من أدب الرسائل الورقية -من رسائل الشاعر الراحل علي الشباني -

سلام إبراهيم
2015 / 7 / 9

من أدب الرسائل الورقية
سلام إبراهيم
أحاول نشر رسائل أصدقائي الأدباء والكتاب والشعراء كونها مكتوبة بخط اليد وخوفاً من ضياعها، يضاف إلى أنها تكشف جوانب مهمة من حياة الكاتب والشاعر وجهة نظره بالحياة إحساسه بها مدار اهتمامه، مضاف إلى المعلومات التي تكشف عنها الرسالة الأدبية والشخصية وتشير إلى زمنها. فرسالة الشاعر علي الشباني هذه تؤشر إلى وضعه قبل التدهور الصحي والنفسي الذي أصابه وأعجزه عن القراءة والكتابة. يشكو فيها من الوحدة والغربة وسط مدينته وأهله في الأيام التي فقد فيها أمه – فاطمة – التي طالما كان يحكي لي كيف أنها مجسه الشعري في أولى أيام كتابته للشعر إذ كان يقرأ لها القصائد حال كتابتها وكانت تطرب للبيت الجميل وتنفر من الوقع الخشن. وكانت امرأة شاعره بالسليقة عندما تروى أبسط حادثة ترويها وكأنها تقول شعراً عذبا. هنا الشاعر يشكو غيابها. كما تشير الرسالة إلى شدة تعلقه بالعراق وأمله الذي كان ما يزال قائما وقد كتابتها قبل أن ينشب الاحتراب الطائفي في سنوات 2006 – 2008. كما تؤشر الرواية إلى واقعه طرد صديقنا – جمعة الحلفي – من رئاسة تحرير – جريدة الصباح – الحكومية بالقوة المسلحة. مع إشارات إلى كتابات الكاتبين العراقيين "كريم عبد" و "علي عبد العال". وسأحاول كلما وجدت وقتاً نشر المزيد من الرسائل كي يطل القارئ عالم الكتاب الداخلي.
****
تقديم موجز
ما حفزني لنشر هذه الرسائل، قراءتي لرواية العراقي "شاكر الأنباري" – نجمة البتاوين - المنشورة في جريدة – القدس العربي اللندنية يوم 8-5-2011 فالنص ألقى الضوء على علاقات الصداقة الهشة بين شخوص النص وشدة أنانية الجميع، فلا شوق، ولا حميمية، رغم جلسات الشرب واللقاء اليومي، والحصيلة التي خلص إليها سارد النص إلى أن (الصداقات مثل البيوت، كلما اكتملت في مكان سرعان ما تخرب، وتبنى في مكان آخر، سلسلة). مصوراً الخراب التام للعلاقات في العراق. وكما ذكرت في صلب قراءتي، أجد أن هذا التعميم يخص تجارب السارد فقط وليس الواقع.
بنشري هذه الرسائل يكتشف القارئ نصاعة علاقات الصداقة ومفهومها العميق، تخلو من الأنانية، الشوق لا يحتاج إلى تفسير، عمق العلاقة الثقافية، عمق العلاقة الاجتماعية، ترسخها رغم الزمن والفراق بسبب الظروف السياسية العراقية. ليست هذه الرسالة من الشاعر – علي الشباني – بل لدي كمٌ كبير من الرسائل ومن أصدقاء بعضهم مات في المنفى أو قتل في الحرب، بها نفس الروح التي تمجد علاقة الصداقة التي هي من أخف العلاقات الإنسانية وأكثرها أثراً في الروح.
في زياراتي المتكررة إلى العراق ولمددٍ طويلة تلمست امتداد هذا النمط من الصداقات في الحياة العامة، وفي الوسط الأدبي أيضاً. ووجدت أنها إحدى علامات سلامة روح العراقي رغم هذا الكم من الخراب المحيط به.
أنشر هنا رسالة تعود إلى زمن أبتعد الآن 1996 يجد القارئ بها العديد من الأحداث والتواريخ، والأسماء وظروف الحصار، حيث يتشابه الوضع ذاك مع الوضع الآن من حيث الخدمات، لا كهرباء، ولا ماء نظيف، وتبين أيضاً الدمار النفسي والثقافي الذي بدأ يظهر جليا في تفاصيل الحياة، لكن مع ذلك يبدو أن الوضع ذاك كان أفضل من الظروف الحالية، فسلطة الطوائف الحالية تحتقر الثقافة وتعمل على زيادة انحطاطها وبشكلٍ مدروس، وتشيع بديلا للثقافة العراقية ثقافة الطائفة والتعصب المذهبي والقومي وكل ما يفتت الثقافة العراقية بتاريخها الحديث، لا دور سينما، لا مسرح، لا دعم للكتاب والمشاريع الثقافية،
من جانب أخر تتناول الرسالة العديد من المسائل الفنية المتعلقة بتكنيك القصيدة وعلاقتها بالتجربة الروحية، فعلي يكتب شعراً حياً ينبض بالحياة وهذا سر من أسرار قصائده المذهلة رغم تقادم السنين.
كما تكشف الرسالة عن ثقافة الشاعر الموسوعية وهو يتحدث عن السرد القصصي بطريقة تفوق ما يكتب من مقالات فضفاضة في الصحافة العراقية اليومية الآن وهو يشرح المفاضلة بين نص سردي وأخر.
وعن جهود من بقيّ في داخل الوطن تلك الأيام لتسريب نشر قصائد شعراء هاربين في الصحف العراقية الرسمية، وكذلك يجد رأيا نقدياً طريفاً لشاعرنا لمقدمة كتبها – مظفر النواب – لمجموعة للشاعر – عريان السيد خلف –
عدا عن دفق مشاعر الصداقة المتجلية وكأنها عاصفة ليس في أفقها سكون.
كما سأورد نصين، الأول نص قصصي قصير تناولته الرسالة بالتحليل، وقصيدة كتبها الشاعر وأورد مطلعها، لتكون قراءة الرسالة معقولة، مع أن كتابة ظروف الرسالة وأحوال الشخوص الواردين فيها يتطلب سرد يطول.
أترك للقارئ متعة قراءة هذا النص الأدبي الجميل الذي وضعت له عنوناً. مستلاً من سياق الرسالة يناقض تماما ما خلص إليه الزميل الروائي "شاكر الأنباري".


