النقد الكهنوتي

ميلاد سليمان
2015 / 6 / 26


في الخطاب الفكري، وفي الخطاب الديني؛ البعض يقدم أحكام، والبعض يقدم مِعرفة، والبعض يقدم تحليل لاحقًا عليهما بهدف بيان مساعي وأُطر هذا الخطاب، وهنا يجيء دور النقد كـمفتاح معرفي يُسَّهِل لنا الولوج إلى بنية الخطاب لفهم مراميه.
في اللغة؛ نَقَد الشّيءَ أي بيَّن حسنَه ورديئه، أظهر عيوبه ومحاسنه. ونَقَدَ الدَّرَاهِمَ بمعنى مَيَّزَهَا وقلَّب فيها ونَظَرَ لِيَعْرِفَ جَيِّدَهَا مِنْ رَدِيئِهَا. بالتالي يكون المعنى المتداول المشترك لعملية النقد؛ هو النظر في قيمة الشيء/ الخطاب، ومن ذلك سنجد عدة أنواع من النقد؛ أشهرها نوعيّن: النقد المعرفي، وهو النظر في إمكانية وشروط المعرفة وحدودها، وهو عدم قبول القول أو الرأي قبل التمحيص والمعالجة له، وينقسم إلى نوعين عامّين: نقد خارجي وهو النظر في أصل الرأي ومصدره للتوثيق وإثبات الصلة والقرينة، ونقد داخلي وهو النظر في الرأي ذاته محتواه وتركيبه وإتساق صيرورته من المقدمة إلى النتيجة.

وهناك النقد الكهنوتي، وهو إطلاق الأحكام في العموم، دون سند أو دليل أو قرينة تدعم وتوضح وتفسر الحكم، وسُمي كهنوتي، لأن أغلب مستخدميه هم فئة رجال الدين ومريديهم، على إختلاف تياراتهم من حيث الإعتدال والوسطية والأصولية، حيث يتم الحكم على القضية موضوع النقاش بالتحليل والتحريم، أو المنع والإباحة، أو التفعيل والتعطيل، أو التحسين والتقبيح؛ بناء على أراء شخصية بحتة، وأهواء فردية خاصة، ولكن يتم تغليفها ببعض الآيات والنصوص والأحاديث، لتخرج في النهاية في صورة نسق منطقي ينخدع فيه البعض، كنوع من أنواع القياس الزائف، الذي يسقط في بئره بعض ممَّن وثقوا في نزاهة رجال الدين واعتبروهم المتحدثين بإسم الإله، أو المحافظين على دينه وإعلاء كلمته، وتركوا عقولهم في إجازة مفتوحة.

النقد المعرفي؛ هو الأكثر ليبرالية وديمقراطية في تفاعله مع بيئته المحيطة، من أفراد وموضوعات، حيث يعزلون أنفسهم ويبعدوا شخوصهم عن الرأي ولا يتشبثون به، مهما بدا صحيحًا أو صادقًا، بل يكون نموذج إستشاري موضوعي، من السهولة تغييره وتعديله. بينما النقد الكهنوتي، فهو إحتكاري؛ حينما يرفض رأي، تجده غالبًا يتجنب التحليل بحكم طبيعته الدوجماطيقية، ويخرج بتلك النتائج المُبتسرة بلا مقدمات، التي ينقُصها التبرير أو الوضوح وبيان الحيثيات، وكأنها نتائج تأتي من أعلى، بإتصال مع كائن غيبي، وحيٌ يوُحى، قائلها رجل حكيم لا يحق لنا مناقشته وعلينا أن نسلم بها.

النقد المعرفي، ربما ترجع أهميته، لأنه يكشف عن أساليب تفكيك الفكرة/ القضية موضع النقاش، بل ويضع بين يديَّ القاريء مفاتيح متجددة لفهم القضايا المماثلة؛ ومن ثم يجعل من القاريء نفسه مشاركًا في النقد، بل ومبدعًا فيه أيضًا، حين يحاول إستخدام نفس المفاتيح وغيرها من التي يبدعها (القواعد والأساليب وتطبيقاتهما الإبداعية المختلفة) في معالجة قضايا أخرى، على عكس النقد الكهنوتي الذي ينتهي مصيره ويموت مختنقًا بين مجموعة أتباع يسيرون على منهاج "هو كداا.. لا تجادل ولا تناقش يا أخ عليًّ" و"إبن الطاعة تحلّ عليه البركة"..