المغرب و أمتحان الليبرالية

الطيب عبد السلام
2015 / 6 / 12

رؤية ليبرالية للواقع المغربي

.

يقول الكاتب د :عزيز الحدادي في مقاله المنشور بصحيفة الاتحاد الاشتراكي في عددها ال 10700 يقول في مقال : كيف يمكن الجمع بين السلطة السياسية و الاقتصادية : "خلاصة القول ان هشاشة التدبير السياسي يخترقها قهر سلطة الطبقة التي اصبح المجتمع يخيفها كالبركان و لعل هذا ما يجعل السلطة قمعية و حاضرة بقوة في حين ان السلطة تكون في الدول الديمقراطية غير مرئية و ليبرالية لأنها تخضع سلوك الافراد الى تصور اجتماعي للحقيقة".

هذه الاشارات الذكية و المبطنة لضرورة الانتقال الكلي و ليس الاقتصادي و حسب الى الليبرالية هي خير ما نبدأ به مقالنا حول امتحان الليبرالية العسير الذي يمر به المغرب.

منذُ ان تهبط سلم الطائرة على اراضي المملكة تشعرُ شعوراً قوياً ان سياسية تحريرية قوية تسودُ اقتصادها،فترى المنافسة على اشدها بين السلع الاستهلاكية و العلامات التجارية التي لا حصر لها!! تقراؤها في اسعارِ الاطعمة في المقاهي و المطاعم،تراها في يافطات عرض الملابس و الاحذية،تراها في النقلة العصرية القوية مع تلاشي عصر الباصات و التكسي و قدوم التراموي الذي يشق المدن جميعها!! تشعرُ بتلك النزعة السياحية القوية في طرقاتها و في انماط العرض و في اسماءِ الاماكن و حتى في نمط الزي العصري الذي ازاح الازياء التقليدية.

لم يكن للمغرب اي خيارٍ اخر سوى تبني السياسات التحريرية الليبرالية لكي يتمكن من العيش و الاندماج في المجتمع الاوربي عبر بوابته الفرنسية بدلاً عن الغرقِ في اوحال القارة السمراء

و لم يكن مهياءً او مستعداً للدخول في اي مغامرات ماركسية دون كيخوتية تجعلهُ متخلفاً عن ركبِ الحضارة قرناً كاملاً من الزمان بل و أدخال الشعب نفسهُ في حالة من التشابه و التماثل و بالتالي غياب الطموح السياسي و بالتالي السياحي و الدخول في عداء مع المحيط الدولي.

هذا الامر عززه وجود احزاب ليبرالية قوية في السلطة و اخرى محسوبة على الليبرالية في شقها الاقتصادي مثل احزاب الاسلام السياسي كحزب العدالة و التنمية الحاكم و ذو الاغلبية في مقاعد البرلمان اضافةً الى ترؤسه للحكومة عبر عضوه عبد الاله بن كيران،اضافة الى الاحزاب الليبرالية العقلانية كحزب الحركة الشعبية ذلك الحزب العريق و العتيق الذي اؤسس منذ الثمانينيات اضافةً الى حزب الاتحاد الدستوي و حزب الاستقلال العريق المحسوب على الوسط المحافظ او ما اسميه انا بالاحزاب الليبرالية المحافظة،التي تأخذ من الليبرالية شقها الاقتصادي فقط و تبدي تحفظاً عليها في شقها الثقافي و المعرفي يبدو ذلك جلياً من خلال اصدارته صحيفة "العلم" التي تحكي ذلك الزهد الكبير في تبني ثقافة ليبرالية حقيقية.

هو الحزب الشبيه بالحزب الاتحادي الديمقراطي لدينا في حالتنا السودانية،لكي اقرب الشقة.

في الجانب الثقافي يبدو جلياً ان المسرح و السينما يمولانِ بعضهما جيداً عبر تهيئة دور العرض بوسائل مرفهة تجتذب السياح و الطبقة القادرة على تحمل التكاليف العالية.