أليست الصداقات كالغبار في الدنيا، يتغلغل في أيما فسحة للهواء لا تمنعه الفواصل.

عزيزي سلام تموز 1998
أشواقي

كانت الرسالة البسيطة التي أراني منها " خيري عباس " الورقة الثانية فقط. معتذراً بفقدان الورقة الأولى، كما يدعي، تعبق بعطر الحضارة الأخير!.

لا بأس.
الرسالة ليست كموضوع، وإنما كذاكرة عصفت بيّ، ويتملكني هاجسٌ دائم للكتابة إليك.. حتى أني وفي لحظة سكرٍ جنونية كتبت لك خطاباً طويلاً جلست منهكاً في الصباح لأقرأه، ولكنني لم أستطع، ليس لأن الحرف ثملٌ، وإنما لأن روحي ثملةٌ أيضاً، للحد الذي عليها أن تكف عن الخطابات الموجعة والمكاشفات اللاهبة. البوح وفي الأسوار الواطئة للروح يربك اللغة والقلب.
كنتُ في الليلةِ مهووسٌ في إيجاد أسم للحبِّ يتسعُ لمحتواه الروحي، أيصحُ وأنا أميرٌ باذخٌ للغةِ العراقية أن أصمت عندما تخاطبني بالمحبة. وأقول لها، أن ما نعنيه أوسع من كلمة "الحب" القاصرة ونروح نبحث سويةً عن البديل، ولكننا نعود للفعل، سيد اللغات، وصانع أحلام الكلام.. والحضارة.
بالفعل الحياتي الصادق، والمحشود بالإنسان نصنع مجد اللغة.. ونقاءها. في تلك الليلة كنتُ منهمكاً في البحث عن المعنى لعلاقتنا. وإزاء حماستك التي كنتُ قد لمستُ منها شيئاً قبل عدد من السنين.. قلتُ سيجد الرجل معناهُ أخيراً. كنتُ حينها قد بدأتَ الطرق على باب الأدب/ الخلاص.
ثمَ عليك أن تستوحي التكنيك الأسلوبي المعتمد للقصيدة، حتى لا تتهمني بالخوف، وهو وجه لا أرتجيه للشجاعة، كما يقولون، ثم علينا أن نؤجل في الحاضر الحديث عن الشجاعة لزمنٍ يجد عذراً للضعفاء وللمتهورين، ويكرم الشجعان حقاً.
العنوان هكذا "سؤال" ولكن لمن إلى (س) الذي هو شمول كل الأسئلة، وراية الحيرة، أن الاسم الصداقي المحض هنا يتجرد إلى عمومٍ صداقي خاص ومحور للتساؤل الشعري والحياتي الأوسع بالإضافة لمفردات القصيدة الذاتية.
لا بأس أن كان تكنيكي الشعري لم يصلكَ، كونك طرفاً غير محايد في القصيدة، ولست القارئ، الأخر، الصدى.. أنك الصدى والصوت معاً. إذن فلتنشر القصيدة بإهدائها الصريح لكَ، كي تمتحن شجاعتي الممزقة، علماً بأن القصيدة لا تخيف، وهي شخصية وفكرية كُتِبتْ في زمن ساكنْ، كنتُ فيه معي هنا.. فتصور.
يسألني عنك الكثير، ويسألني عنكَ قلبي قبلهم، يسألني (بمعنى) من هم أقربُ بالدم مني إليكَ، ولكنهم لا يعرفون أن في كياني نهر من الدم ينتسبُ لصداقة الروح النبيلة ولخرائطها الملتهبة، وثانيةً أبحثُ عن اسمٍ أخر للحزن،.. ويأتي الدمع ليجري نهراً أخر للروح، وتزدحم الأنهر المالحة.. هكذا تتداخل الأسماء بمعانيها ونذهب إلى باب الشعر، كي نفتحهُ ونجن.
ماذا سنرى في الداخل.. آه.
سعة الرؤيا تمنح السماحة والحب.
هي الرؤيا قمر التجربة وسماءها.


