حرية و سعيد -الجزء الاول

الرفيق طه
2015 / 6 / 26

حرية ... سعيد الضحية



كان فريدا و وحيدا في طريقه بأحد شوارع الحمراء . يسير ببطئ كمتجول و منتش بالهدوء الذي افتقده في شوارع البيضاء . انتابته حالة امرأة تهرول مفزوعة و كأنها تستنجد بمن ينقذها من خطر محدق . أدار مقود سيارته الى اليمين بعد ان استعمل الاشارة الضوئية و خفف السير أكثر . أركن السيارة بمحاداة الرصيف ، و توقف يراقب المرأة عبر مرآة السيارة . يتابعهاو هي تسرع الخطى و تلتفت للخلف الى أن بلغت سيارته و فتحت الباب الخلفي . إرتمت مذعورة من الخوف ،ترتجف ، و كانها طائر جريح يبحث عن ملجا من العاصفة .
نظر اليها سعيدعبر المرآة و قال لها " أعيدي إغلاق الباب من فضلك ".
منكمشة على نفسها ترتعد فتحت الباب و أتمت اغلاقه . نظر اليها عبر المرآة مبتسما يسالها : " ما بك سيدتي ؟ " .
قبل ان يسمع جوابها شعر بنفسه يغرق في عينين عسليتان دامعتان تحيط بهما الحمرة ، و وجه ابيض بياض البرد بدا اصفراره من الحزن و ربما الالم . وجنتين حمرتهما تقلصت باعتصار الدموع . شعر برهبة تعنفه في احشائه . جعلت قلبه يخفق و دماغه يتعرض لوخز افكار متضاربة كم يمشي على اشواك صحراوية .
نظرت في وجهه و كأن جسدها كله ،خرج من جلبابها الابيض و حجابها الذي لم تسعف اضواء الليل تمييز الوانه ، إرتمى عليه من خلال عينيها التي خرجتا من وجهها تصدمه ، كانت كالاعزل الذي صادفه الاسد على حين غرة .
صاحت حتى صدح صوتها و تحدى صوت محرك السيارة " وا ناري !!!!" . انتابتها نوبة بكاء و ندب . تولول لحظها وتساءل عن ذنبها الذي رماها في هذا الحال .
صعق سعيد بردة فعلها و انتابه خوف ان تكون السيدة مصابة بمرض عقلي او ازمة نفسية حادة .
يحاول التركيز في الطريق و مراقبتها و هي تولول على الكرسي الخلفي و ينتظر اي شيئ. احكم اغلاق الاقفال الاربعة لابواب السيارة و نوافذها اتوماتيكيا تفاديا لاي تصرف غير محسوب او محاولة انتحار يصبح هو ضحية نتائجها . يكلمها بهدوء :
ما بك سيدتي ؟
ما الداعي لهذا العويل كله ؟
مماذا انت خائفة ؟
خف عويلها دون ان تجيبه . أدار المقود نحو اليمين و جعل السيارة في وضع الرسو . التفت نحوها متكئا بيده اليمنى على كرسيه و اليسرى على المقود . سألها ان كان ركوبها في سيارته يحرجها او يثير لها شكا او خوفا فهي حرة طليقة . قال لها " انا لا اريد منك شيئا غير مساعدتك ان كنت في حاجة لها." "فلتهدئي و لا تخافي و انا تحت امرك للاتجاه الذي تقصدينه لتشعرين براحتك و بالامان . "
نظرت اليه و هي تتنفس الصعداء و قالت " شكرا لك ، اهرب من هذا الشارع المظلم و بعدها نتحدث ."
اعاد دوران العجلات و اسرع اكثر و هو يحدثها بلغة الأمان . كان يتكلم و هي تنسط له و كأنها تتوجس شيئا غريبا منه .
كان يسير و ينتظر توجيهاتها ، " هل اتابع المسير في هذا الاتجاه ام اتخذ مسارا اخر ؟" يسألها .
مرة تأمره بالتعرج يمينا و اخرى يسارا الى ان بلغا ساحة مدخل ثانوية لم يبق منها غير الاسم . مكان تستركن فيه السيارات و يختلي فيه من ليس لهم مكان للاستكان .
توقف سعيد و اطفا انوار السيارة و اسكن المحرك . امعن النظر في وجه السيدة عبر المرآة . وجدها مرتخية على الكرسي . سألها " هل انت بخير ؟ " . قالت بصوت مبحوح : " قليلا " .
