وقْفة، قبل أن تسجّلوا هدفكم المارادوني بيد الله!

ليندا كبرييل
2015 / 6 / 29

دارتْ مناقشة مع الأستاذ نعيم إيليا المحترم، حول عبارة وردتْ في مقال للأستاذ القدير أفنان القاسم. العبارة هي التالية:
" لا تمنع الممنوع. اِفعل الممنوع ! "
وإلى حضراتكم رابط المقال:
http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=468642

لم تجدْ العبارة أعلاه ترحيباً من الزميل إيليا، واستند للبرهان على رؤيته إلى مثال القتل، الذي تبادر إلى ذهنه متأثراً بالأحداث الفظيعة التي تجري في سوريا، الوطن الأم، فقال:
" بالنسبة لعبارة (لا تمنع الممنوع، افعل الممنوع) فيمكنك أن تستبدل بها عبارة (لا تمنع - مثلاً - منعَ القتل، بل اقتل )، ليتضح لك مرادي. فإن النهي هنا يفيد اجتناب القتل، ولكنك تريد إباحة القتل وفي هذا تناقض لفظي ومعنوي ".

من نفس نقطة انطلاق الأستاذ إيليا، ألقيتُ ضوءاً على العبارة من زاوية أخرى: الحب . فتوسّعتُ في نقطتَيْ الحب والقتل، ونصْب عينيّ مصائب الوطن التي نالت من أهلي وأصدقائي وشعبي، ووصولي إلى مرحلة لم أعدْ أستجدي فيها زوْر مقولة (وسطية المسلمين وتسامحهم)، بعد أن جافتْ مواقفهم سنن الحياة، وشقّتْ مجراها إرهاباً وقتلاً ونفياً غير مرفوض رسمياً، مما يأباه المنطق الإنساني.
فقلتُ للأستاذ نعيم إيليا:
لماذا اخترت فعل القتل لتشرح رأيك بالعبارة؟
أنا أختار لفظة أخرى: (الحب).

الحب، ممنوع ،خطيئة، حرام، في أدبياتنا الدينية وتجرّمه تقاليدنا.
لا تمنعوا هذا الممنوع، فأنبياؤكم ما قصّروا في إظهار الحب. اكسروا الحجْر على العقل والقلب، أحِبّوا بعضكم بعضاً واملؤوا الدنيا بهجة، وعمّروا الكون بهذا الممنوع. افعلوا الممنوع كما ترونه لائقاً بحريتكم وإرادتكم، ولا تخافوا من مقصلة الدين، فأنبياؤكم قدوة لكم، لا تمنعوا الممنوع ! اِفعلوا الممنوع .

اجتناب القتل أمر جاءت به كل الأديان من سماوية ووضعية، وعدم الاعتداء قاعدة أخلاقية تؤكدها كل الشرائع.
ولكن..
إذا جاءني فاسق مجرم يعلم أن القتل ممنوع، ويعتدي علي لسبب ما، فهل أدير له خدي الأيسر؟
أصلاً حكامنا العرب ما ارتقوا على رقابنا إلا عندما قدّمنا لهم خدودنا وخنوعنا مجاناً.
عبارة السيد المسيح، طالما نفّذتها بحذافيرها أنا وملّتي، والنتيجة ما ترونه اليوم على يد الشاب الظريف داعش. هذه مسالمة ساذجة تنال من حياتي وكرامتي ووجودي.
كسْرُ الحظر، هو تعبير عن امتلائك بالحرية، وعلينا أن نقلب القاعدة:
" نفّذْ ثم اعترضْ ".
قد أنفّذ ثم تقع النازلة من صروف الدهر، فكيف حينذاك سأعترض؟
اِجعلوها: اعترضْ ثم نفّذ !
فلا تمنعوا أيها الذكور تمرّدنا نحن النساء على انسحاقنا المهين، ولا تزيّنوا يا رجال الدين أوامر القتل واستعباد الضعيف والاستعلاء المريض واستقصاء المخالف.
اِكسِر الحظْر على ردّ البلية، فالتمرد على ثقافة الاستلاب فعل إنساني حر.
ممارسة حقك في التشكيك والسؤال والزعيق في وجه البشاعة، أبلغ تعبير عن استحقاقك لكلمة إنسان. فتجاوزْ خدْرك الأقرب إلى الموات، وابتكرْ طريقك إلى الحياة بذاتك، لا برؤية رجلٍ ظنّ نفسه بديلاً للأنبياء، وآخر بعمامةٍ جعل من نفسه بديلاً لله !