* أواخر تموز 1998

كنتُ قد حزنتُ لعدم وصول رسالتي الكبيرة إليك، حتى وكأنني بشاعرٍ مبدع يضيّع ديوانه الوحيد. أصبتُ بالإنخذال، والأسف، إلا أنني أصبحتُ أنتظر ما سيأتي بلا جدوى. لا أدري ماذا حصل ليّ.. ثم أنني لا أميل للحماسات الآنية، وعجالة الأمر.
ثم أليست الصداقات كالغبار في الدنيا، يتغلغل في أيما فسحة للهواء لا تمنعه الفواصل. أسأل (عزيز) " الشاعر عزيز سماوي" عن ذلك، قبل أن يبكي، فقد ذهب الدمع العراقي الطوفان بعيونه الغالية.
أعجبتُ بقصتك الثانية -1 - (الصغيرة) فيها موضوع خاطف وعميق وشاعري يجاهد العادة والتكرار وديمومة الاستقرار العاطفي، إلا أن لمسة من الشعرية والحشد التعبيري الموحي، والتعميق يجعل منها قصة لموضوع داخلي خاص وشامل أيضاً ويشبه ما تتناوله الآن بعض الأعمال الأدبية والسينما. أظن أن الموضوع يلامس الحساسية الشعرية المعاصرة لعلاقة (الرجل) بالمرأة حضارياً، أي برؤيا العصر ذلك أن أدوات وأشياء وملامح القصة اليومية تأخذ من الواقع المعاش ذاتياً وبروح قلقة وملتهبة الحساسية والوعي.
قرأ "كزار " (الشاعر گزار حنتوش) ما كتبتَ عنه وضحك بفم هاوية، بلا عظم، هو الآن مع زوجته الشاعرة (رسمية محيبس) من الناصرية، بسيطة، قروية الملامح، يبدو "گزار" ملكة جمال بالنسبة لها، أزادَ - گزار - غربتها وتعقيدها، هو يعيش على ما يكتبه في الصحف اليومية بذات النهج "التعبوي" المعروف كما يسمونه. يؤجر داراً في – الحي العصري – هي المكان الأكيد لمقهى "خلف گشر" سابقاً. في الدار ثمة سطح مندفع إلى الأمام يجلب الهواء قليلاً، يبدأ "گزار" برشه بالماء منذ العصر إغراءاً لمعاودته للسكر سويةً، لأنه يعرف مستوى الحرارة القاتلة في جسدي، سيما في موسم ملتهب بلا كهرباء.. ثم نبدأ ذات الأحاديث حيث يتحول "گزار" إلى خرتيت، خرافي، لا يعي شيئاً، وغير قادرٍ على (التجميع) كما يقولون. أضحك.. ثم أغادر في طوفان ليل الديوانية المتطامن وحيداً.
أنشر في بعض الصحف أشعاراً مختلفة، فقد عاودت بعض الصحف الأسبوعية فتح صفحات مخصصة (للشعر الشعبي).. أقيم مع بعض الأصدقاء أماسٍ أدبية وثقافية في قاعات ومقاهي المدينة، كنشاط مبرمج لإتحاد أدباء وكتاب فرع القادسية، المنضوين تحت لافتته، ثمة صعوبة وحرج أحياناً كما تعرف إلا أن حب الناس واحتضان متذوقو الأدب لنا يشكل سوراً حميماً يغيبنا عن السهام النذلة.
نشرتُ قصيدة "رياض" ( الشاعر رياض النعماني) المرسلة لي من قبلك منذ زمن تحت أسم (صلاح الواسطي) وفي طريق النشر قصيدة أخرى له مرسلة من (كاظم غيلان) لي.
أرسل لي "ر" العزيز عدة رسائل على عنوان "ع" و –ك - وصلت واحدة منها بورقة واحدة كذلك!. وقد تبين أن "ع" قد أحتوى ما أرسله لنا رياض من هدايا.. ما بال هذا النمط من الرجال تأكل باستمرار من جروفهم الخاوية ريحٌ.. أية ريح قوية.
ولكن "ر" أعتقدَ أنني غير راغبٍ بمراسلته (ثمة سوء فهم).
لرياض طعم خاص في روحي، هو و "محي" (القاص محي الأشيقر) كذلك.
سيما وأني أبديت عدم ارتياحي وقناعتي بالمقدمة التي كتبها المعلم (أبو عادل) "الشاعر مظفر النواب" لديوان مفترض النشر لعريان "الشاعر عريان السيد خلف" . الذي سرعان ما تاجر بالأمر.
كتبتُ ذلك في رسالة طويلة لرياض وأحبتي الآخرين.
ليس ثمة مداجاة ومهادنة في الشعر، هكذا علمنا المعلم.
أسفتُ. رغم أني قد أدمنتُ سوء الفهم وضياع الحقيقة، أنما يكبر في روحي ويسمو هرم الشعر. وسره المفضوح.
فيّ رغبة جامحة لمكاتبة صديقي المخلص (چاسب) هو لم يغفل عني منذ الغربة لليوم. ويكتب لي أحياناً بطاقة بعبارة واحدة.. ما أجملها وما أنبل المحبة فيها، بلغةُ اشتياقي الدائم، وأخبره أنني ألتقي دوماً بأخيه، وسوف أستلم العنوان ويرى ماذا سأقول لهُ. لـ "كريم" محبة قوية، إذ لم يبق منهُ في قلبي غير محبته العنيفة وصدقه حتى أنني أوصيه أن لا يطور عنفه العنيف باتجاه (الريح الحضارية) كي لا يصاب العالم بالدوار.
لهم جميعاً محبة سامقة، وتذكار لا ينضب.
( نهايات التموز الحاضر)
أفرح حقاً بسطوعك الأدبي "أسمع" عنك وأقرأ لكَ أحياناً وأريد المزيد في حياتك من المشاهدات "بمعنى الشاهد" والتجارب الفاعلة، وان توفرت لها الرؤيا النافذة والأداة الجديدة ما سوف يمنح كتاباتك الغزير من الروح العراقية المشهودة والباهرة بتجاربها المتفردة والساخنة، ولا بدّ من الأصالة دون النكوص، والمراجعة دون الوقوف، لمست ذلك في العديد من قصصك. تجيئون مع القمر الساكن، مع السانحة الموخزة، تلمسون فيّ وهج روحي مسافة لم تخدش بعد، كي ينبثق ماء الفرح الدافق وفرات الأيام. روحي متروسة برغبة وهواجس التواصل الدائم، ورأسي ساعة الأزمان الضاجة بكل عصور الود وهيجانات الأيام السالفة والتي ستأتي..
أكثر ما يهدد المحبة هو الغياب المُكَّرس، والذي يُغيّب بدوره حضور المحب وأشياءه ومماحكاته الزمنية اللصيقة بذاكرة الشوق. أما الاسترجاع الشاهق بحنين يأخذ مسافته من عمق اللوعة المغروسة في الأيام الصادقة. أنها كنهرٍ فقد منبعه وغدى يستجير بثمر الأشجار اليانعة وبركة الأرض، والضفاف المعشبة وأحلام المهجورين.
