عشتاري العراقية -7-

سلام إبراهيم
2015 / 6 / 15

عشتاري العراقية -7-

المرأة دهليز معتم كعالم الأساطير السفلي
والرجل أعمي في يم الظلام

نهضتُ منهكاً من موضع بروكي. خطوتُ بين نبض الشموع الراجف ونسائم الجوري، والبخور، والحرمل، وضوع عريها الفريد. جلبتُ قنينة فودكا أخرى. افترشت أرض الغرفة. لم يعد الكرسي المشرف من علٍ على عشتاري السابحة في نهر السرير المتوهج يطيق روحي التي لا تعرف ماذا تصنع والخمر صار ماءً، لا صحو ولا سكر، والشهوة تجلت وعلتْ أمام هذا التجلي الرباني المنبعث من بطون التاريخ، من التراب، من كثافة الأخيلة، من اختلاط المعاني عند بهاء وضوحها. صارت رغبة الولوج الخاطف في الأحشاء من هذا الشق المنتفخ المتوتر في غفوته.. الولوج الذي سرعان ما ينطفئ بعد الذروة التي لا سبيل يحول دون الهبوط منها.. الرغبة صارت مزيجَ ضوعٍ فريد لا مثيل لها سيظل يرافقني كل العمر..
الرغبة الطبيعة لدى البشر بالجنس صارت لا معنى لها.
أمكث في ذروةٍ لا هبوط منها.. في سكرٍ لا سكر بعده.. أمكث وخوفي الوحيد من انقضاء الليلة التي أدْمَتْ سري بسرها.
ـ أتكون ليلة العري والهذيان والمخيلة والوجد تلك.. سر ضعفي؟!.
كنتُ منهكاً وظهري المبتل يستند إلى الجدار المغلف بالخشب جوار السرير. وقتها لم أتخيل قط أنني بعد واحد وعشرين عاماً سأتكئ مرات ومرات في عتمة غرفة النوم الشاحبة بسماء باهتة الظلمة ناظراً للتفاصيل المهلكة نفسها، اللحم البض نفسه، التموج نفسه، الكون نفسه مع فارق نضج التجربة، إذ أكسبتها رحلتنا المضنية معاني وظلالاً أخرى وجعلت من عريها أكثر عمقاً، فشدتني إليها شداً يشبه ارتباط العضو بالجسد.. سأنسحق تحت عمق الليالي المضنيات حتى مطلع الأفجار الشاحبات في سماء لا تغادرها الغيوم الواطئة، سأصلب حتى تباشير الضوء المتسلل من النافذة الساقط على عريها المسفوح جواري، الداني المستحيل، الراغب في تبعثره الممتنع. ستلقي بي الوحدة والوحشة إلى مساحة الأسرار وعاداتها الحميمة.. سأعود إلى بواكير مراهقتي الصعبة حيث أحس أن كل الأشياء ضدي فأخترق بمخيلتي الجامحة كل الأسوار والحدود مضاجعاً ما أشاء، وقتها كنتُ أحس بنشوة خرق المحرمات، لكن وأنا في خريف العمر ستنهكني العادة السرية التي تشبه في طورها المتأخر الخوض في فراغ.. الإمساك بوهمٍ. في تلك اللحظة وأنا أحلم بالمكوث الأبدي جوار غفوتها المضاءة بنور الشمع الخافق، وبدفق لهاثي المكتوم لم أكن أتخيل أبداً أنني سأعيش تكراراً ليلياً للحظة تلك لكن سأكون فيها منبوذاً.
كان عريها بمستوى نظري في جلستي جوار السرير الواطئ. وكنتُ أعب "الفودكا" الكسيحة حتى شحب ضوء الشموع وخيوط الفجر بانت من النافذة المطلة على الوادي الفسيح.
أرعبني الضوء.
أرعبتني تباشير الصباح التي ستحطم المشهد الذي أنتشل كياني من بهمةِ غريزةٍ بريةٍ ليضعني في موقعِ لذةٍ مختلفةٍ مبرّحةٍ، زمنها لا يقاس بالساعةِ. لذةٌ لا يفهمها إلا من عاش تباريح الخلق في ليلة من ليالي عشتار عراقية تستيقظ بجسدٍ حي يجاوره على سرير الكون في صحوة سكر.
هاهما قبتا الكون المتوجتان بدكنة الحلمتين تشبان في عتمة الفضة ورعشة الشموع نحو الفراغ المطلق.. نحو رغبتي المتجلية في المشاهدة والمخيلة.. في النحت وقصة الخليقة.. رغبتي المختلفة وكأنني ضائعٌ في زمنِ الرؤيا وهذا الحضور الجسدي الجليل..
ـ كيف يجرؤ الإنسان على القتل؟!
همست لنفسي وارتعدت للحظة خاطفة.
هاهو الشق الصغير الذين طلع منه البشر مفتوحاً مثل وردة جوري حمراء، مفتوحاً بين الفخذين اللذين ارتفعا منفرجين قليلاً.