هذا ما قلتُه للأستاذ نعيم، مع بعض الإضافة لتناسب فكرة المقال.
لكنه نعيم .. المعروف بالحنكة والترصد لكل ثغرة في الطرح . كذلك، لم يُعلَم عن الأديب المشاكس أنه يستسلم بسهولة لخصمه. قال لي :
" فلسفة أديبنا (القاسم) مبنية على أسس أخلاقية، رغم أن مذهبه الفني يزدري الأخلاق. فإذا تركنا مثال القتل وقلنا معه: لا تحرم الحب المحرم بل أبِحْ ومارسْ الحب المحرم. أفلنْ ننقض بذلك أساساً من الأسس الأخلاقية التي صرح بأن فلسفته مبنية عليها؟
مثال: أنا متزوج، زوجتي تحبني وتكره بشدة أن أحب امرأة ثانية. لكني أحب امرأة ثانية، هل تنصحين زوجتي التي تحبني وتغار علي بأن تبيح لي حب الثانية على كره منها ؟ "

أجبْتُه : الطلاق هو الحل عندما تنعدم فرص الحوار والاحترام، وقناعتي أن الأمر لا يلزمه (إباحة من الزوجة)، وإنما يلزمه أن تحفظ كرامتها وتنصرف عن زوجها الولهان.
ردّ الأستاذ نعيم أن اعتراضه يجيء ليرفض (إباحة) كل ممنوع ولا يجيء لمواساة، أو لإرشاد المرأة إلى طريق إن سارت فيه صانت كرامتها.
! ؟؟
بل لإرشاد المرأة إلى كيفيّة صيانة كرامتها، سيدي نعيم !

ثم فاجأني بقوله: " أيجب أن نحلل الخيانة الزوجية؟ أن نصفّق استحساناً للخائنة وهي تخون زوجها من غير رضاه؟ "
! ؟؟
وهل نصفق استحساناً للرجل سيدي نعيم، وهو يتمرغ من غير رضى زوجته في أحضان أربع وعشر ومئة من النساء بسند من الله، ونصفّر استهجاناً للمرأة التي انسدت الطرق في وجهها، فهرعت إلى بعض أسباب الحياة بسند من حبيب؟
المرأة في كل الأديان، إن عشقتْ تُعتبر زانية وتستحق الازدراء والرجم، أو يتولّى أهلها القيام بواجب ردّ الاعتبار والشرف.

لجمني نعيم للحظات يا إخوان، أدركتُ خلالها أنه رفع من مستوى هجومه. إنه يطرق على قضية خطيرة محظورة في مجتمعنا : الحب. الخيانة. الشرف !