المواصلة شرف الأدب ومهمة اللغة النبيلة، والتي هي هنا أداة إسترجاعية وحضورية مقدسة، فلنفجر إذن طاقة الكلام التواصلية وقدرة الخطابات على الحضور، والإبداع، و إلا من يقدر منا على إدمان هذا الصدأ التاريخي الخانق، ومحاولة التدجين الزمني المرعبة. أقول عليكَ بالإشعاع التواصلي وبأي أسلوب تقدر، ما دمتَ غير قادر على أن تمسك قامتي المتداعية وهي توشك على الأفول التراجيدي في ليل الديوانية المسكون.
من أين لي بصحبة يلد الزمن مثلهم مرة واحدة. كولادات الأنبياء والدعاة البررة. لقد منَّ عليَّ الزمن بكم وسحبكم من قلبي كما تسحب الفالة الشرسة من جسد سمكة يانعة.
بالغناءِ أحضركَ إلى صالة روحي الصاخبة "داخل حسن" الكبير والساحر لهُ قدرة خارقة على إحضار وتمجيد أشواق القلب، متشحة بالحزن الدامع العميق ( سوف اكتب عنه قصيدة).
بالغناء، والشعر، والخمر، والمرأة، والصداقات، والكتب، والأحاديث الصامتة، والرسائل، والبكاء، والشتائم، والخروج التائه في ليل الديوانية بحثاً عن خلاص، عن إنسان، عن لغة.. بلا جدوى.. وكل هذه الانتظارات الجارحة، والهيجان، والتجارب المرة.. الحلوة.. و.. و.. بدأت أبكي.
ما أوسع الحياة حتى في أضيق مسافات الألم. أنها تدافع عن رغبتنا في الموت.
هي أمور كثيرة لكنها جميعاً تورث القحط ذلك كونها بدائل عن حياة حقة غائبة.
آه لو كنتم معي لتوجتُ قلبي أميراً على الأرض والأشعار.. والمحبة. يهطلُ قلبي، يتدفق حزناً وبركة.. ولا يكف، لو متُ يوماً سيظل ينبض خلف جسدي مرات مضافة إلى أن يسكتوه، كي يوحدوا القلب بالجسد صوب الرحلة.. هو لا يكف يا سلام.. أتعبني، بهيجاناته وغرابته، بدوتُ أكثر غموضاً.. وغرابة مهلكة.. وفي الشعر يتجلى أكثر.
اليوم الجمعة 24 تموز تذكرت ميلادي تماماً.
أخبرتُ مساءاً عدد من أصدقائي بالأمر، هنأني "گزار" بتقليدية باردة. ضحكتُ ونظرتُ إلى الفرات الصغير وهو يجاورنا ويمشي بمائه الداكن صامتاً، قلتُ لهم؛ وقد كانوا جمهرة من المثقفين والأدباء.. ولدتُ على بعد أمتار قليلة من ضفة الفرات. وهو شاهدي. ومبارك ولادتي. وأخي.
كانت خالتي العاقر وهي تزغرد تسميني "جمعة" والأخرى التي لم تتزوج بعد أسمتني "صباح" كوني زرتهم فجر الجمعة. إلا أن أبي وبفرح غاضب قال: لقد طلبته من الإمام "علي" عليه السلام فهو "علي" وببركة سيد الثوار الكبير وعلى ذات الهاجس الأبوي النبيل.
من يباركنا ومن لنا بمباركة أحبتنا في كل هذا الهم والضياع وبعد أزمان قد يذكرنا الأحفاد أن كانوا منصفين. أما الشعر فهو ملك الوفاء الخالد.
أمس كنتُ ومعي أحد الأصدقاء في زيارة لأحدى المدن الحبيبة وذلك بغية استضافة عدد من أدبائهم وأظنه سيكون القاص "ناجح المعموري" ونذهب نحن لمضيفهم أيضاً. ضمن موسمنا الثقافي المقبل.
* طبعت قبل أشهر كراساً شعرياً بالفصحى، إذ لا يمكن غير ذلك، وبطريقة الطبع اليدوي "الاستنساخ" حاولتُ كثيراً أن أخرجه لكَ أو لأي من الأصدقاء ولكن عبثاً، كتب عنه الصديق (ريسان) "الشاعر ريسان الخزاعي" في صحيفة - العرب - اللندنية. وهنا كتب عنه عدد أخر من الأدباء. أما الوجوه الرسمية الكالحة، فقد قابلته بالصمت الحاقد. السبب في الشِعر وفيَّ كما تعلم، إذ لم يستطع أحدهم الكتابة السلبية عن الكتاب. أن للشعر وجه النقاء والغضب واستثارة الروح السامية وكذلك حقد الأعداء.
حاول إرسال ما ينشر لك للأحبة ولنا. إن البعض هنا يكثر من النشر في الدوريات اللندنية لسعتها ولإمكانيتها على التعويض، كما عرفتُ.
فرحتُ بعودة ولدك كثيراً. أتمنى لكم حياة سعيدة.
(بدأت أخاف من انقضاء الليل فقد أخذ عدد من الديكة بالصياح).
أعودُ...
مفتخراً بتذكاراتك الحبيبة، على شحتها، وأتذكَركَ تنشئ بيتك الأدبي بتمهل، لقد انهمكتُ زمناً بغيابك المرير، وأظن واثقاً من أن مرض (السّكر) البغيض أقتحمني على أثر رسالة دامية وصلتني منك، قبلها كنتُ فرحاً بخبر مغاير كان قد وصلني كذلك. دخلت الدار ثملاً وأسرعوا متوهمين بإعطائي الورقة، سقطت على أثرها في حديقة الدار حتى الصباح بلا حراك. سوى طوفان من الدموع.. والحرقة الكامدة. لم أتكلم ولم أشتغل ولم أتحرك عدة أيام، وللآن أخاف معاودة قراءة الرسالة. وأظن أن الأهل أخفوها عني.
بين أفراحك وأحزانك يضطرب القلب مجنوناً ويهدر في جسدي دم المحبة الأنقى من السماء.. أورثني الهيجان المرعب مرض لا يزول. أورثني منك داء في دمي يذكرني بك غثيانه وعطشه ودوار الرأس والكآبة، ثم أني لا أطيق رعاية الذات والحماية الذليلة للجسد أنما أنهمك عمداً برغباتي، (وبتمور العراق) الأحلى من كل أدوية العالم. ويوم تتيبس الشفاه ويأخذني الجفاف والغثيان.. وأدوخ أقول لدمي كهاجس الأمهات، ماذا أصاب أحد أحبتك في أرض هذا العالم النذل؟. أترك الوظيفة وأعود كئيباً إلى البيت لأنام كالمأخوذ، وفي الليل أخرج إلى الديوانية مع الغناء والخمر والأحبة ليغتسل دمي وروحي ولون عيوني الغائم.


