الفضاء الليبرالي

الطيب عبد السلام
2015 / 6 / 21

بادئ ذي بدء اشير الى ان هذا المقال هو مقال استباقي لنقاشات لا شك انها ناشيئة في عقول المنشغلين بالنضال الحداثي الليبرالي،هذه النقاشات هي مؤجلة لسبب غاية في الوجاهة يتمثل في أن الليبرالية هي معول هدم في المقام الاول و يد بناء في المقام الثاني.
و الليبرالية مواجهة بمهمتين صعبتين جدا في ظني خصوصا في مستنقعات العروبة و الاسلام.

الاولى هي النضال من اجل العلمنة و التنوير و الدعوة للحداثة و هي بذلك تواجه بمعولها تكتلات الطائفية و الاسلام السياسي و حتمية التحالف في ذلك مع قوى العلمنة الاخرى و هو النضال الذي يستهلك جل الجهد و يؤدي الى انهاك مبكر للطاقات العقلية العاملة و صرفها عن مشروع البناء و هذا النضال هو الاقسى و الاكثر دموية في تقديري.

اما الثانية فهي السعي لتجريب الليبرالية نفسها و تطبيقها على المجتمع في ظل نضال سياسي طبيعي و هو المستوى الذي يسعى هذا المقال لتخيل النقاشات المتوقعة فيه بغرض رأب اي صداع مستقبلي في الاطار الفكري يؤدي الى تشظية المنظومة الليبرالية و تمزيقها،عبر طرح فكرة الفضاء الليبرالي، و النقاشات هي مؤجلة في هذا المستوى نسبة لانشغال الليبرالين و انخراطهم الكامل في بناء مجتمع علماني حر قادر على منح الفرص العادلة للافكار لتتناقش فيه و تحيا.

الفضاء الليبرالي هو الافق المهياء قبلاً لتبادل الافكار الفلسفية و السياسية و الحزبية المتعلقة بالعمل الليبرالي نفسه،بمعنى اوضح فأنها البراح الاوسع لأنتاج الاختلاف و التمايز بين تنظيرات الليبرالين و خلافاتهم غير الناكصة على اساسيات و مثل النظرية الليبرالية نفسها،في هذا الفضاء الحر لا مكان للرائ الواحد او القناعة الواحدة،بل المكان هو للنقاش المستمر و التعدد الدائم،فتنجو بذلك الفكرة الليبرالية من فخ الدوغما و الانقلاب على مفهومها الاساسي في الفردانية.

ميزة هذا الفضاء هو انتاج التعدد و تقبله ضمن منظومة واحدة،لأن تعدد الاتجاهات و التيارات "الفكرية" فيه هو جزء من بنيته الاساسية و ليس امراً نشازاً عنها يجب أن يلاحق او يقمع، شريطة ألاتفاق على المعقولية المسبقة كما يذهب الى ذلك كارل اوتو ابل في اسباق قيم حاكمة على الحوار فتمنعه من الانحراف و التوهان في الا معقول و الانشاء و الميتافيزيك.

على سبيل التقريب فقد يذهب بعض الليبراليون الى تبني مفهوم "السوق الحر" و يذهب الأخرون الى "مفهوم السوق الاجتماعية" و يحدث جدال محتد بين هاتين الرؤيتين قد يهدد المنظومة الليبرالية.
و حتى ننفلت من هذه المعضلة علينا الاقرار بتعدد المقترحات دأخل المنظومة الليبرالية الحزبية و لا يجب على الحزب تبني اي واحد من هذين الخيارين بصورة مثالية مسبقة ما لم يختبرا على ارض الواقع و يتم الانحياز تلقائياً الى الافضل و الاكثر نجاحاً من دون احداث اي اقصاء قبلي او حتى بعدي لاصحاب الموقف غير الموفق.

أن الفضاء الليبرالي داخل المنظومة و مدى اتساعه هو الاقدر على تجنيب المنظومة تبني رؤية احادية تقوده الى زنازين الايدلوجيا الخانقة.

بعد ايضاح مفهوم الفضاء الليبرالي سانتقل مباشرة للحديث عن رؤية هي غاية في الالحاح علي و هي نقطة قد تحجم من انتماء الكثيرين لائ منظومة حزبية ليبرالية، و هذه النقطة هي سوأل فلسفي عميق يواجه المنظومات الليبرالية كل يوم و كل ليلة.
و هو أن الليبرالية هي حالة فردانية محض فكيف يتم بلورتها في منظومة جماعية؟؟ قادرة على سلب تلك الانا الليبرالية حريتها و الزامها بعمل جماعاتي يحد من مساحتها الشخصية، انه سوأل الانا و الهُم، و لا شك انه سوأل مهم ينم عن وعي متقدم بالذات.
من خلال تجربتي القاصرة في العمل الحزبي الليبرالي تأملت تفاعل الاشخاص تجاه قياداتهم السياسية و تجاه واجباتهم التنظيمية التي هي بلا شك فيها اهدار جم لقيمة الفردية لصالح منظومة حزبية غايتها تلك الفردية.

لاحظت أن "الأنسان الليبرالي" انسان يجنح نحو الفردية بصورة كبرى و هو الاميل للهرب المستمر من اي تكتل ليبرالي و هو الاشد حساسية لافتراع طرقه الخاصة في الابتعاد عن الجماعة حتى لو كانت جماعته و اطلاق العنان لفردانيته و لمشاريعه الخاصة.
هذه المحنة التي لا شك تواجهها كافة المنظومات الليبرالية حول حجم الانا الفردية الفردية تجاه الانا الجماعية الفردية!! لأن نوال الفردية عبر طريق الفعل الجماعي قد ينال من فردانيته تلك في الوصول اليها.

هنا لا بد لنا من اللجوء الى علم النفس و اصدار اعتراف مسبق منها بحوجة الانسان المستمرة للانتماء الى جماعة تحقق له الأمن الابوي و ترضي فيه الرغبة في الاجتماع و الا لتحولت البشرية الى كائنات ساكنة في الصحارى القاحلة مكتفية بذاتها و معتكفة تعبد نفسها، هذه الحوجة الى التبادل الاجتماعي يمكننا عبرها و لو بصورة قاصرة تسكين هذا السوأل الفادح في المسافة الشاسعة بين انا تكدح لفردانيتها بنفسها و انا تكدح لفردانيتها بجماعة تدعو للابداع و للفردانية المطلقة.

في ظني أن على المنظومات الليبرالية ان تبني هياكل داخلية اكثر تسامحاً تجاه الفرد،هياكل قادرةعلى مماهاته و مجاراته و تبني افكاره و تشجيعها لا حبسها و تقييدها،هياكل مرنة غير ملتزمة ببيروقراطية ملزمة تحاصر الفرد بنصوصها و اجندتها.
العمل على توسييع هذه المساحة بين الانا الفردية و الانا الجماعية هو وحده ما سيبقي المنظومة الليبرالية على قيد الحياة و تفادي اي نكوص و تفتت قد يصيب المنظومة.
هذه المساحة الرحبة داخل المنظومة لن تنجح الا اذا اتسع الفضاء الليبرالي داخل الكيان غير المطالب بتقدييم اجابات نهائية او موحدة لقضايا تحتمل رؤى متعددة.