نهضت مذعوراً من الفجر. ذهبت إلى الصالة. وضعت زجاجة "الفودكا" الفارغة والكأس على الطاولة. نَفختُ الشموعَ فانطفأتْ الواحدة تلو الأخرى ناشرةً رائحة حريفة، رائحة سأدمن عليها لاحقاً وأنا أقضي ساعات طوال دائراً بين كنائس روسيا وبلدان أوربا الأخرى هارباً من نفسي وخريف العمر والمنفى.. أي طيب حريف هو ضوع الشموع المطفأة الذي كان ينتشر في أروقة الكنائس الفخمة أيام الآحاد فيأخذني إلى لحظة انبلاج الفجر وميلي نحو باقات الجوري الغاطسة سيقانها بقعرِ مزهرياتٍ زجاجيةٍ رشيقةٍ بقدها الضيق عند القعر والمتسع قليلا.. قليلا مع انفتاح عنق الزجاجة المدور. حملتُ عشر وردات وعدتُ إلى عريها، وجدته مطلياً بضوء الفجر المتدفق من النافذةِ. أزحت الستارة الشفافة بحذرٍ. هبط الوادي المغبش تحت ناظري. ثمة ضجة عصافير تصطخب على أشجار البلوط والحور والكستناء في الغابة القريبة. رجعت إليها وبدأت بتقطع وريقات الورد الحمراء.. ونثرها وريقةً وريقة على شقها الزاهر المفتوح.. على قبتي الكون الرامحتين.. على فنجان الصرة المستديرة وحلكة سرها الدارس. خدشها ورق الورد، فتململت في رذاذ الفضة، ثم انقلبت مستلقية على بطنها. تموجتُ مع ربوة الكفلين موجةً هائجةً مذعورة تهبط وتصعد بين مهبط الظهر والخاصرة الضيقة ومنبت الفخذين من الخلف. ارتعدت هولاً من هذا الكمال المبسوط تحت عيني، سوف أتذكر هذا المشهد كلما مست أصابعي كعبة ردفيها في حجها اليومي لمرات لا تعد، سأظل ألتصق بلذة ليس لها علاقة بالغريزة بالكفلين في كل سانحة ببحر اليوم، وفي ليل السرير وأنا غافٍ طوال أكثر من عشرين عاماً. ستتجسد غفوة فجر الفندق والغبش يقّبل عريها وخدود الجوري وعيني الموشكتين على البكاء في أيام هيامي المحزون في وشل العمر في أرجاء المتاحف.. سأخلد إزاء عري الحجر الأبيض القائم والجالس والمستلقي والبارك والساجد.. أتأمل في صمت وخلوة القاعات الأرواح الحية المتوارية في أعماق الكتل الناطقة. أبحر في حالات الجسد الأنثوي، في المخيلة البشرية منذُ عصور سحيقة مستعيداً فجر عري عشتاري العراقية الأول حيث ابتدأت بالبعثرة في فضاء السرير متشكلةً بتكوينات لم يحرزها النحاتون بعد في أحجارهم. تكورت بمواجهة وقفتي محتوية وجهها بين ذراعيها المشتبكتين كوسادةٍ تحت صحن جبهتها، وضمت ساقيها إلى بطنها، سكنتْ في وضعها الفريد مدةً، أشركتني، وجعلتني أخطو بين زوايا الغرفة رائياً خلفية الكتلة وقامتي في المرآة.. تبعثرت مخطوفاً بنحت الجسد الأسمر المطلي بضوء وزيت الرب، المتكور بوضع الجنين. تبعثرتُ في حملقتي بأضلاع الظهر المفصّلة التي أستطيع عدها، بجلال الردفين اللذين أكسبهما قوس الجذع الملموم ضخامة قدسية جعلتني أهبط على ركبتي وأمسح شفتي المنتفضتين الجافتين وجبهتي الراجفة بجدار الردف الطري المتماسك المستدير، الناعم في توتره، المصقول الصافي كأنه سطح مرآة. تمددتْ رافعةً ساقيها إلى أقصى السرير، فالتصقت بكامل واجهتها الأمامية بالفراش قبل أن تنقلب جانباً مستديرة بوجهها نحو المرآة المقابلة لركوعي، فوضعتني في محنة الكتفين الناحلين المحيطين بالفقرات المتموجة النازلة حتى منخفض الخاصرة الضامرة فمرتفع الربوتين العظيمتين، العليا الصاعدة حتى قمة كوني بتحدبها المهنَّدسْ في انحداره الذي لا يجيد صبه إلا الرب في أول صبه لحواء التي بتُ متيقناً منذُ تلك التجربة المعلقة خارج الزمن بأن الرب لحظة أعداد الملائكة طين حواء وتشكيله كان شديد الاضطراب، يغير رأيه في موضع هذي الكتلة أو تلك في اللحظة الواحدة عدة مرات حتى أورث الناظر للجسد الأنثوي قلقه وحيرته التي عذبتني في يقظتي السكرانة في غرفة الفندق الوثيرة المعلقة على ربوة بسفحٍ بين سلسلتي كارا ومتين.
ـ فما سرك يا تكويناً مثل إبحار في فراغ.. مثل الرغبة في استعارها الخاطف؟!.
لم تكف عن التقلب على جمر الفجر الفضي. لم أكف عن التقلب في جحيم أوضاع تشكلها داخل إطار السرير بخلفيته الناصعة البياض.
أنهكني الصحو.. أنهكني السكر.. أنهكتني الرؤيا!.
مـــــدد.. يا إلهي.. مـدد.
مـدد.. يا.. حبيبي.. مـــدد.
كنتُ أصرخ في أعماقي طالباً مدد الغيب، ظللتُ أطلب المدد كي يدعني أمكث في فسحة اللحظة الموشكة على الانقضاء. نثرت أوراق الوردة الأخيرة على كتلتها الهادرة في بحر السرير، في فضة الفجر.