سلام..
أيها الحرب الأليفة في جيش حياتي
هجرتني لِمَ، وتركتَ روحي تهطل.
كلكم مرة واحدة.. يا للقسوة والجفاء الموجع.

اجتزتُ اليوم السنة الثانية بعد الخمسين، ماذا تبقى لي وها أن كتبي محرومة ومتشحة بالغبار وأنا أتخذُ هذا الركن المعتم/ المضيء زاوية لحياةٍ لا يتسع لأحلامها فضاء العالم.
من أين أأتي بالفرح إزاء هذه الشحة الكاسحة في الحياة؟.
من أين يأتي الحبيب ويباركني ولي ذاكرة وقامة داوية باللهب والقلق؟.
من أين لي أن أمسك بيدك الحانية وأقّبلُ خمساً من أصابعكَ المنائر وقامتك الرجل. وعيونك التشبه أماً دامعة وكل حنانك الغزيز القادر على أرواء جيش روحي العطش، والمذبوح غربةً وأسئلة ومخاوف؟.
أما زلت كذلك. كما ترقد في روحي. وكما ذهبتَ عني، وكما كنا.. أم فعلت بك الدنيا وتجاربها الغادرة فعلها الموجع.. المضاد.. أما زلتَ؟.
.... أضع صورتك الروسية في مكتبتي (لي ولعٌ واحتفال بطقوس المحبة كما يعرف ذلك كل أصدقائي). في بعض الأيام أخفي صورتك عني. لا أدري لماذا؟، يبدو أنني لا أطيق حضورك الغائب إزاء شوقي المجنون، ونظراتك الواسعة وهي تتابع وحدتي الحائرة، ومحنتي. أخفيك عني كي أراك ثانيةً بشوقٍ جديد، كل ذلك مدارات لواقع الحنين الكامن في الأعماق. تطرق باب روحي.. كما كنتَ تقتحمني في أيما وقتٍ، حتى في هزيعٍ من الليل. ولا زلتُ أتذكرُ للآن يوم طرقتَ باب المطر وأنت مبللاً بمطرٍ فراتي بارد، كنتَ مبلولاً تماماً وهائماً. وقد كان بيتي مؤجراً في – الحي الجمهوري الغربي – وقد كتبت يومها "المطر بالليل" -2- :

1-3-72 بالليل دگ الباب
دگ بروحي ليل وباب.

