعد دقائق. رفض رفضاً قاطعاً منادمتي وشرب قنينة بيرة فهو داخل على نظام غذائي قاسي كي يضعف فهو يكاد يتحول إلى دبلة. تواعدنا اليوم التالي. البارحة يعني. التقينا وجلسنا في مقهى وسط شارع المشاة، شربنا القهوة وتأملنا المارة والبشر غابطين نفسينا بصدفة الحياة التي ألقتنا في هذا البلد الذي أرضعنا أحلامنا وحققها. كنا نجلس والشمس شارقة متوهجة. فجأة أتت غيمة مشاكسة سوداء وأمطرت بعنف. دخلنا تحت المظلات. وتلفعت ببطانية جاهزة لمثل هذي الأحوال. خضنا غمار القصة. فاضل قريب إلى روحي ويحبني كصديق حميم وأشعر بالذنب لأني تركته سنوات دون مبرر ما. قلتُ له:
- فاضل بعد ما أصبر!.
كان لدي في حقيبتي الجلدية قنيتا بيرة قوية . غادرنا المقهى وابتدأ مهرجاني.
زرنا معرض كتب قديمة في كنيسة. تسوقنا ألبومات رسم. ورجعنا لبيتي. وسهرنا. شَرَبتْ د. فاضل المتبتل نصف قنينة عرق فرنسي. وشويت له لحما على طباخي الغاز. وتحاورنا واختلفنا ورحنا نتصايح حتى لا أدري هل أزعجنا الجيران. في الصباح أفطرنا معاً وأودعته عند موقف الحافلة لأبحر في دراجتي الهوائية والوقت لم يتجاوز منتصف الظهيرة.
أين أذهب؟
قلت مع نفسي
هل أشرب لكن الوقت مبكر مو؟
لا.. لا..
تحركت الحافلة وذهب فاضل. ركبت دراجتي ورحت أقطع المسافات. فكرت في المسبح. ليس لدي رغبة في الماء عبرته. وأخذني الشوق لشاطئ بحر كان في العام الماضي مرتع تفاهم روحي في أزمة مع حبيبة عمري. قلت سأذهب له وأجلس وأتأمل. وفعلاً كان الأفق بحر. طبعا ابتعت أربع قناني بيرة. وانزويت على مصطبة ورحت أتأمل أفق البحر والسابحين والسباحات، والعراة طمعا في الشمس. وتذكرت العام الماضي.. وكم كان عاماً مضنياً أخذ من عمري سنوات. حلمت.. تأملت.. رسوت.. أبحرت.. تلونت.. حامداً حظي كون خلاصة عمري هنا في هذا الجمال والحرية. أجلس على حافة شاطئ وتحتي تأتي النساء، يتعرين دون وجلٍ كي يعرضن أجسامهن للشمس دون أي تفكير بأبعاد تعني الجسد والإثم. تعبت وصنو عمري في برلين. ركبت دراجتي وتسلقت الزمن والشارع عائداً إلى مأواي. في منتصف الطريق وأنا فضولي جدا. رأت دنمركية شابة حائرة تحاول الاتصال تلفونيا وتحتها يستلقي رجل رث فاقدا الوعي. أبطأت وتوقفت فطلبت مني المساعدة. قالت أنها مارة وكانت دراجتها الهوائية مركونة جانبا، فشكت بوضع هذا الإنسان. أركنت دراجتي وتسمعت أنفاسه. لم يكن سكراناً. كان ملقى على عشب الله. شممته لم يكن مخمورا. كانت محترقة الشابة الجميلة. اتصلت وأنا جنبها إلى أن أقنعت قسم الإسعاف أن القضية تتعلق بتهديد حياة. حتى أني هبطت نحوه وشممت لم يكن مخموراً. انتظرنا حتى قدوم الإسعاف وحمله. الجميلة التفت لي وقالت:
- شكرا على المساعدة.