ما يؤلم حقاً في ليبرالية المغرب انها سلعنت كل شئ وتحولت الحياة برمتها الى دولاب اقتصادي يطحن الفرد طحناً،و يبدو هذا جلياً من خلال المسيرة الحاشدة التي نظمها اتحاد المتصرفين المغاربة اي الموظفين المغاربة و بيروقراط الدولة من مهندسين و اطباء.

المنددة بتدني الاجور و ارتفاع الاسعار بصورةٍ جنونية!!

هذه المضاغطة المتبادلة بين الاحزاب الليبرالية و سياساتها و الاحزاب الاشتراكية و نقاباتها هي في ظني ما يحفظ حقوق الافراد العاجزين و غير القادرين على الحياة في ظل المنافسة المحتدمة و المفتوحة في السوق الليبرالية الحرة.

ان الليبرالية بقدر ما هي مفهوم اقتصادي الا انها مفهوم يتماشى مع النظريات العلمية الحديثة و بالتحديد نظرية النشوء و التطور التي تتحدث صراحة ان البقاء للفرد الاكثر قدرة على المنافسه!! هذا ما اسميه الجانب الاقسى لليبرالية و هي عدم الاعتراف بالعناصر الضعيفة و استبعادها بصورة ميكانيكة من المنافسة،لكن الليبرالية و بذكائها المعتاد المتقد عبرت هذا النفق المظلم كما رأينا في الولايات المتحدة الاميريكية حينما اقر باراك اوباما توسيع مظلة التأمين الاجتماعي و بالتالي كفالة عدد اكبر من غير القادرين على تغطية نفقات العلاج،ذلك بأن الليبرالية بقدر ما تغذي الفردانية و تؤمنُ بها فهي تتفهم جيداً حاجتهُ الفطرية للاعتماد على المجتمع و بناء علاقات تلبي الرغبة العارمة لديه في الانتماء و في وجود اسرة من نوع ما،بمعنى ان الطريق الى الفردانية لا بد له من المرور بجسر الجماعية و العائلية هذه هي الليبرالية التي نفهمها!! الليبرالية المتوازنة و ليست الجشعة و القابضة.

من هذه النقطة تحديداً يمكننا الحديث عن اصلاحات جديدة في الفلسفة الليبرالية قصد التعامل مع مشاكلها بعقلانية من دون دفن الرأس في الرمل و نفي تلك المشكلات.

بالعودة الى الواقع المغربي مرةً اخرى يمكننا القول ان المغرب تمر بمخاض طويل بين ارادة التغير و ارادة المحافظة و التقليد،و ذلك ينعكس جلياً في السلوك المتناقض لكثير من الافراد بين الذكورية و بين الديمقراطية و العقلانية،هذه النقطة و بجلاء تحدث عنها المفكر المغربي محمد الدرويش الكاتب العام لمؤسسة فكر في ندوة "المجتمع المغربي بين الثوابت و المتغيرات تحاليل و رؤى " يقول المقتطف : " ان التحولات التي تمس المجتمع المغربي بكل طبقاته تمر عبر مسار ثنائية الاتصال و الانفصال في حياة الفرد/الجماعة و هذا ما يترجمهُ ان تجد مواطناً يعيش بأقنعة تختلف حسب المواقع التي يتواجد فيها اذ تجدهُ حداثياً احياناً و محافظاً احياناً اخرى" انتهى المقتطف.

أن هذه الحالة المربكة ليست على مستوى الفرد العادي فحسب بل على المستوى الاعلى ايضاً حيثُ تجد نفسك ازاء سلطة عليا ممسكة بكلا الخطابين بذاتِ اليد الحداثي و الراديكالي،من دونِ ان تفقد اياً من شعبيتها لدى الاثنين المثقفين والمستنيرين من جهة و العامة و القرواوسطين من جهةٍ اخرى.