قال " حاولي ان تهدئي و ترتاحي قليلا . و اعتبري نفسك في سيارتك و اي شيئ تطلبينه سأحاول توفيره و تحقيقه لك اذا لم يكن مستحيلا . "
زاد ارتخاؤها و هي تتنفس كمن يسير على منحدر بعدما صعد الجبل .
وضع جبينه على مقود السيارة و كانه يعانقه بيديه و ترك مخيلته تسبح في عالم الممكنات . ملايين الافكار تتساقط عليه و لا يركز على اي منها .
في إحدى اللحظات تنفست بقوة و استنشقت كمية مهمة من الهواء الى ان امتلات رئتيها جيدا . ثم تخلصت منه بأقساط . استدارت خلفا و اخذت كمية من المناديل الورقية و مسحت عنقها و خديها و جبينها ، ربما من العرق او الدموع او من اشياء اخرى .
سحب سعيد قارورة ماء معدني من صندوق السيارة ، فتحها و شرب منها قليلا و قدمها لها . بيد مثقلة اخذتها منه و قالت له بلسان ملتو " شكرا " . قال بصوت منخفض " العفو سيدتي " .
شربت كثيرا من الماء و وضعت القارورة جنبا و اعادت ارتداء حجابها الذي يغطي الشعر و العنق و جزءا من الكتف .
سألها مرة اخرى ان شعرت بالارتياح . اجابت " الحمد لله " ، و قالت له : " كيف تجرؤ على اعتراضي و اخذي و انت تعرف ان بيننا الدم و النار ؟؟ "
قال بتعجب : ماذا تقصدين سيدتي ، ماذا تعنين بقولك ؟".
قالت :" كيف سمحت لك جرأتك ان تقترب مني و انت تعرف نسبي و من يدور حولي ؟؟ "
قال بكلامه الرزين :" لم اجرؤ على احد بما يخالف ما أومن به من قيم انسانية تربيت عليها و ربيت اجيالا على تعلمها . منذ الوهلة الاولى لم أعرف من أنت و من تكونين . و لكنني حاولت انقاذ انسان احسست انه يشعر بخطر ما ، لا يهمني من هو و لست معنيا باصله او انتمائه او عرقه او دينه او لغته او ميوله .. و لكني ايقنت انه انسان . و كما قمت بهذا في حقك اقوم به من اجل اي امراة اخرى او رجل اخر . اما الجرأة التي تتكلمين عنها ، فأعرف أني عرضت نفسي لاخطار متعددة لا تهمني ضريبة ادائها لأني ألبي نداءضمير انساني حي ."
ضحكت قليلا و قالت بازدراء " لازلت تحتفظ بقدراتك الخطابية التي كانت تميزك و تجلب بها ضحياك . انتم تتربون على المكر و الخداع و لا تتخلون عن دوركم في مراحل حياتكم . " .
اهتزت أوصله و اصيب بفزع كبير ، اعاد كبح الاستفزاز الذي تعرض له و شعر أنه وقع في مصيدة لم يعرف خيوط افخاخها . قاوم احاسيسه و قال : " اذن انت تصطنعين الخوف و الهروب من شيئ ، و انت تعرفينني من قبل !. "
قالت السيدة بيقين : " لا لا ، حاشا لله ، كنت في خطر و احسست اني انقذت نفسي منه . لكنني وجدت نفسي في سيارتك و كاني في خطر اشد و افدح . حالة الاعزل الذي ترك البحر من ورائه و العدو امامه و ماله الا الاستسلام "
قال سعيد بصوت الندم : " اذن انا عدوك الآن و انت مستسلمة ! "
قالت : " لم اقل هذا و لكني اكلمك عن شعوري في اول وهلة رأيت وجهك في السيارة . "
قال : " ماذا يعني هذا ؟ "
قالت : " لا يعني شيئا سوى انك انقذتني و انا الآن في شبه الأمان ، كما اني مدينة لك بذلك . "
قال : " و ماذا يعني الأمان الكامل لك ؟ "
قالت : " الأمان ان أصل مكان سكناي "
قال سعيد : " اعتبري نفسك بلغت مرادك و لو تطلب مني الامر دمي و روحي . ساوصلك الى مكان الامان و لو يكن في مدينة اخرى . "
ابتسمت و شكرته ، قالت انا لا اطلب منك سوى مرافقتي في هذا الحي ، لأني أخاف في ازقته شبه المظلمة .
