دقّت ساعة قوّة السياسة في فيينّا

راضي كريني
2015 / 7 / 15


لا شكّ في أنّ بنيامين نتنياهو- بيبي، رئيس حكومة إسرائيل، يعرف أنّ التلويح بالتهديد الأمنيّ لإسرائيل أهمّ محرّك لبواطن الضعف للّوبي اليهوديّ وللمسيحيّين الصهيونيّين وللمحافظين في الولايات المتّحدة الأمريكيّة وللشعب اليهوديّ في إسرائيل، خصوصًا في أوساط المتديّنين القوميّين والمستوطنين واليمين المتطرّف، دعاة "إسرائيل الكاملة" والمسحوقين من السفارديم و...، وهم يشكّلون الأغلبيّة في إسرائيل، التي تسير خلف سياسة بيبي نتنياهو اليمينيّة المتطرّفة المغامرة والمقامرة لمصلحة حيتان رأس المال.
عندما يستعصي الوضع السياسيّ على بيبي يشهر فزّاعته الأمنيّة ليوحّد غالبيّة القوى الصهيونيّة الإسرائيليّة والأمريكيّة خلفه.
انتخبت الأغلبيّة بيبي رئيسا للحكومة كي يمنع إبرام الاتّفاق النوويّ مع إيران، وهذا ما فهمه المصوّتون له، والملياردير الصهيونيّ الأمريكيّ شيلدون أديلسون، صاحب جريدة "إسرائيل اليوم" والكازينوهات وقاعات المؤتمرات في لاس فيجاس، الذي تقدّر ثروته بحوالي 40 مليار دولار.
لكنّ بيبي يفتّش عن مخرج، وسيخرج بتصريح أنّه لم يعِدْ بمنع الاتّفاق؛ بل وعد بالعمل على منعه، وأقنع داعميه من رؤوس الأموال وغالبيّة المصوّتين أنّه الوحيد القادر على منعه، والآن هو القادر على عرقلته وعلى "تنشيف ريق" أوباما وحزبه الديمقراطيّ!
هل بيبي على هذه الدرجة من الغباء ليتوهّم أنّه قادر على منع/عرقلة الاتّفاق، وليقنع مؤيّديه أنّ الاتّفاق يهدّد وجود إسرائيل التي تملك 200 قنبلة نوويّة (حسب مصادر خارجيّة) واستقرار وأمن منطقة الشرق الأوسط والعالم؟!
"يا عيني على هيك وضع أمنيّ مستقرّ في ظلّ داعش والقاعدة"!
أعتقد أنّ الاتّفاق لا يؤثّر على ثروتي بيبي وأديلسون السياسيّة والماليّة، ومن المؤكّد أنّه سيدعم أمن إسرائيل ويعزّزه، وسيرفع من قدراتها العسكريّة والنوويّة، وربّما (ونؤكّد ربّما) سيفرض حراكا جديدا يؤدّي إلى السلام الثابت والعادل في المنطقة. لكن ما يُقلقهما أكثر من الاتّفاق النوويّ مع إيران هو الانتخابات الرئاسيّة الأمريكيّة، فبيبي وأديلسون يهمّهما إسقاط الديمقراطيّين وتوحيد الجمهوريّين، ويعتقد الإثنان أنّ نجاح الاتفاق يشكّل رافعة للديمقراطيّين، وبما أنّ سياسة التخويف من حكومة يسار تعتمد على العرب، ومن تصويت العرب، ومن إيران النوويّة التي اتّبعاها في الانتخابات الإسرائيليّة الأخيرة قد أكسبتهما السلطة، كذلك سوف تنجح في إكساب الجمهوريّين الرئاسة في الانتخابات الأمريكيّة القادمة بعد سنة ونصف.
بيبي وأديلسون قلقان لوجود 15 مرشّحا جمهوريّا للرئاسة الأمريكيّة مقابل مرشح ديمقراطيّ واحد تقريبا (هيلاري كلينتون)؛ لذلك سيستثمران الاتفاق "المخيف" و"المهدّد" لوجود إسرائيل وللأمن وللاستقرار وللسلام العالميّ، وسيوظّفان مظاهرات حرق الأعلام الإسرائيليّة والأمريكيّة في شوارع طهران، والهتاف فيها: الموت لإسرائيل ولإمريكا! (وفي المحصّلة يكون الموت من حصّة العرب أكبر!)؛ كي يفوز الجمهوريون بالسلطة، ويعملوا على إنقاذ الشعب اليهوديّ من كارثة جديدة!
هل ستعمي سياسة التخويف "ألبيبيّة" عيون الناخب الأمريكيّ عن رؤية مصلحته في السلام، وفي إنهاء الاحتلال الإسرائيليّ وجرائم حركات الإرهاب التكفيريّة، وفي تطوّر الثقافة الإنسانيّة، ونمو الحياة الديمقراطيّة في إيران ومنطقة الشرق الأوسط؟!
بيبي ليس بداود. ومجلس الأمن ليس بجوليات! والعالم بات في غنى عن سياسة التمسكن حتّى التمكّن، وعن سياسة شمشون ودليلة وهدّ المعابد وحرق الحقول! التي لا تفهم لغة الحوار وتستغرب التوصّل إلى تفاهم واتّفاق!
شبعنا من سياسة القوّة وإن لم تنفع فالمزيد من القوّة الأشد والأفظع! لقد دقّت في فيينّا ساعة قوّة السياسة المؤدّية إلى الرحمة والسلام والعدل.