هكذا هو شعر محبتي يسحقُ زمنا، كنا فيه نصنع صداقتنا الحقة ولونها الفذ. ولونكَ لوّن ألوان حياتي بكل الألوان. وقامتك المتهادية في زمن الديوانية كانت العمود الساند لحياتي.
قبل أكثر من سنة كنتُ وصديقي الشاعر (عريان) في واحدة من المدن المقدسة نحتفل بالشعر، وقد كنتَ هاجسي إزاء العدد الهائل من الجمهور. كنتُ أراكَ تصخبُ أمامي في القاعة الضاجة بالفرح والإكبار. ذهلَ الجميع لأدائي تلك الأمسية. كنتُ في هذه المرة أقرأ أخر أشعاري لكَ.. هم لا يعرفون هذا البئر الصحراوي العميق وجرح الأرض العراقية (علي الشباني).
مازال الجمهور الشعري وقد حصلت فجوة وقطع تاريخي بين المتذوق وساحته الشعرية وبين المبدعين، ثمة غربة وانقطاع في المسيرة الإبداعية للشعر الشعبي. لقد تم تكريس العادية والإسفاف والتجهيل لحد خطير، وقد أقيمت الأسوار بين المبدع المعروف عراقياً وبين جماهيره، أنها نوع من الغربة الثقافية، ألمسُ ذلك في الصمت والذهول الذي أراه على الحاضرين عن قراءتي لشعرٍ منهُ قد كتب في زمن سالف.. ونشر.. فتصور.
هنالك إعجاب وحماسة وتقدير.. أنما هناك أيضاً جهل فاضح بالتطور والتاريخ والمستوى الإبداعي للشعر الشعبي الحديث. حتى أن الجمهور يطلب مني أشعاراً سالفة.. وسهلة. وذلك حتى في أشعاري بالفصحى.
ماذا فعلوا بالذائقة.. بروح الإنسان.. بالحياة؟!.
لهذا بدأت بمسعى أجهد به وحدي أحياناً بغية المساعدة على ردم الهوة الواسعة أو التضييق منها إلى قدرٍ ما. نريد إعادة التوازن وإشاعة الحضور الشعري المتطور والمبدع، عبر مختلف الأنشطة. بعد أيام تبدأ السلسلة المستمرة لأكثر من شهرين في جريدة - الإتحاد - الأسبوعية والتي كتبتها هذه الأيام وهي (محاور متتابعة في إضاءة المسيرة الإبداعية للقصيدة الشعبية العراقية الحديثة).
عزيزي الأحب..
ليس من رغبتي أن أودعك، فأنا لا أطيق الوداع، لأن كل الذين ذهبوا لم يأخذوا مني فسحة من التوديع، وأنا أريد ذلك دون أن أمتحن قدرة روحي في خلع جزءاً منها على مرأى مني.
ألقاكَ يوماً.
إذ لا أريدك بعيداً للأبد، وأنا الآن منهمرٌ في عالمك الودود لغةً وذاكرة. وينهمر قلبي، الليلة يتشظى زمني، ألتقط الإضاءات الأشد عتمة في الضوء. كي أراك بكل ألوان الأرض، وأحشد المسافة القارّية بيننا بكل مفازات التواصل والمحبة.
ماذا جرى كي يحدث لي كل ذلك؟!. أجد ثمة تمزيق بشع لكل أنسجة الحياة الشاسعة المعطاة بغية إثارة نوع من الألم الإنساني لا يوصف، وإلقاء التعمية الظالمة في نهاراتنا المبتورة. لابد لنا نحن البشر الواعين من نسجٍ في الحياة نجهد به كي يشدنا إليها وإلى بعضٍ.
وينبسط إزاء أحلامنا ومشاريعنا الموؤدة في هذا العصر، وغير ذلك ليس لنا غير المغادرة كلٌ في ركنه المعتم، متشحاً بالصمتِ والغربة والعدم، أو السقوط في واحدة من طرق الموت المتأني، الإدمان أو الانغمار في تجارب فاشلة داخل خيمة الأسئلة المقفلة أو بالكتابة اللا مجدية.
لابد من صوت.
الأشّد وعياً هم الواقفون على حدٍ مرعب، بين مفترق في العالم يحفرون عليه شهادتهم وعلاماتهم الشاخصة.
هم يضعون ندباً ويرحلون.. أصوات كونية.. وهذا قدرٌ لابد منهُ.
صديقي، الراسخ وقوفاً هناك في انتظار الذي يأتي
والذي يرتكز على محاجات القلب النابض بشوقه
للقادم
والآتي في يومٍ من السنين

