الجنة تحت أقدام برلمانات الشرق الأوسط !

ملهم الملائكة
2015 / 7 / 3

كيف تصبح نائبا في البرلمان؟ يبدو السؤال بهذا الشكل ساذجا، وجوابه بالتأكيد هو : ينتخبك الناخبون من الشعب وتصبح ممثلا عنهم. نظريا ، هذا صحيح ولكن تنفيذه صعب جدا. في هذه الجولة البرلمانية السريعة سنعرف حقائق أكبر عن وضع البرلمان في الشرق الأوسط.

في كل مكان اليوم برلمان، في مصر مجلس الأمة ، في سوريا مجلس الشعب ( كما كان في عراق البعث مجلس الشعب) ! في إيران مجلس الشورى، في لبنان مجلس النواب، وكذلك في العراق(اليوم) مجلس للنواب، وفي اسرائيل الكنيست، وفي تركيا البرلمان...والبقية تأتي.
تتنوع التسميات حسب توجهات السياسة والمجتمع والدين في البلد غالبا، لكنها جميعا تحاكي ظاهريا تجارب الغرب الديمقراطية التي نقلت السلطات الى الشعوب من خلال ممثليهم. نقترب فيما يلي من بعض المجلس التشريعية في الشرق الأوسط :
مجلس الأمة المصري
مجلس الأمة في مصر لا يصله إلا الأثرياء وأصحاب النفوذ السياسي، ويسبق" انتخاب " أعضائه مهرجان دعائي منظّم للمرشحين حسب المناطق، ثم يأتي يوم التصويت، فيُدلي الناخبون بأصواتهم لمن يرونه" أهون الشرور"! وسبب هذا اليأس أنّ الجميع ( شعبا ونخبا) مدركون أنّ نواب مجلس الأمة لا علاقة لهم بالأمة من قريب أو بعيد! عضوية المجلس تتيح للنائب فرصا لمزيد من الإثراء، ولمزيد من النفوذ ، وأهم من كل شيء تهبه حصانة قانونية كبيرة تنقذه من أي هجمات معادية محتملة.
مجلس الشعب السوري
مجلس الشعب في سوريا، مؤسسة تتقاضى رواتبها من السلطة التنفيذية مباشرة، وبوجود حكومة البعث، فأن السلطة التنفيذية في سوريا هي آل الاسد حصرا حتى إشعار آخر. كما أنّ الترشيحات التصويت على عضوية مجلس الشعب تمر أولا بمكاتب وتنظيمات حزب البعث، ولا يسمح الا لعناصر من" المعارضة الرسمية" المقبولة بالحصول على مقعد "شعبي" . المعارضة التي تدعو لتغيير النظام لا مكان لها في مجلس" الشعب" لأنّ البعث يعرّفها بانها "خارجة عن إرادة الشعب" ! وظيفة مجلس الشعب السوري هو تمرير قرارات الحكومة الى الشعب، بمعنى أنّ السلطة التنفيذية( الأسد) تصدر قرارا ( وفي سوريا توجد قرارات وليس قوانين) ، وترسله الى مجلس الشعب للتصديق عليه، والمجلس لا يملك الا أن يصادق عليه ايجابا لأن هذه هي وظيفته القانونية. هذه التفاصيل ( وحتى التسميات) تتطابق 100% مع تفاصيل وتسميات مجلس الشعب العراقي لصاحبه ( صدام حسين حتى عام 2003 حيث ضرب الزلزال منطقة الشرق الأوسط) ، وبالتالي لا حاجة لتفصيل ما يجري فيه.
مجلس الشورى الإسلامي (إيران)