قال اذا لم يحرجك ندخل بالسيارة . أشارت بحركة وجهها عن رفضها و قالت لا اريد ان يراني احد انزل من سيارة غريب . لذلك اطلب منك مرافقتي مشيا على الاقدام .
ترجلا السارة و دخلا الحي يخترقان ازقته و رائحة الياسمين تتفتح لها الأنوف تصدر من حدائق المنازل .
كان سعيد يسير تاركا مسافة بينه و بين السيدة إبعادا لحرجها و اتقاءا لاقوال المارة ، خاصة ان مغامرته هذه اصبحت ثقلا عليه ، رغم عدم تراجعه عن اداء مهمته . لكن السيدة تسرع الخطوات لتلحق به و الاقتراب منه . و لما اتضح لها حرجه منها طلبت منه مساعدتها على المشي لان حذاءها لا يسعفها في المشي، و العياء يثقل قدرتها على السير . وضعت يدها تحت ابطه ، كانت قامتها الطويلة تساعد على ان تحدثه في اذنه اليسرى . سألته ان كان لا يعرفها او تعمد التنكر لها . اجابها بتعجب كيف له ان يعرفها و هو لم يسبق ان التقاها .
قالت بيقين تام انها تعرفه . اجابها بانضباط ان معرفتها له لن تكون غرابة ، خاصة ان كانت ابنة هذا الحي الذي يعرف جغرافيته و جزءا مهما من تاريخه . قال لها :" في حيكم هذا ، كل الازقة تعرفني و اعرفها ، كل الوجوه تذكرني و اذكرها ، سكنت عددا مهما من البيوتات و ما اختلفت الا بارقامها و ملاكها . هذا الحي كان جزءا مهما مني و انا جزء مهم منه مدة ليست بالهينة . تذكري ان هذه المدينة ليست شعبية بحيطانها و لكن باناسها الذي يندمجون مع زوارها و اللاجئين اليها . نحن الطلبة كنا لاجئين ماكرين ، ندخل الحي و نسيطر على الحياة فيه و نعتقد اننا وحدنا لنا الحق في نشر طقوسنا . طقوس تعود اهل الحي عليها و لم يعودوا يميزون بين اللاجئ والمقيم . "
كانت تستمع له و يسرد عليها كلامه الذي يشد المسامع دون ان ينظر في وجهها . ابتسمت الى ان اثارت نظره ، لما التقت عينيهما قالت له انا اعرفك كما تعرف نفسك . رغم اني لم اكن سوى لاجئة كما احببت ان تسمينا نحن الطلبة ، بل انا الآن لازلت لاجئة .
قال اذن اين تعرفينني و انا لا اعرفك ؟
قالت انتم كنتم اعداؤنا ، كنا نخافكم . و انا الآن لا اعلم كيف انتزعت الخوف مني و هانا بجوارك !
قال : " مرة اخرى ان عدوك ؟ و انت خائفة مني ؟ ، اسرعي من فضلك لتصلي الى بيتك لننهي هذه العداوة و هذا الخوف . مهمتي هذه اريدها ان تنتهي في اقرب وقت . "
لا لا ، لا تقل هذا فانا الان انتزعت الخوف و اكتشفت اننا نحن كنامخطئين في حقكم ، بل ان ما يشاع عنكم لا اعتقد انه صحيح . نحن ضحايا استقطاب محتال و تكوين مبني على الكره .
انا يا سيدي كنت ممثلة للقطاع النسائي لاحدى التوجهات في الجامعة . و انت عرفتك هناك . اعرفك و اعرف تفاصيل وجهك و اعرف حتى حركات يدك بل اصابعك . و اعرف غضباتك و تقاسيم ابتسامتك كما اعرف سلاطة لسانك و سلاسة خطابك و قدرتك على الاقناع. .
