المال، السلاح، الدولة في الرأسمالية المعاصرة

سمير أمين
2015 / 6 / 26



استخدم مصطلح جموع multitude لأول مرة في أوروبا، على ما يبدو من الفيلسوف الهولندي سبينوزا، الذي يشير إليه مايكل هاردت وأنطوني نيغري بالتحديد. كان المصطلح يعيّن حينها «عامة الناس» الذين يشكّلون الأكثرية في مدن «العالم القديم» والمحرومين من المشاركة السياسية (المقتصرة على الملك والأرستقراطية) ومن السلطة الاقتصادية (المحجوزة لأصحاب الأملاك من السلالات الإقطاعية أو للبرجوازية المالية الناشئة، المدينية والريفية – بما فيها الفلاحون الأغنياء) مثلما كانوا محرومين من السلطة الاجتماعية (التي تستأثر بها الكنيسة والإكليروس). وكان موقع العامة على تفاوت. فالعامة في المدن كانوا أصحاب اضطرابات غالباً ما ينفجرون في انتفاضات عنيفة. وكثيراً ما كان الآخرون يعبّئونهم في صراعهم مع الأرستقراطية – والبرجوازية الناشئة خصوصاً، وهي المكوّن النشط من «المرتبة الثالثة» في فرنسا.

مصطلح «الجموع» له تاريخ
وجدت أشكال اجتماعية مشابهة للجموع في أمكنة أخرى في ما مضى. فالعامة في روما القديمة وفي المدن - الدول الإيطالية في عصر النهضة معروفون جداً. في الثورة الإنكليزية في القرن السابع عشر، كان «التسويديون» الذين ظهروا إبان النزاع بين كرومويل والعرش، ينتمون إلى الشريحة الاجتماعية ذاتها. فيما خصّني، لاحظتُ أن وقائع اجتماعية مشابهة يمكن العثور عليها خارج أوروبا، كما هو حال الـ«تايپنغ» في الصين في القرن التاسع عشر.
وفّرت مراوحات الثورة الفرنسية فسحة لتدخّل أقوى من العامة (جموع ذلك العصر) في النزاع بين برجوازية «المرتبة الثالثة» من جهة والعرش والأرستقراطية من جهة أخرى. وسرعان ما صار النزاع ثلاثي الأطراف (أرستقراطية، برجوازية، شعب) وغلب العنصر العامي لفترة في العام ١٧٩٣ مع صعود الكتلة السياسية المعروفة باسم «الجبل». وكان روبسپيير يعبّر بوضوح عن مطالب هؤلاء العامة وقد جابه «الاقتصاد السياسي لأصحاب الثروات بالاقتصاد السياسي للشعب»، مستخدماً التعابير الحديثة الصارخة ذاتها، كما تلاحظ فلورانس غوتييه.

--------------------------------------------------------------------------------
ملاحظة ابتدائية عامة
إن انتفاضات العامة هي البرهان على أن البشر لم يرتضوا دوماً الاضطهاد، والحرمان من الحقوق، والفقر التي تفرضها عليهم الأنظمة الاجتماعية المتنوّعة في عصور وأمكنة مختلفة. إن جدلية النزاع عند البشر بين الرغبة في الحرية (وهي مسألة أنثروپولوجية) واللامساواة المفروضة عليهم (وهي مسألة سوسيولوجيا سياسية) واقع دائم وعابر للتاريخ.