في ظني الاكيد ان الليبرالية في المغرب طبقت في شقها الاقتصادي بصورةٍ كبرى مع اهمال واضح لبقية الجوانب الثقافية و السياسية و الاجتماعية،بل و طغت الليبرالية الاقتصادية في هذه الجوانب ايضاً من دون ان تظهر اثار الليبرالية الثقافية في الليبرالية الاقتصادية.

أن الليبرالية نموزج فكري متكامل لا يمكن تجزيئته او فصله عن بعضه البعض،و الا فأن الثمن الاخلاقي و الحضاري المدفوع سيكون باهظاً و ثقيلاً جدا،و لعلنا نتفهم الفكر التمرحُلي للمشروع الليبرالي في المغرب،هو الذي عطل قاطرة بقية الجوانب الحياتية للحاق بطريق الليبرالية.

ان تفكيك انماط المجتمع القديم عبر تبني فكر ليبرالي اجتماعي قادر على مواكبة التغيرات السلوكية و حتى الجينية للفرد البشري الجديد و الاعتراف بأناه لهو مشوارُ طويل في كافة الدول التي بنيت عقولها على نمط تلقيني يقيني محدد،و لكن دعونا نتفاءل بأنه مع ظهور النجاحات الاقتصادية الباهرة للسياسة الليبرالية في المغرب فأن بقية العناصر و الجوانب الحياتية ستبرز من تلقاءِ نفسها، لأنهُ لا يُعقل الارتفاع الى مستوى اقتصادي وبالتالي حضاري معين و التشبث بفكر اجتماعي يخص و يتعلق بمستوى اخر،هذه النقطة الجوهرية و المحورية في خلق و تكوين بذرة الليبرالية أنها متى ما وجدت الفرصة لتنمو في احد جوانبها سياسية كانت ام ثقافية ام اقتصادية او اجتماعية فأنها تجتذب و تنتشل الجوانب الاخرى لتشكل واقعاً متكافيئاً و عادلاً.

من الامور الملاحظة ايضاً ان الليبرالية الاقتصادية التي طبقت افقدت المغرب نكهتها الحضارية الخاصة بها!! تلك النكهة التي يصنعها الكتاب و المسرحيون المؤمنون بمشروع وطني متعدد و لعل ذلك يعزى لصعوبة اللهجة المغربية و تأسيها باللغة الفرنسية مما احدث مسافةً كبيرة بين المتلقي العربي و بين المنتوج الحضاري للشعب المغربي! ايضاً فأن الابداع و الفن عموماً غير قادر على تحمل اي سلطة رقابية عليه كيفما كانت و هي المتجلية في المحاذير العديدة التي يفكر السياسي نفسهُ الف مرةٍ في تخطيها ناهيكَ عن المبدع المرهف الذي يحيا و يقتات على الحرية و اقل مُتاحات الحياة الكريمة.

الامر الاخر في ظني هو ان السياسة و احزابها تمكنت من امتصاص طاقات المثقف المغربي و استثمرته لصالحها و وظفته لصالح حياتها و حركتها!! و هذا الامر بقدر ما انه ربما يخصم من رصيد الثقافة فأنه يرتفع بكفة السياسة وينتج سياسات اكثر نضجاً بفكرة الانخراط اللحظي في انجاز مشاريع الحداثة و الاستنارة و ترتيب البيت الداخلي و من ثم التفرغ الكامل للانتاج المعرفي بدلاً عن تركهِ لبيروقراط و تكنوقراط المؤسسات الاكاديمية!! هي اللحظة التي لابد ان يقف فيها قلم المفكر و الكاتب مع السياسي المتبني لمشروعه و الطامح لتحقيقه بالطرق العقلانية الممكنة.

خلاصة القول ان السياسية الليبرالية في المغرب بحاجة الى اصلاح فكري عميق و مراجعة تقيمية دائمة بغرض تحقيق نجاحات اكبر من الموجودة اليوم،فالدواءُ مُر وتعقبه صحة و لكن الداء اليساري و الاسلامو سياسي أمرَ

و اصعب.

الطيب عبد السلام

الرباط 11/ماي/2014