كان بتقدّمه الماراثوني في الملعب، متجاوزاً كل حوائط الدفاع، قريباً جداً من المرمى.
هنا.. تلبّسني بدوري إصرار وليامز واقتحام ميسي وعزيمة نادال، وقلت: لن أفوّتها لنعيم. ثم أتيته من زاوية عكسية وخطفتُ الكرة من بين قدميه قبل أن يسجّل هدفه ( المارادوني) بيد الله وموظّفيه.
وما كان لي أن أحرز نقطة عليه ـ من وجهة نظري طبعاً ـ لولا مساندة قلب الهجوم: سامية شرف الدين (الأستاذة رويدة سالم)، البورقيبية المتألقة، الثائرة أخت الثائرات، ابنة الحرّات الورتانيات والمنشاريات *، وحفيدة الملكة ديهيا *.
أعزو ثقتي المتأججة هذه إلى الرياضة !
من اللاعبين بالأوتار وبالكرة أستلهم روح الحوار الرياضي.
سنة بأكملها، صباحاً ظهراً مساءً قبل الأكل وبعده، حبّة موسيقى وشرْبة رياضة تحت شمس الشروق والغروب، أنتهي من بطولة فألتفت إلى ثانية. دقة عالخشب! لِتحدّ متواصل ما شاء الله، وتصدّ لكل رأي غير رياضي كرأي نعيم !
وبهذه الثقة، أتابع في هذه المباراة، مواجهة الأديب المفكر نعيم إيليا.

ماذا سألتني أستاذنا؟
قلتَ لي : إذا أبحْتُ للزوجة المحبة الغيورة أن تنصرف عن زوجها السيد كازانوفا العاشق، وتلتفت إلى طموحاتها، أكون بمثابة من (يحلل) الخيانة الزوجية؟
هذا الاعتراض ليس جديداً، وكثيرون يرددونه. يتحايل فيه الرجل على حقيقة خزيه بأعذار أوْهى من خيوط العنكبوت.
وينسى سيادته في محاولة تعليق الأخطاء والنواقص بعنق شريكته التي ( دفعتْه دفعاً) إلى حضن امرأة أخرى، أنه مساهم في الخطأ.
يفتكر أنه مجنيّ عليه وليس جانياً عليها.
وأنه بريء من كل عيب وضحية لعيوبها.
لعله يكفينا لالتماس الراحة النفسية وتبرير أخطائنا أن نلبّس حماقاتنا الآخرين، بأنهم (هم) الذين دفعونا إليها، و(هم) الذين سهّلوا لنا ارتكابها، ولا وسيلة لنا إلا الخروج عنهم .. ولا حول لنا ولا قوة لردّ ما وسْوسه لنا الشيطان، وما قدّره الله علينا وما شاء فعل.

أصبح (بعث الشيطان) أسْهل وأسرع وأضمن الطرق كلما زلّتْ أقدامنا، فنستنيم على شعور خالٍ من إرهاق تكاليف الحياة.
الشيطان لا الله، يضمن لنا راحة البال !
إننا نجلّ الشيطان أكثر بمراحل مما نجلّ ضميرنا !
بل يكاد الضمير يتلاشى لشدة ما رققتْه نزواتنا !!

يبدو لي أن عين الأزواج لا تقع إلا على سلبيات زوجاتهم، فيسعون للبحث عما ينقصهم عند أخريات، وكأن الأقدار جادتْ على الرجال بالكمال والجمال.
في بيئتنا العربية المتبنّية ثقافة التنقّص من حضور المرأة، تقع الملامة على الأنثى دوماً. فإن خانها ( كازانوفا) فلأنها قصّرتْ معه، وإذا خانتْه فهي منحرفة ساقطة، وإن اغتصبها مُعتدٍ فلأنها أثارت رغبته الجنسية بسفورها.

وأنا هنا سأخاطب رجلاً لا على التعيين ، متوسّعة في بعض النقاط، حتى التي لم يتطرق إليها النقاش مع الأستاذ إيليا.

السؤال الوارد في صدر المقال مبتور، ومشكوك فيه أيضاً أيها الرجل. فأنت تلبّسه الثوب الأخلاقي لتخفي عيوبه تحت لافتة تحمل عبارة ضخمة : تحريم الخيانة الزوجية.

