الشباب وسلطة 30 يونيو

عصام شعبان حسن
2015 / 6 / 14

بلا أدنى شك لعب الشباب المصري دوراً محورياً بجانب فئات شعبية واسعة حضرت للموجة الثورية في 30 يونيو، لكن تلك الموجة تم إجهاضها حينما تسلقت أحد مكوناتها السلطة واستولت عليها، أحكمت السلطة قبضتها على المجال العام محاولة إغلاقه، وبدت وكأنها تعاقب كل من حضر لثورة يناير وعلى رأسهم فئات شبابية وعمالية وكوادر سياسية معروفه بمواقفها المبدئية.
كان القوام الأساسي لحركة تمرد واللجنة التنسقية لـ30 يونيو من الفئات الشبابية، بينما راهن العديد من القوى السياسية وانتظر تدخل الجيش، في ذات الوقت كان الشباب في فترة حكم الإخوان يتظاهرون بشكل أسبوعي وقدموا تضحيات وشهداء، ومن هذا المنطق كانت تصورات العديد من الشباب تختلف مع النخب السياسية حتى تلك التي تدعي انتماءها لصفوف اليسار، بدا الشباب متحمسا كالعادة ويريد إسقاط الإخوان بينما راحت النخب تغوص في جو من الندب والإحباط وتشعر بهزيمة ثقيلة نتاج صعود الإخوان. لم تر النخب في الشعب الحل بل رأت التحالف مع مكونات سلطة مبارك وذراعه الاقتصادية والأمنية مدخلها لإزاحة الإخوان ومن هنا ما زالت تنطلق وتتشكل مواقف تلك النخب من السلطة، وتكرر شعاراتها وتهمس في اذان المتمردين أن أي هجوم على السلطة هو في صالح قوى الإرهاب، وكفاكم ثورة فلم تجلب سوى التخلف والعنف، والأولوية ليست لتحقيق الثورة بل القضاء على الإرهابيين.
بعد استمرار الاحتجاجات بعد 30 يونيو بشهر تم إغلاق الميادين وعودة السلطة إلى سابق عهدها رافعه شعار عودوا إلى منازلكم فقد انتهت مهمتكم، شكرت السلطة الشعب من جانب وبدأت في إغلاق أي فرص لحركة احتجاجية أو مطلبية وشرعت في تطبيق حظر التجوال وقانون تظاهر ذي طابع استبدادي غلب استبداد مبارك ذاته، وبدأت الداخلية في توجيه سهام القمع لكل محتج بل وصلت السلطة في جنونها لربط تحركات الكتل العمالية بالإرهاب والمؤامرة الخارجية الكونية على السيسي، وعلى مدار عامين كانت حصيلة المعتقلين تتجاوز 40 ألف معتقل أغلبهم من الإخوان المسلمين وفئات شبابية من مختلف التيارات. كانت السلطة وما زالت تخشي من حركة الناس التي أطاحت بمبارك ومرسي لذا لجأت إلى عدة أساليب لتوقف أي حركة احتجاجية مطالبة بالتغيير كما حدث في فترة الحراك الثوري بعد يناير 2011، ولم تكتف بالحبس وفرض الغرامات بل قامت عبر آلياتها الإعلامية بتشويه كل الحركات الشبابية وتفتيت أغلبها أو استمالة بعضها في بعض الأحيان.
ظلت مطالب الشباب في الحرية والكرامة والتشغيل وتحسين الأحوال الاقتصادية كما هي منذ الثورة، وقد كانت من ضمن 3 يوليو الذي أعلنه السيسي المصالحة الوطنية وتمكين الشباب وإقرار دستور وطني متوافق عليه وانتخابات رئاسة تنافسية وكذلك برلمان منتخب. حاولت السلطة مغازلة الشباب ولكنها لم تنجح وقاطع الأغلبية منهم انتخابات الرئاسة حيث أدركت أنه لا دور لهم وليس لأصواتهم قيمة، ولم يتم تمكين الشباب على أي صعيد اقتصادي أو سياسي، استشعرت السلطة الهوة بينها وبين الشباب فراحت تغازلهم مرة أخرى بدعوات الجلوس مع بعض القوى السياسية، حيث عقد مجلس الوزراء والرئيس المؤقت عدلي منصور لقاءات لم تخرج بشيء، وحتى الأطروحات التي عرضتها الأشكال الشبابية وممثلو الأحزاب مثل إنشاء مفوضية للشباب أو مجلس قومي لهم يناقش ويتابع تنفيذ مطالب الشباب في العمل وقضية الحريات لم تكن تريح السلطة وخشيت أن تساهم تلك الأشكال في عودة الحراك الشبابي وبلورة بؤر شبابية جديدة. وكذلك طرحت السلطة تعيين بعض الشباب كنواب للوزراء أو مساعدين لهم لكن التجربة تم تعطيلها وإفشالها حيث تم تعيين ثلاثة من الشباب المنتمين للصف الثوري بهدف ذر الرماد في العيون وبعدها بست أشهر تم الاستغناء عنهم من الوزارات التي عينوا فيها.