اعرفك كما كرهتك يوم فض دخولك علينا خلوتنا النسائية في كلية الاداب و نحن ننتشي و نتلذذ بانجازنا في رواق المراة . انت تدخلت و استهزأت بعملنا و اختياراتنا . اتذكر يوم كنت تحمل كتاب الطبخ و تشرح بصوتك الذي يصدح في بهو الكلية كيف لتوجهنا ان يختزل المرأة في الطبخ ؟؟
كرهتك حد الحقد بل كانت لدي رغبة في عضك و نفث كل سمومي فيك . و الوح بك كما ترمى العلكة بعيدا عن قارعة الطريق . انت تخطب في الناس و انا اشعر و كانك تشرب من دمي . كل حركة منك اهتزاز لي وسط الاخوات و امام الاخوة . كل كلمة منك استصغار لي و تقزيم لاختياراتي . كان ذلك الرواق الذي بلغنا مجهودات جد جبارة لتهييئه ، اعتقادا منا و انا بالخصوص كقيادية في الموقع و كمسؤولة امام امراء الجماعة انه سينال اعجاب الطلاب و سيكون ضربة قاضية لاعدائنا ،و كبديل عن ثقافة الخلاعة و الابتذال التي تنشرونها بين النساء و الطالبات خصوصا . انتم تدعون الى تحرر النساء و تعارضون تعدد الزوجات رغم انه تشريف للمراة المسلمة . انتم تقيدون حرية الرجل و تطلقون العنان للمراة و تضربون ركن القوامة الذي وهبه الله لمن شاء . و اشد ما يثير الحقد هو موقفكم من الحجاب . هذا اضافة الى انكم تجسدون مشروع الكفر في بلاد الايمان .
كان سعيد يسير بخطواته الثابتة متابطا يدها يستمع بهدوء خالص لحديثها ، و كانه انغمس في الذاكرة يعيد سيناريوهات تجربته في الحركة الطلابية او كمن لا يعير كلامها ادنى اهتمام .
حركت يدها اليمنى تحت ابطه منبهة اياه لكي يقول شيئا يشفي غليلها و يشعرها بانها أنبته عن ماض لازال يحاصرها اليوم . قالت له ماذا تقول في هذا ؟ اجابها ببرودة " اسرعي قليلا لاننا تاخرنا عن وصولك لبيتك ، يا سيدتي "
قالت له اسمي " حرية " و احب ان تناديني بهذا الاسم . لان اسمي افضل من السيادة المبهمة . اعلم ان إسمك " سعيد " ، اسم على مسمى ، على الاقل انت سعيد لانك لم توفر لي نظرة واحدة منذ سنوات لارميك بسهام حقدي و كرهي لك الى ان وجدت نفسي غارقة في جميلك . و ها انذا بلغتك بما كنت اكن لك من كره اشعر انه اليوم انقلب الى ضده .
ابتسم و قال " سيدتي ، حرية ، لا يهم الاسم الذي تحملين ، و لكن المهم ما ترتاحين له . انا لا اهتم بكرهك و لا بحبك و حتى بحقدك . انا الآن أؤدي مهمة و هي وحدها تهمني . اما غير ذلك فانا لست معنيا به . مهمتي الآن ان أبلغ بك الى مكان الامان و هو بيتك . اما ما تحملينه عني من ضغينة في الماضي و ما يمكن ان تحملينه في المستقبل فلا يعنيني . لذلك لا اهتم لا بشكلك و لا باسمك و لكني استجبت لمناد بدواخلي ، انه ضميري ، لانقاذك من خطر قد يكون محدقا بك . انت انسان ، فريسة عزلاء في غابة اسود و ذئاب . و مهمتي ستنتهي باعادتك لبر الامان . "
بتعجب قالت له :" الى هذا الحد قلبك متجلد ؟ ابهذا الجفاء كله تكافيني على صراحتي و وضوحي في نقل ماض انقلبت عليه و نسيته و اعتبرته ماض تحللت عظامه في المقابر ؟ الى هذا الحد تنعدم فيك الاحاسيس و العواطف ؟" ظهرت في مآقيها دمعة كادت ان تسقط . و بح صوتها . سكتت قليلا و قالت انها مدينة لسعيد بروحها و حياتها ، لذلك هي تسامحه .
اجابها بثبات و استرسال و بدون تردد انه يؤكد ما يقول فقط لان ما يجمعه بها هو الانتماء للانسانية و الوطن . اما تعابيرها فليس لها على احاسيسه و مواقفه اي اثر . لانهما من مواقع اجتماعية مختلفة .
سي محمد طه 26/06/2015 بالدار البيضاء
يتبع