لكَ كل محبتي الباقية
ولك مني أن تنشر ما تشاء من كتاباتي

كما وأرجو إرسال ما تختاره إلى (أبي مخلص) - الشاعر الفقيد عزيز سماوي -

حبيبي
وإلى لقاء

أبو صمد
تموز 1998
الديوانية


-1-
التآكل *
في الخامسة مساء، تدخل البيت بوجهها الواجم. تلقي حقيبتها على طاولة المدخل، مطلقة زفيراً ممروراً. تنفرج قسماتها قليلاً لحظة هروع طفليها راكضين من الصالة نحو المدخل الضيق. وما أن ينشغلا عنها عائدين إلى متابعة برنامج الأطفال حتى يستعيد وجهها المجهد برمه الذي لا فكاك منه. لا يحرك ساكناً. يلوذ على الأريكة السوداء الوثيرة بطرف الصالة متصنعاً متابعة فلم الرسوم المتحركة، بينما حواسه منشغلة بمقدمها، الضائق من إيقاع اليوم.. اللحظة. لقد مل من استنهاض مرحه القديم، الذي كان يستمده من العشرين عاماً التي قضياها معاً في مكانهما الأول بمدينة محاطة بالصحراء وكأنها واحة حيث المشاعر تستعير وهجها من جمر الرمل، ثم رحلة العذاب في قساوة الجبل ورجال العصابات الحالمين الذين أذاقوه ويل الغيرة وهو يرصد فوران الشهوات المحتدمات في هيجان العيون المقموعة بنواميس النضال، كان يتذكر نضالها المضني من أجل مقاومة سطوع رغبة الأجساد الصلبة الطافحة بالشهوة في صمت النظرة، في نغمة النبرة المرتجفة. وكان يلزم الصمت وشبه الحياد. كان يجد لذة فريدة، أكثر عمقاً من لحظة الولوج بها والتماهي، في لحظة إفضائها له همساً وهما يتوسدان الأرض على فراش رث في غرفة طين تكمن في سفح جبل عن اكتشافها فحوى ود رفيق جعل من نفسه أكثر حرصاً من أخ قروي. لحظتها يشعر بالزهو وهو يكتشف عنف مشاعرها وشدة تشبثها به في اضطراب وضع بشري في تلك الأماكن النائية ووسط خليط غير متجانس من البشر.
ملّ محاولاته البائسة بتصنع المرح والشوق لحظة رجوعها من عملها في الكومون وسؤاله البليد عن صحتها ويومها الذي صار لا يعنيه، مثلما صار حاله لا يعنيها. لم تسأله يوماً عن أحواله إلا على مضض ولضرورة تستدعيها تقاليد المجاورة، فكيف بالعيش المشترك، وطامة عذاب ليل السرير. أصابعه المخذولة، الراجفة الساهرة الحالمة المفرودة بتوجس جوار الجسد العاري تماماً والراقد لصقه، المعطية ظهرها اللدن الباعث نيران حارقة كأنه فوهة فرن خبز، والمتصنع غفوة عميقة، غير مبالية بالشوق المنبثق من أصابعه السادرة في حلمها المستحيل، والتي تنكمش مخذولة بعد جوباتها في تلك الأرجاء الأليفة التي عادت نائية في لصوقها الوثيق.
ـ مرحباً.
يلتفت نحوها، ترميه بتساؤل، يدرك معناه فقد كف منذ أيام عن محاولاته الليلية العقيمة في استرجاع مجد الاحتدام القديم المتلاشي في نواح لا تطالها إلا الذكرى.
ماتت أصابعه.
ماتت.. لحظة انبعاث سؤال بديهي عن معنى تعريها الليلي وتوضيبها السرير بحيث لا بد من ذلك الاحتكاك المدمر، احتكاك كان يفضي طوال عشرين عاماً إلى ذروة عرفها الإنسان منذ آدم، لها رواء الماء الذي لا طعم له.
ـ أهلاً.
يقولها بارتباك ويعود إلى تحديقته الشاردة في ألوان الشاشة المنقذة.
تزفر بعنف، وتبدأ كشأن يومها في اللوم التفصيلي عن عدم ترتيب البيت، فوضاه، تعبها. يسدر بعيداً عن رتابة النق اليومي، حالماً بعالم غير هذا، بامرأة غير هذي الشاكية النادبة المكلمة حالها طوال فترة وجودها القصيرة في البيت.
ينتظر بتوتر انقضاء طقوس وجودها الخاطف، المشغول بين كيل اللوم وتناول وجبة العشاء، ومهاتفة صديقتها الدانمركية، معلمة اللغة في مدارس اللاجئين. يمعن التحديق في لحظاتها المرحة تلك وهي مندمجة في حديثها. رغم عتمة غبشة المساء كان وجهها الشاحب يتضرج بحمرة حب الرمان، حمرة تحيله إلى ليل سطح بيت أهله في الحي العصري عندما صارحته هي بحبها والتقته في اليوم التالي وغابا في أتون العناق والتقبيل، وقتها كان لا يتجاوز العشرين وهي بنت الخامسة عشر، التضرج الآسر الذي لم يره مطلقاً ما أن بلغا الدانمرك، ها هو يراه بوضوح في لحظة وجد هو خارجها تماماً. إنها تعانق سماعة الهاتف ببهجة لا شبيه لها سوى تألق ملامحها لحظة الذروة في الفراش أيام عزهِ القديم.
يستعجل فروغها من طقوس ساعتي المساء. ما أن تضع سماعة الهاتف حتى يتعالى صراخها المتذمر. فيتشنج جسده في لحظة خبرها من قبل، عند اعتقاله في عتمة أقبية رطبة، وهو يتلقى السياط، رجة سلك الكهرباء.
يتشنج جالداً حواسه ومتصنعاً السكينة والهدوء.
ـ شبيج.. يا عزيزي شبيج.
ـ ما بي شي.. سلامتك!.
تقولها بسخرية، وتستدير لتصعد سلالم الدرج الخشبي المؤدية إلى غرفة النوم.
تلك اللحظة.. ما أسعدها!! يطربه وقع أقدامها الصاعدة، وكأنها وقع أقدامها قبل عشرين عاماً وهي تتسلق خلسة سلالم بيت أهله لأول مرة حيث كان يأخذها إلى حضنه على الفراش الذي يعده خصيصاً لمقدمها الحلم وقتها.
يتوضب ويهدأ كل شيء لحظة غيابها. يصعد مع الأطفال إلى غرفتهم، يسرد لهم قصة، ولا يكف إلى أن يسمع انتظام أنفاسهم.
يتسلل في هدأة الليل منحدراً بحذر شديد في هوة السلالم، في سكون الصالة يفض كدره المقيم بطلاوة الكأس، يسفر في تعب حاله، شارداً، حالماً بغلالة سرابها القديم الذي يتراءى حيناً في الحلم، ويعري نسوة يراهن في المسابح، في المجلات، في الشواطئ، في حدائق الجيران عند الأصياف الحارة، يغور في الصمت، في التراب، في رثاثة الجسد المعذب وهو يتحول إلى ذات مفزعة من المعنى بعد الأربعين.
.. وحيداً في عمق الليل يدور أقنية الستالايت، فيعثر على قناة ألمانية تعرض المباهج الرخيصة.
يبدأ بالارتقاء، لينحدر بعدها إلى مسافات ذل فظيع. فيعبّ الكأس بعد الكأس، ناسياً لحظة التفريغ، ناسياً فرط الكؤوس محنة روحه اللائمة نفسها، عقب الوصول إلى الذروة، والهروع إلى مرآة المدخل الكبيرة، وصراخه المهموس، المذبوح:
ـ ولك صار عمرك خمسة وأربعين سنة.. وبعدك تضرب....!!
يلطم جبهته. يفزعه تشوه قسماته المتشظية بعمق المرآة.
أنا ناحل وأمشي مكابر
تراني
وأجلد.. خاف عدواني
تراني