هل هجْرك طائش أو محسوب؟ أأنت رجل مغامرات أم زوج يتجرع من كأس الشقاء والتعاسة الزوجية؟
لم تقدّم لي ما يقنعني من علل، ثم جئتني لابساً جبّة خوري، وعمامة شيخ، لتسألني إن كنتُ أنصح زوجتك بأن (تبيح لك) خيانتها مع سيدة ثانية، وأنت دون أن تطرف عيناك تعترف لها بخيانتك ! فإن نصحتُها بذلك والانصراف عنك.. أكون مساهِمة في تقويض أساس أخلاقي . والأعجب أن ترى نقيصة ومثلبة في موقف الزوجة إذا سنحتْ زوجها عن ولهه وعشقه للأخرى والتفتتْ إلى نفسها، في الوقت الذي أعفيتَ الزوج الخائن من كل لومٍ ومسؤولية ، فأظهرْتَه كالبطل المدافع عن الأخلاق والفضيلة !!

وسؤال عالماشي.. هل تستطيع زوجتك أن تصارحك بعلاقتها العاطفية برجل آخر كما تفعل أنت معها، دون أن تخلع رقبتها من شرشها؟
ومنذ متى كان الرجل العربي يستشير زوجته في علاقاته العاطفية وينتظر منها أن تصدّه عن خطئه؟

قلْ لي: ما هي أسبابك التي دعتْك إلى خيانة زوجتك مع كل حبها وغيرتها عليك ؟ إن كنت شريفاً حقاً وحريصاً على استقرار البيت، فلماذا تبيح لنفسك أن تستبيح تكليف الضمير بتنفيذ عقد الوفاء والإخلاص، فتضعها في هذا الواقع المؤلم؟
في مثل ظرفك، ليس أمامي إلا نصيحة زوجتك بألا تسكت على حقّها المنهوب على يديك، بل هو واجب عليها ومفروض، باسم اتفاق الإرادتين المعقودتين على أن تُخلِصا لبعضكما أمام نفسيكما والمجتمع. ذلك كي لا يغريك صمتها بالمُضي في الاعتداء على كرامتها وإهدارها في عمل لا يردعك عنه ضمير. فلماذا خرقْتَ العقد؟ هل تمتحن نواياها ومقدار صلابتها؟ إن التي تشعر بالغيرة ستتمسّك بطبيعة الحال بالرفض لخطوة زوجها هذه، ولن تسلم بقبول عودة زوجها خيال مآتة، عقله وقلبه في مكان آخر.

أي منطق أناني، أن يحقق الرجل رغبته في سعادة شخصية على حساب كرامة الزوجة واستقرار بيتهما ؟! ولماذا الحافظ على الأخلاق وضابط الرذائل دوماً هو المرأة !
يا للعجب حقاً .. هذا الكائن الناقص عقلاً وديناً وحضوراً، يقوى أمام المغريات ! وذلك الطرزان المفتول العضلات أبو عيون جريئة كامل الأوصاف والمزايا الجنّاتية، يفتن أمام ظِل امرأة، يضعف عند كعْب امرأة، يهرْهر من رؤية شعر امرأة !!

بُحْ بما في جعبتك أيها الرجل، وبعدها نتكلم في الأخلاق.

و(غداً) أتابع الحديث عن المرأة، إذا أرادتْ الحياة وحتى تفرغ الجعبة.


**
الورتانيات والمنشاريات: نسبة للرائدة حاملة لواء القضية النسوية في تونس 1924( منوبية الورتاني)، والتي اقتدت بها أختها حبيبة المنشاري.
رابط مقال الأستاذ محمد نعمان
http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=362835

الملكة العظيمة ديهية البربرية:
ديهية ملكة بربرية قاومت الغزو العربي الإسلامي دفاعا عن أرض الأجداد. أطلق العرب عليها اسم (الكاهنة) إمعانا في تشويهها والتقليل من قيمة الانتصارات التي حققتها على العرب . شوّهوا تاريخ هذه البطلة فقط لأنها قاومت المسلمين (حاملي رسالة الله)

{ مقتطع من شرح تفضّل به الأستاذ أنيس عموري على الفيس بوك }