اسمه يدل عليه، فهو متخصص بالشورى بين المسلمين فحسب ! وبهذا فإن المسيحيين واليهود والزرادشتية والمجوس والأرمن وغيرهم لا مكان لهم في المجلس. هذا المجلس يختلف ظاهريا عن مجلس الشعب السوري لسبب عدم وجود "حزب البعث الإيراني الاشتراكي" في بلاد العجم كما يقول الأعراب ! لكن الترشح لهذا المجلس لا يتم الا من خلال لحية نابتة، وحضور يومي لسنوات في المساجد القريبة، بحيث يعرفه كل اسلاميي المنطقة المعنية التي يريد الترشح عنها ، ويُدركون أنّ فلان الفلاني ، لا يترك زيارة إمام، ولا ولادة إمام، ولا شهادة إمام، ولا مناسبة دينية الا وحضرها حتى اذا جرى ذلك على حساب عمله. كما أنّ المعيار الاهم ( كمثل حال باقي الاسلاميين) هو صلاة الصبح التي يقولون عنها" بها يعرف المنافق من المؤمن".
وهكذا بوجود لحية خفيفة وسبحة رخيصة وخاتم فضي وكي في جبهة الوجه وصلاة الصبح اليومية يكتسب المواطن شرعية الترشح لمجلس الشورى الاسلامي. من لا يفعلون كل ذلك لا مكان لهم في المجلس! وهكذا فإنّ مجلس الشورى الإسلامي في إيران هو مناسبة ومكان للتنافس بين ساسة السلطة على المناصب التالية واللاحقة والباقية.
الكنيست الإسرائيلي
وتعني بالعربية المُجمّع ويرتبط تاريخ المصطلح بالتاريخ العبري. هيئة تشريعية صغيرة قوامها 120 عضوا، و من حق كل إسرائيلي بلغ عمره 21 عاما أن يرشح نفسه للكنيست من خلال الانضمام إلى حزب مسجل أو تسجيل حزب جديد. و من حق "لجنة الانتخابات العامة " - وهي منتخبة وليست معينة- أن تمنع أي مواطن أو حزب من دخول مسابقة الانتخابات إذا كان يعارض تعريف دولة إسرائيل كدولة يهودية وديمقراطية. قرارات اللجنة من هذا النوع خاضعة لإقرارها من قبل المحكمة العليا . هو المجلس النيابي الوحيد في الشرق الأوسط الذي يضم معارضين حقيقيين للسياسة الإسرائيلية، اذا يضم اليوم 12 عضوا عربيا ضمن مجموعة القائمة 13 ، وهم :
أيمن عودة، مسعود غنيم، جمال زحالقة، أحمد طيبي، عايدة توما سليمان، عبد الحكيم حاجي يحيى، حنين الزغبي، طالب أبو عرار، باسل غطّاس، يوسف جبّارين، اسامة ساعدي، عبد الله ابو معروف.
نجح الكنيست الإسرائيلي في عام 1990 في سحب الثقة من حكومة اسحاق شامير، ما ادى الى سقوطها. كما أن اجراءات سحب الثقة أدت بتعاقب الدورات الى استقالة حكومات عدة منها، الخامسة التي رأسها موشيه شاريط عام 1955، والتاسعة التي رأسها بن غوريون واستقالت عام 1961، والسابعة التي استقالت في 1976 . هذه الفاعلية والتأثير لم تصلها أي هيئة تشريعية في الشرق الاوسط.
ولا توجد شروط ترشح وانتساب بخصوص القومية والدين، كما لا يلعب الثراء والنفوذ السياسي دائما دورا حاسما في ترشح النواب.
الشرق الأوسط منطقة في مرحلة التكوين ، هي تتكوّن منذ أكثر من قرن ، فترتسم خرائطها وتعود لتتفكك، وتلتقي المكونات لتصنع أوطانا، ثم تختلف مع بعضها، وقد تقتتل وتتذابح، ثم تعود لتفترق كل الى سبيله. ومع حمى التكوين، تُصنع مؤسسات الدول، التنفيذية والتشريعية ، والقضائية، والسلطة الرابعة (الاعلام والصحافة). والأمثلة أعلاه تحكي قصة التكوين السياسي في الشرق الأوسط الحديث.