ينصت لنواح سورية حسين*. يتأرجح على حافة النحيب. يكتم نشجه المفجوع. يتشظى لاطماً قسماته، صدره، بطنه، قفا رأسه، يكلم أشباح روحه النابضة، ويعب من الخمرة عباً. تنهكه الأغاني، ينهكه النواح.. ضرب الجسد، فيخوض في يم الألم مترنحاً في مشيته نحو السلالم الخشبية خاوياً.. خاوياً مثل فراغ، يتمسك بالدرابزين الخشبي في صعوده المنهوك. يتلكأ عند باب غرفة نومهم القديمة التي صارت مثل ذكرى قديمة. يمد ذراعه البائدة. يدور أكرة الباب. فتنفسح تحت ناظريه عارية تماماً، مطلية بالنور الأحمر الخافت دانية نائية تحتل كون الفراش القديم قطعة ذكرى مرئية. يغلق الباب على كونها المتجمر قاصداً غرفة الطفلين.


3/1/ 1999
الدانمرك

* من مجموعة – سرير الرمل – دار حوران 2000 دمشق


-2-
المطر بالليل *
1/3/1972 بالليلْ.. دگ البابْ
دگْ بروحي ليلْ وبابْ
فرشني ترابْ.. للفرحة.. فرشني ترابْ
خضّرْ.. يا حزنْ.. يترابْ
.........
دگ البابْ،.. اصعدْ لكْ نجمْ ع البيتْ
وأگعدْ لكْ فرحْ للدنيا لو مريت
ولك يمته تمر وياك.. روحي بلا سما.. بلا بابْ
وأنتَ هناك گامه وعين، تحفرني وأطيحْ ترابْ
....
دگ البابْ.. أزخ روحي مطرْ ع البابْ
وأغسل بيك كل ما بالليالي عتابْ
إخذْ روحي سفينة وياكْ
أروح بشوفتكْ جرفين.. وأنتَ الشطْ
فيضني وأتيه وياكْ
وأجيسكْ روحْ مملوحه.. وغريبه
وإلعبْ بروحي مهر للشوگ
وإصعدْ بالحنين وياي، گلش فوگ
وأگلك هذا المفارگ حبيبه
أگلكْ حيلْ دوخني مطرْ ع الباب
طشرني مطرْ بالراس
وأگعدْ لكْ صبحْ مغسولْ
والشمسْ الزغيرة تدور
خبزه وماشيه ويه الناسْ