أما على مستوى رؤية السلطة لمشكلات الشباب فلم يتجاوز طرح السيسي قبل وبعد وجوده في الحكم بشكل مباشر آراء اتسمت بالسطحية، مثل ردوده حول حل مشكلة البطالة عن طريق توفير عربات للشباب ليبيعوا عليها الخضروات والفاكهة، ولم يختلف موقفه فيما يخص الحريات والمعتقلين في السجون حيث أقر أن هناك من حبس ظلما وهذا أمر طبيعي في تصوره وسوف يفرج عن بعضهم، لكن حركة الاعتقالات استمرت ولم يتم الإفراج عن أحد، وحين ذهب مؤيدوه من اليسار واليمين يستجدونه للإفراج عن البعض رفض بشكل قاطع ووضع نخبه في موضع الدفاع عن الاستبداد وترديد شعارات الأجهزة الأمنية.
كثيرون ذهبوا للسجون، وليد هاشم واحد من هؤلاء الذين تم القبض عليهم مؤخراً في الأول من مايو وهو فنان تشكيلي يساري لم يحمل سوى قلمه الرصاص ولوحته الفنية المعبرة عن العمال وقضاياهم، وفي الأسبوع الثاني من مايو قبض على ماهينور المصري ويوسف شعبان بذات التهمة التي اعتقل بها عشرات الآلاف من الشباب وهي التظاهر، بينما خرج للتو مصطفى ماهر من محبسه الذي قضى فيه أربعة أشهر نظير كفالة بخمسين ألف جنية مصري في قضية تظاهر أمام نقابة الصحفيين، وفى ذات الوقت مازالت أيضاً يارا رفعت سلام وعلاء عبد الفتاح واحمد ماهر ومحمد عادل وآخرين يقضون فترات من الحبس تتراوح ما بين سنتين وخمس سنوات.
السلطة لا تجد حلولاً بالطبع في وسط محاباة رجال الأعمال وإلغاء الضرائب التي قد فرضت عليهم من قبل، هي تسعى لتوسيع الوعاء الضريبي على الفقراء ويعد المعطلون من الشباب النسبة الأكثر معاناة في ظل ارتفاع الأسعار وقلة فرص العمل، ومازال الشباب يعملون في أعمال هامشية وبعقود مؤقته ويعتبر هؤلاء بالنسبة للمعطلين أفضل حال لكن أغلبهم لا يتجاوز دخله 150 دولارا شهريا.
وعود السلطة بزرع مليون فدان وإقامة مليون شقه وتشغيل الشباب في مشاريع أصبحت سراباً، عرت السلطة نفسها ولم يبق سوى وجه القمع ومؤيدي النظام من الفئات الرأسمالية الكبيرة وبعض النخب التي تستعذب قمع السلطة واستبدادها طالما لم يمسها، لكن لدى الشباب وكما يتردد على لسان أغلبهم لم يتغير شيء وعلينا الإعداد لما هو آت، تعلم الشباب الكثير في العام الماضي فقد سقطت أوهام عديدة وسقط مع الأوهام مثقفون ونخب ظنت أنها تمتلك الحقائق المطلقة بتأيدها للسلطة أو باشتغالها كناصح أمين لحمايتها من غضب الشعب وفئاته المفقرة. الشباب ليس عندهم ترف التبرير لواقع اجتماعي واقتصادي مرير، وليس لديهم أيضاً ترف الصبر ولم تستوعبهم الوعود، الكل يترقب في مصر في ظل انغلاق المجال العام وازدياد الأزمة والكرة الآن في ملعب فئات عمالية وشبابية أسقطت أوهام عديدة في أربع سنوات.